خلال برنامج ندوة للرأي
بمسجد السيدة نفيسة (رضي الله عنها) بالقاهرة
تحت عنوان :
“مفهوم عهد الأمان في العصر الحاضر “

د/ نوح عبد الحليم العيسوي :

الأمن والأمان أهم دعائم المجتمعات ووسائل استقرارها

والاعتداء على الآمنين جريمة لا تصدر إلا من عدو حاقد على البلاد والعباد

د/ أيمن أبو عمر :

تصحيح المفاهيم الخاطئة رسالة سامية لوزارة الأوقاف

الوفاء بالعهود واجب شرعي وقانوني ووطني وإنساني

  برعاية كريمة من معالي وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة , وفي إطار الدور التثقيفي والتنويري الذي تقوم به وزارة الأوقاف لتجديد الخطاب الديني , ونشر الفكر الوسطي المستنير لبناء شخصية الإنسان , وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للإعلام , وقطاع القنوات المتخصصة بالتليفزيون المصري ,  نظمت وزارة الأوقاف مساء الثلاثاء11 / 6 /2019م ندوة للرأي بعنوان : “مفهوم عهد الأمان في العصر الحاضر” بمسجد السيدة نفيسة (رضي الله عنها) بالقاهرة ، حاضر فيها كل من : د/ نوح عبد الحليم العيسوي وكيل وزارة الأوقاف لشئون المساجد والقرآن الكريم ، ود/ أيمن أبو عمر مدير عام الإرشاد الديني ، بحضور لفيف من القيادات الدينية بالوزارة ، وأدار الندوة وقدم لها الإعلامي أ/ عمر حرب الذي أشاد بعنوان الندوة ، وأنه يسهم بشكل كبير في بناء الإنسان ، وتجديد الفكر الديني.

  وفي كلمته أكد فضيلة د/ نوح عبد الحليم العيسوي وكيل وزارة الأوقاف لشئون المساجد والقرآن الكريم أن الله تعالى أنعم على الإنسان بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى ، ومن أعظم هذه النعم التي امتن الله (عز وجل) بها على الإنسان نعمة الأمن والأمان ، فالإنسان لا يستطيع أداء مهمته في الدنيا بدون أمن وأمان ، مبينًا أن الأمن والأمان من أهم دعائم المجتمعات ووسائل استقرارها , فلا استقرار بلا أمن , ولا اقتصاد بلا أمن , ولا نهضة ولا رقي ، ولا تقدم ولا ازدهار بلا أمن، بل لا عبادة بدون أمن .

  كما أكد فضيلته أن الإسلام حرص كل الحرص على استقرار حياة الناس والحفاظ على أمنهم ، وحرّم كل اعتداء أو ترويع يهدد هذا الاستقرار ، ويضيع هذا الأمن ؛ لهذا كان طلب الأمن في الديار والبلاد وفي الأهل والأولاد هو أول ما دعا به الخليل إبراهيم (عليه السلام ) ربه ، حيث قال – كما حكى عنه القرآن الكريم- :”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ” ، وقال تعالى:” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ” ، ففي الآية الأولى طلب الخليل (عليه السلام) تحقيقَ الأمن قبل نزول الرزق ، إذ إن الرزق لا قيمة له ولا فائدة منه بدون الأمن ، وفي الآية الثانية طلب الخليل (عليه السلام) تحقيقَ الأمن قبل أداء أشرف مهمة في الوجود وهي مهمة العبادة ، لأن العبد إذا لم ينعم بنعمة الأمن لن يشعر بلذة العبادة .

  وكذلك أكدت السنة النبوية الشريفة هذا المعنى ، فقد بين لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هذه النعمة متى توفرت للإنسان كان كمن حاز شيئا نفيسا لا يقدر بمال ، حيث قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) :”مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا” ، ونلاحظ أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قدم الأمن في هذا الحديث لأهميته في حياة الفرد والمجتمع ، فالإنسان لا يستطيع الانتفاع بما يملكه إلا إذا كان آمناً مطمئنا ، فنعمة الأمن ضرورية لكل مخلوق ، ومقصود كل حي.

  وفي ختام كلمته أكد فضيلته أن من جاء إلى بلادنا وأعطته الدولة تصريحًا بالدخول ، فإنه أصبح في أمن وأمان عندنا ، فمن يهدده أو يروعه بأي نوع من أنواع التهديد ، أو يسفك دمه فهو آثم وعقابه عند الله شديد ، حيث قال (صلى الله عليه وسلم) :” مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا”، فالناس على اختلاف ألوانهم ومعتقداتهم ، يجب أن يعيشوا في أمن وأمان ، وسلم وسلام.

  وفي كلمته أكد د/ أيمن أبو عمر مدير عام الإرشاد الديني بوزارة الأوقاف أن الإسلام كفل الحرية الدينية بكل أشكالها وأنواعها ، فالإسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه، قال تعالى:” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” ، وقال تعالى:” لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”، فالإسلام دين سماحة مع المختلف معه، وهذا ما حملته وزارة الأوقاف على عاتقها من خلال تصحيح المفاهيم الخاطئة، لاظهار سماحة الإسلام، وروعة تشريعه، وجمال حضارته، إلا أن بعض المأجورين شوهوا تلك المعاني لتبرير اعتدائهم على الآمنين، مع أن النصوص الصحيحة واضحة في أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

  كما أشاد فضيلته بما جاء في خاطرة معالي وزير الأوقاف أ.د/  محمد مختار جمعة تحت عنوان ” مفهوم عهد الأمان في العصر الحاضر” التي جاء فيها : ” تعلمنا منذ نعومة أظافرنا في أزهرنا الشريف أن المؤمنين عند شروطهم ، وأنهم يسعى بذمتهم أدناهم ، فما بالكم إذا صارت ذمتهم هذه عهدًا وميثاقًا يضبطه وينظمه الشرع والقانون معًا متعاضدين يقوي كل منهما الآخر ويدعمه ويستوجبه ؟ ، إن الوفاء هنا لا شك ألزم وأوجب شرعا وقانونا ووطنية وإنسانية ، فكل ذلك يقتضي الوفاء بالذمم والعهود لا نقضها ولا تضييعها ، ولا حتى مجرد المساس بها ، ومن أوجب ذلك وألزمه حق وحرمة كل من دخل بلادنا سائحًا أو زائرًا أو مقيمًا ، فبمجرد حصوله على تصريح الإقامة أو تأشيرة أو إذن الدخول حقيقة بختم وثيقته ، أو حكما بموجب الأعراف والمواثيق والاتفاقيات الدولية في التعامل مع الدبلوماسيين ومن في حكمهم ، أو بموجب الاتفاقيات الثنائية بين الدول ، بأي طريق من الطرق المقرة المعتبرة قانونًا المعترف والمعمول بها لدى الدولة المضيفة وفق قوانينها المنظمة ، فقد صار من واجبنا جميعا متعاونين ومتضامنين في حفظ ماله وعرضه ودمه وخصوصيته وإبلاغه مأمنه ، بل صار من واجبنا إكرامه وحسن استقباله ؛ ليرى منا ما نحب أن يتصوره عن ديننا وحضارتنا بل عمق وعظيم حضارتنا السمحة وإنسانيتنا الراقية ، وبما يسهم في تكوين الصورة الذهنية التي نريدها لديننا ووطننا ومجتمعنا ، ومن خالف ذلك فواجبنا ينحصر في إبلاغ ما يتضح من مخالفته لأجهزة الدولة المعنية ، دون المساس بحرمته أو خصوصيته على أية حال ، وهذا هو حال الأمم والشعوب الراقية المتحضرة “.

  وفي ذات السياق بين د/ أيمن أبو عمر أن الإسلام لا يعرف صراع الحضارات ولا صدامها ، بل عاش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة مع اليهود ، حيث وضع دستورًا للمعايشة ، أساسه أن الجميع سواء في الحقوق والواجبات ، وكتب التاريخ والسير مليئة بالمعاملات الراقية التي تعطي صورة واضحة لما كان عليه الصحابة والتابعون في معاملة غير المسلمين.