خاطرة :
الصبر على مشاق الحج

      حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ، والحج عبادة بدنية ومالية يضحي فيها الإنسان بجهده وماله ، وربما كانت التضحية بالمال هي الأيسر عند بعض الناس ، في حين أن التضحية بالجهد هي الأيسر عند آخرين ، غير أن هذا الفارق إنما يكون قبل الشروع في النسك ، أما عند الشروع في النسك فشيئ آخر ، ليس فيه غني وفقير وقوي وضعيف ، إنما هي عزيمة وإرادة وتصميم وفقه وفهم ووعي ، فسلعة الله غالية ، وسلعة الله هي الجنة ، والحق سبحانه وتعالى يقول: ” أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ” ، ويقول سبحانه وتعالى :” أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ” ، ويقول سبحانه :” أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ” ، والأجر على قدر التحمل ، وأحب الأمور إلى الله (عز وجل) أحمزها أي أمتنها وأقواها ، وإذا كان الإنسان الراجي رحمة الله (عز وجل) يأمل فضله في تكفير السيئات وغفران الذنوب ، وأن يعود من حجه كما ولدته أمه ، فعليه ألا يجهل ولا يصخب ولا يرفث ولا يفسق ، ولا يضجر من الطاعة ، ولا يؤذي حاجا ولا ينفر صيدا ، وأن يكون سلمًا للإنسان والحيوان والطير والحجر والشجر ، فالحج مدرسة أخلاقية وتربوية ، ومن دروسه التربوية درس بناء العزيمة والقدرة على التحمل ، ألم يصف أهل العلم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقولهم:كانوا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار ،وألم يقل الحق سبحانه وتعالى لنبينا (صلى الله عليه وسلم) ” يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ” ، فقيام الليل هو دربة على الصبر وتحمل المشاق ، والحج أيضًا دربة على بناء العزيمة القوية الصلبة الفولاذية .
على أن كل هذه المشاق لا تقارن بحال من يضحون بأنفسهم رخيصة في سبيل الله (عز وجل) استجابة لقوله تعالى:” إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ” ، ولله در عبد الله بن المبارك حيث يقول في حال أهل الثغور :

ياعابدَ الحرمينِ لوْ أبصرتناَ
لَعَلِمتَ أنَّك فَي العِبَادَة ِ تَلْعَبُ
مـن كان يخضِبُ خدّه بدموعِه
فنُحــــــورُنا بدمائِنا تَتَخَضَّـــبُ

فتحية لدماء الشهداء ، وتحية لكل الأبطال الذين يحمون ثغور بلادهم ويبذلون أنفسهم رخيصة في سبيل الدفاع عن دينهم وأوطانهم . ولله در القائل:

يومَ الشـَهيد تحـيةٌ وسلامُ
بك والنضالِ تؤرَّخُ الأعوام

فليحتسب كل حاج جهده وصبره عند ربه ، ولا يضيع الجائزة الكبرى بالشكوى والضيق والضجر أو النفور من العبادة ، فالحج اختبار ليس لقوة الأبدان وإنما لقوة الإيمان . فمن قوي إيمانه بالله تعالى هانت في سبيله الدنيا وما فيها ، وتحول تعبه ومشقته إلى رضا حيث تذوب متاعب الجسد في أشواق الروح ، فتتحول كل عوامل المشقة إلى إضاءات صفاء روحي ونفسي ، لا تقوي عزيمة صاحبها خلال رحلة الحج المباركة وأراء مناسكه فحسب ، بل ربما ترسم طريقًا جديدًا لحياته الإيمانية كلها .
ومع ذلك فإن التيسير في الحج هو الأصل وليس فرعًا ، وما يسر نبينا (صلى الله عليه وسلم) على أمته في شيء مثلما يسر عليها في أمر الحج ، مع تأكيدنا أن أي متاعب أو مشاق في الحج تكون لحظية آنية سرعان ما تتحول إلى طاقات إيجابية وشحنات إيمانية بمجرد انقضاء المشقة الطارئة ، ويبقى أجر المحتسبين لا يزول .

                         أ. د / محمد مختار جمعة وزير الأوقاف .