وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب عن:
الإرهاب وأصحاب العقد النفسية
كيف يجندون الإرهابيين

Mokhtar

        إذا كان لكل تنظيم منظّروه ومستخدموه ، ومن يمولونه ، ومن يخططون له ، ويعملون على دعمه أو انتشاره ، فإن الحركات والجماعات والمنظمات الإرهابية تلقى جانبا كبيراً من الرعاية والدراسات الاجتماعية والنفسية والإعلامية ،  من القوى الدولية المستفيدة من توظيفها لخدمة مصالحها ، أو ضرب أمن واستقرار الدول التي تريد أن تسيطر على مقدراتها ، أو أن تخضعها لجبروتها .

            وفي محاولة لرصد ظاهرة غسيل المخ التي يقوم بها الإرهابيون لضحاياهم ، وفي طرائق تجنيدهم لإرهابيين جدد ، وفي العمل على ضرب شبكة محكمة حولهم ، بما يجعل من الصعوبة بمكان على أي منهم الخروج أو الإفلات من براثنها .

           فمن عوامل الاصطياد : التركيز على المهمشين اجتماعيًا والمحطمين نفسيًا ، فيأتون إلى شاب ينظر زملاؤه إليه نظرة انتقاص واحتقار ، لوضاعة في نسبه ، أو طعن في أسرته ، أو تاريخ أسود لها ، فيجعلوا منه مسئولاً أو منسقًا أو زعيمًا أو أميرًا أو قائدًا لمجموعة مسلحة ، فيحدثون لديه امتلاًء نفسيًا وسدًا لعقدة النقص التي لديه ، وقد يكون هذا الاصطياد إثر تعرضه أو تعرض أحد والديه أو أقاربه لمعرّة أو مذّلَة أو مهانة .

          ويمكن أن نتجنب هذا وأن نجنب شبابنا إياه لو أننا طبقنا منهج الإسلام باحترام إنسانية الإنسان وآدميته،  حيث يقول الحق سبحانه وتعالى:  ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ” ، ويقول سبحانه ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ” ،  ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ” إن الله عزّ وجلّ لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ” (متفق عليه)  ، ويقول (عليه الصلاة والسلام ) في خطبته الجامعة في حجة الوداع : ” أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، لا فضل لأعجمي على عربي إلا بالتقوى” ( مسلم )  ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب  يقول : أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا ، يعني بلالا ( رضي الله عنه)  ، وكان يقول : والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بدون عمل لهم أولى بمحمد (صلى الله عليه وسلم ) منا يوم القيامة .

ويقول الإمام علي بن ابي طالب  ( رضي الله عنه ) :

النــاس من جهــة الآباء أكفــــاء             أبـــوهم آدم والأم حــــــواء

فإن يكن لهم من أصلهم شـرف             يفاخرون به فالطين والمـاء

            إذا طبقنا ذلك وحنونا على هؤلاء ، ولم نأخذ أحدًا بجريرة غيره أو بجرم ارتكبه سواه ، وساد بيننا التراحم واحترام آدمية الإنسان وإنسانيته ، لأغلقنا بابًا كبيرًا يمكن أن ينفذ منه الإرهابيون إلى ضحاياهم .

           هناك فئة أخرى يسهل اصطيادها من قِبَل الإرهابيين هي فئة المحرومين والمهمشين وخاصة الجهلة والفاشلين وغير المتعلمين منهم ، يَنفْذون إليهم في لحظات حرمانهم أو يأسهم أو إحباطهم ، ونتيجة للتحويلات الضخمة التي تتلقاها المنظمات الإرهابية فإنها تغدق على هؤلاء بما يشبع حرمانهم ، ويجعلهم يلهثون خلف هؤلاء المخادعين الذي ينفذون إليهم من باب أنهم رسل العدالة وحملة الدين الذين يسعون إلى إحقاق الحق والعدل وتطبيق شرع الله الذي يكفل لهؤلاء المطحونين حقوقهم ، في كلمات حق يريدون بها باطل ، فقد قال نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” سيخرج عليكم في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية ، يقرأون القرآن لايجاوز حناجرهم  ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ” (صحيح البخارى ).

              وسد هذا الباب يكون بأمرين ، أحدهما : إعطاء أولوية قصوى في التنمية للمناطق الشعبية والعشوائية والطبقات الكادحة والمهمشة والمحرومة والقرى والنجوع والكفور والعزب والأحياء الأكثر فقرًا والأشد احتياجا ، والآخر : هو استنهاض همم الجمعيات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وأهل الفضل من أبناء المجتمع للوفاء بحق هؤلاء من زكاتهم و صدقاتهم ، مؤكدين أن كفاية هؤلاء المحتاجين بإطعام كل جائع منهم ، وكساء كل عار ، ومداواة كل مريض ، وتفريج كروبهم ، من فروض الكفايات التي يجب أن نتضامن ونتعاون جميعا في قضائها ، مرضاة لله (عزّ وجلّ) أولاً ، وحفظًا على أمننا القومي والوطني ثانيا ، مؤكدين أيضا أن ما عندنا ينفذ وما عند الله باق ، يقول الحق سبحانه وتعالى: “هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” ما من يوم إلا وينادي ملكان  يقول أحدهما : اللهم أعط منفقًا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا” .

         فنحن في سفينة واحدة إما أن تنجو بنا جميعا أو تغرق بنا جميعا ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا” (رواه البخاري)

           ثم إن الإرهابيين إذا ما أمسكو صيدًا أحاطوه بشباكهم التي يصعب عليه الإفلات منها إما خوفًا أو طمعًا ، رهبًا أو رغبا ، خوفا على حياته وحياة أبنائه إن كان له أبناء ، وعلى تعرض أسرته أوأمه أو أخته أو ابنته لما لا يحب إن فكر مجرد تفكير في الرجوع إلى صوابه ، حيث تعمد كثير من التنظيمات الإرهابية إلى تصفية من يفكر في الخروج عليها ، خشية افتضاح أمرها أو كشف مخططاتها .

        ومن ثمة ينبغي عدم ترك من يتأكد للمجتمع بما لا يدع مجالا للشك رجوعه عن زيغه وضلاله ورده إلى صوابه حتى لا يقع فريسة لهؤلاء المجرمين مرة أخرى ، على أن يظل تحت رقابة مجتمعية صارمة بما يحول بينه وبين الاتصال بهذه التنظيمات المارقة ومنع التفاف عناصرها حوله أو الاتصال به من جديد .

         كما أن المنظمات الإرهابية بما تملك من تمويل هائل فإنها توفر لأعضائها وخاصة القياديين منهم إما أموالاً طائلة وإما مشروعات يديرونها ، ويوظفونها لأنفسهم ولدعم الإرهابيين وأسرهم ، بحيث يجرد من يخرج على جماعته من كل المكاسب المادية التي توفرها هذه الجماعات لأعضائها والمنتسبين إليها .

         ونؤكد أنه يجب تتبع هذا المال الأسود القذر الخبيث ومصادرته ، وسن القوانين التي تحول دون وصوله إلى أيدي الإرهابيين أو استخدامه في تمويل العمليات الإرهابية ، مع ضرورة مراقبة حركة التحويلات المالية من الخارج مراقبة دقيقة ، وسرعة حصر أموال هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية ، واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها قانونًا ، بما يحول دون توظيفها للهدم والتخريب ، والاعتداء على الجيش والشرطة ، وتهديد أمننا القومي وسلامنا الاجتماعي ، على ألا يقف دورنا عند مواجهة الظواهر السلبية ، إنما علينا أن نتحول إلى عمل إيجابي بنَّاء ، مؤكدين أن أهل الباطل لا يعملون إلاَّ في غياب أهل الحق ، فإذا فرطَّ أصحاب الحق في حقهم تمسك أصحابَ الباطلِ بباطلهم ، يقول الشاعر :

أنا لا ألوم المستبـــد                    إذا تجاوز أو تعــــــــدى

فسبيله أن يستبــــد                     وشأننــا أن نستعـــدا