أخبار الأوقاف

أصدقاء النجاح

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

         تعلمت في حياتي ومن أساتذتي الكبار أن أنظر إلى النصف الممتلىء من الكوب , فكل إناء بما فيه ينضح , وكل نفس بما في داخلها تفيض , والنفوس الكبار لا تهفو أبدًا إلى الصغائر , وقد قالوا : ولا يقذف بالأحجار إلا الشجرة المثمرة ، ولا يقذفها إلا الصبية ، أما الرجال فيستحون , ولا يحوم اللص إلا حول البيوت العامرة فإن حام حول البيت الخرب كان سيد البلهاء .

وأذكر من واقع تجربتي الحياتية أنموذجين :

       الأول : مع أستاذي المرحوم أ.د/ محمد السعدي فرهود رئيس جامعة الأزهر الأسبق , حيث كنت أعد بعض الموضوعات حول خطورة الظلم والكذب والخيانة والغدر ونحو ذلك على الفرد والمجتمع , فقال لي : هلا تحدثت عن أهمية العدل والصدق والأمانة والوفاء , وجعلت التحذير من السلبيات ضمنيًا في هذا الإطار , لتحبب الناس في القيم الإسلامية بدلاً من التركيز على الوعيد والترهيب , وكان درسًا دعويًا إيجابيًا أفدت منه في كثير من مراحل حياتي .

        والموقف الثاني : حين طلب مني أحد السادة الإعلاميين أن يأخذ رأيي في إطار تحقيق حول بعض سلبيات إحدى المهن المحترمة , فأجبته بعدم إمكانية مشاركتي في ذلك إلا إذا تناول الإيجابيات أولاً أو مع السلبيات على أقل تقدير ؛ لأن قدري فيمن تعاملت معهم من أبناء هذه المهنة أوقعني في المخلصين الوطنيين منهم , وكان الرأي فيهم يميل وبشدة إلى الجانب الإيجابي , فقلت له : كيف أضع وجهي في وجه هؤلاء إن لم أنصفهم فيما يبذلون من جهد في خدمة وطنهم ومهنتهم وأنا أعلم عن بعضهم الخير الكثير ؟

        ومن هنا كان لزامًا ألا ننظر إلى الجانب الأسود فقط شأن أصحاب القلوب السوداء والنفوس المريضة الذين لا يرون غير السواد , وكما قال إيليا أبو ماضي في قصيدة ( فلسفة الحياة ) :

والــــذي نفســـــه بغـــير جمــــــــــال

لا يــرى في الوجــــــود شــــيئًا جمـيــــــلاً

       فكما أن هناك أعداء للنجاح , فهناك أصدقاء كثر , هم كل هؤلاء الوطنيين المخلصين الذين يؤثرون المصلحة العليا للوطن على أي مصلحة أخرى , هؤلاء هم من نسعد بهم , وهم من نستمد منهم بعد الله ( عز وجل ) العون والمساندة والنفس الطويل , ونتقوى بدعمهم ومساندتهم على مواجهة الشدائد والصعاب والتحديات , وفي مقدمتها مواجهة الإرهاب والإهمال والإفساد.

         وقد قال الرافعي في مقال رائع له عن الصداقة : إن الصديق الحق هو من إذا غاب لم تشعر أن أحدًا غاب عنك , وإنما تشعر أن جزءًا منك ليس فيك , فهو قطعة منك ، وهو كما قال الإمام الشافعي رحمه الله :

إن الصديق الحق من كان معك

ومــــن يضـــر نفســه لينفعــك

ومـن إذا ريب الزمــان صدعـــك

شتــت نفســه فيـك ليجمعك

      لا هؤلاء الذين يماسحك أحدهم كما يماسحك الثعبان ، ويراوغك كما يراوغك الثعلب ، ويقفز منك كما يقفز القنفذ ، فهم أشبه ما يكون بالذباب لا يقع إلا حيث يكون العسل ، ولا تجدهم إلا على أطراف مصائبك , أبواق كلام معسول لا غير  ، تسمع جعجعة ولا ترى منهم طحنًا .

      أصدقاء النجاح هم من تجمعهم أهداف عليا تسمو فوق المنافع العاجلة والآجلة إلى إيثار مصلحة الأديان والأوطان ، والعمل معًا للوصول إلى الغايات النبيلة التي تخدم الإنسانية بعيدًا عن كل ألوان الغش والخداع والحقد والنفاق والأنانية المقيتة والتربص بالآخرين أو الكيد لهم أو العمل على إقصائهم.

       ولا شك أن مصر بمعادنها النفيسة تفرز الكثير من الوطنيين المخلصين , وإلا لما استطعنا أن نتخلص من كوابيس الإرهاب والإرهابيين التي جثمت على صدورنا في مرحلة حكم الجماعة الإرهابية التي كان بعض عناصرها يرددون أنهم وصلوا إلى الحكم بعد ثمانين عامًا , ولن يتركوه قبل مائة عام على أقل تقدير  إن فكّروا في تداول السلطة ، ولكن الله عز وجل أراد بمصر وبالأمة العربية وبالإسلام والمسلمين خيرًا , فهيأ لمصر رجالا حكماء وقائدًا حكيما وجيشًا باسلاً , وهو ما نؤمل فيه وبه الخير الكثير في دحر ما بقى من جماعات إرهابية ليس في مصر فحسب وإنما في أمتنا العربية ومحيطنا الإقليمي , فمصر كما أكد السيد الرئيس في أكثر من مناسبة إنما تدفع ثمن مواجهة الإرهاب والإسهام الجاد في تحقيق الأمن والسلام العالمي .

       وبمناسبة انعقاد القمة العربية , وبما لمسنا في مؤتمر شرم الشيخ من روح عربية جديدة وثَّابة واعية مخلصة تدرك المخاطر التي تهددنا جميعًا , وتعي معنى المصير المشترك ، فإننا نقول : إن هؤلاء القادة الحكماء ليسوا أصدقاء النجاح فحسب ، إنما هم شركاء النجاح وصناعه معًا , كما نؤمل أن تنطلق هذه القمة العربية الاستثنائية بأرض السلام والتنمية بسيناء بنا جميعًا نحو آفاق واسعة في المجالات كلها بما يحقق الرخاء والتنمية لشعوبنا والأمن والأمان والسلام والخير الذي نحمله للعالم أجمع .

وزير الأوقاف من شرم الشيخ :
وحدة الأمة مطلب شرعي ووطني وقومي
وآمالنا بلا حدود في القمة العربية

awkaf

     عقب أدائه لخطبة الجمعة اليوم 27 / 3 / 2015م  بمسجد السلام بمدينة شرم الشيخ في حضور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية ، والمهندس / إبراهيم محلب رئيس الوزراء ، وبعض الوزراء المصريين والعرب ، وبعض العلماء والسياسيين ،عقد معالي وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة اجتماعا مع قيادات الدعوة بجنوب سيناء حضره فضيلة الشيخ/ محمد عبد الرازق عمر رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف ، والشيخ / إسماعيل الراوي مدير أوقاف جنوب سيناء أكد خلاله أن العمل على وحدة صف الأمة وجمع كلمتها يُعد مطلبا شرعيا ووطنيا وقوميا في مواجهة التحديات التي تحيط بنا ، وذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

      وأكد أن الأمة العربية بما تملك من ثروات طبيعية ، وطاقات بشرية ، وموقع متميز ، وقيادات سياسية حكيمة ، يمكن أن تشكل بوحدتها واجتماع كلمتها رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في المحافل السياسية الدولية ، أو التكتلات الاقتصادية ، أو المؤسسات الثقافية والحقوقية والإنسانية .

     وإن الفرصة مواتية ومهيأة لذلك ، فقد أخذت الأمة العربية بفضل الله عز وجل ، ثم بفضل قيادتها السياسية الواعية تتحول وبصورة ملحوظة من الشتات والفرقة إلى التماسك والوحدة ، وهو ما تجلى واضحا جليا في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد بمدينة شرم الشيخ منذ أسبوعين ، وتجلى أيضا في اللحمة العربية تجاه عاصفة الحزم ، كما أن قيادتنا السياسية الواعية حولت مرحلة الكلام والشجب والاستنكار التي سادت لفترات طويلة آلمتنا نفسيا ومعنويا إلى مرحلة جديدة من العمل الجاد المتقن الحكيم نذكر منها : الضربة النوعية التي وجهتها قواتنا المسلحة الباسلة لتنظيم داعش الإرهابي بليبيا ثأرا لأبنائنا المصريين ، ثم هذه العملية التي تجري للحفاظ على أمننا القومي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بردع تلك الميليشيات الحوثية المدعومة من الدولة الصفوية التي لا تخفى أطماعها على أحد والتي تحاول أن تصطنع لنفسها مجدا على حساب أمننا القومي العربي ،     غير أن القرار العربي الحكيم بتوجيه ضربة مباغتة لتلك المليشيات الحوثية قد أعاد لنا ثقة غير محدودة في قيادتنا السياسية تتطلب منا جميعا وفاء غير محدود ودعما غير محدود واصطفافا غير محدود خلف هذه القيادة وعلى رأسها سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية الذي نتمنى له كل التوفيق في قراراته وتحركاته السياسية ، والاقتصادية ، والفكرية ، والثقافية عربيا ، وإفريقيا ، وإقليميا ، ودوليا ، وهو ما أكدته القافلة الدعوية وعلماء الأوقاف في اجتماعهم أمس بجنوب سيناء ، ومرة أخرى نردد تحيا مصر وتحيا الأمة العربية .

المركز الإعلامي بوزارة الأوقاف

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب :
القمة العربية آمال وتحديات

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن القمة العربية التي تعقد السبت 28 / 3 / 2015م بشرم الشيخ والتي يجري التحضير لها الآن على مستوى وزراء الخارجية هي قمة استثنائية بكل ما تعنيه وتحمله الكلمة من معان , نظرًا للتحديات التي تحيط بنا , والظروف المعقدة والمتشابكة التي تدور حولنا .

         والذي لا شك فيه أيضًا أن الوحدة سبيل القوة ، والفرقة والشتات سبيل الهزيمة والضعف ، يقول الله – عز وجل- في كتابه العزيز : ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ” (آل عمران : 103) ، ويقول سبحانه: ” وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” ( آل عمران: 105) ، ويقول سبحانه: ” وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ” (الأنفال :46) .

على أن وحدة الأمة العربية أصبحت مطلبًا شرعيًا وقوميًا ملحًا ، واجبًا وليس مندوبًا ، فهي مطلب قومي ؛ لأن دولنا مهددة في كيانها وأصل وجودها , ولا سبيل إلى مواجهة التحديات إلا بوحدة الصف وجمع الشمل والاتفاق على كلمة سواء .

 وقد تعلمنا في سني التعليم الأولي التي نعدها أهم مراحل التعليم قصة ذلك الشيخ الذي أعطى أبناءه حزمة من الحطب لكسرها , فلم يستطع أحد منهم فعل ذلك ، فلما فرقها آحادًا سهل عليهم كسرها وتحطيمها ، فقال لهم : يا أبنائي أنتم مثل حزمة الحطب لا تتكسر مجتمعة ، وإنما تهشم وتحطم متفرقة ، يقول الشاعر :

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا .:. وإذا افترقن تكسرت آحادا

ومن هنا نضع قضية التعليم وبخاصة المكون الديني والثقافي في جميع المراحل التعليمية تحت نظر قمتنا العربية بقيادتها الحكيمة ؛ لإعطائها المكانة والأولوية التي تستحقها ، ولا يقل عن ذلك أهمية قضية تجديد الخطاب الديني ، فإننا في حاجة ملحة إلى قراءة جديدة لبعض الاجتهادات التي ناسبت زمانها ومكانها وبيئتها ، وأصبح تغيّر الزمان والمكان والأحوال يحتاج إلى اجتهاد جديد في ضوء فهم المستجدات والحفاظ على الثوابت ، مؤكدين أن ذلك كله ليس ثورة على الدين , إنما هي ثورة للدين من أن تتخطفه أيدي العابثين وغير المتخصصين ، ومن ألفوا الجمود وتوقفوا عنده خارج الزمن مقسمين بأغلظ الأيمان أن باب الاجتهاد قد أُغلَق فلم يعد يفتح بعد ، متناسين أو متجاهلين أن الله – عز وجل- لم يخص بالعلم ولا بالفقه ولا بالاجتهاد قومًا دون قوم أو زمانًا دون زمان ، فقد فتح الإسلام باب الاجتهاد واسعًا في كل ما يحقق مصالح البلاد والعباد , مما يجعل وضع آلية عملية لتصحيح المفاهيم الخاطئة ، وإبراز الوجه الحضاري السمح للإسلام , والخروج من دائرة الجمود إلى دائرة الاجتهاد وإعمال العقل ، ضرورة وتحديا يحتاج إلى جهود وسياسيات هادفة تتحول به من مجرد التنظير إلى تطبيق عملي يلمس أثره على أرض الواقع داخليًا وخارجيًا .

وإنني لأؤكد أن أمتنا العربية بوحدتها وما تملك من موقع جغرافي ، وميزات وثروات طبيعية ، وطاقات بشرية ، وإرادة سياسية ، وقيادات حكيمة ، قادرة على أن تشكل رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه سواء في المحافل الدولية السياسية ، أم التكتلات الاقتصادية والشركات متعددة الجنسيات عابرة القارات , أم المؤسسات العلمية الثقافية والفكرية والمنظمات الحقوقية والمجتمعية ، شريطة أن تتحرك المؤسسات الوطنية والتنفيذية في إطار من التكامل والتنسيق يرقى إلى مستوى ما عليه قيادتنا الحكيمة , مع الإيمان والوعي الكامل بالمصير المشترك , والعمل معًا لصالح جميع دول الأمة وشعوب المنطقة , مع احترام خصوصيات الدول والشعوب والمجتمعات وعدم التدخل في شئونها الداخلية .

         ونقول لقادة الأمة الحكماء : إن الظروف مواتية , وإن الأمة كلها تعلق عليكم آمالاً واسعةً عريضةً , فبعد اللحمة العربية وبخاصة الخليجية المصرية التي تجلت في مؤتمر شرم الشيخ , وما حققه من نجاح باهر على المستوى العربي والإفريقي والإقليمي والعالمي صار الأمل في هذه القمة جد كبير , وإنكم أيها القادة الحكماء لقادرون بفضل الله عليكم , ثم بصدق نيتكم وتوجهكم ووعيكم السياسي وحسكم القومي على أن تكونوا عند مستوى طموحات أمتكم وشعوبكم , وعلى مستوى التحديات التي تواجهنا ، فامضوا على بركة الله ، وابذلوا أقصى ما في وسعكم للمِّ شمل الأمة وجمع كلمتها ، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية , وثقوا بالله واطمئنوا لوعده ، حيث يقول سبحانه : ” وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ” (آل عمران: 120) ، ويقول عز وجل : ” وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ” ( آل عمران :139) .

       واعلموا أنكم إنما تؤجرون بنياتكم ، ورب العزة (عز وجل) يقول في كتابه العزيز :” إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا ” (الأنفال :70) ، وإنه لقادر على تجميع القلوب والتأليف بينها , يقول سبحانه مخاطبًا نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” ( الأنفال : 63) ، ويقول سبحانه : ” وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ” ( يوسف :21) .

من يجدد لهذه الأمة دينها ؟

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       يقول نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : ”  إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ” (رواه أبو داود) ، غير أن بعض الناس قد يفهم هذ الحديث فهما غير دقيق بقصر معناه على صورة العالم أو الفقيه مجدد ، والحقيقة أن الأمر أوسع من ذلك ، فالمجدد قد يكون عالما فقيها ، وقد يكون حاكما عادلا ، أو رئيسا أو قائدا ، وقد يكون هيئة أو مؤسسة أو منظمة ، أو هؤلاء مجتمعين ، وهو ما نؤمله ، إذ نطمح أن يسري التجديد المنضبط بضوابط الشرع والحفاظ على ثوابته في دمائنا جميعا ، فتصبح الرغبة في التجديد والوعي بأهميته سمة بارزة ومميزة وراسخة في النفوس ، بحيث ننطلق معا من توديع مرحلة الجمود والانغلاق وانسداد الأفق الثقافي ، والوقوف عند شواطئ الماضي ، إلى الإبحار في الحاضر والانطلاق نحو المستقبل ، في ضوء الحفاظ على الثوابت وعدم المساس بها ، في ثورة للدين وليست ضد الدين كما أكد السيد الرئيس في أكثر من حديث لبث الثقة والطمأنينة في نفوس المؤمنين ، وقطع الطريق على المزايدين والمشككين والمتربصين.

        على أننا نؤكد بأن الله عز وجل لم يخص بالعلم ولا بالفقه ولا بالاجتهاد قوما دون قوم ولا زمانا دون زمان ولا مكان دون مكان ، فقد دعا ديننا إلى التأمل والتفكير وإعمال العقل ، فحين نزل قول الله تعالى ” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ” (آل عمران: 190، 191)  قال نبينا  ( صلى الله عليه وسلم ) :” ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها ” .

           وقد دعانا القرآن الكريم إلى النظر والاعتبار والتدبر فقال سبحانه ” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ”  [الزمر: 21] ، ويقول سبحانه : “الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى” [طه: 53، 54] ، ويقول عز وجل ” سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد” {فصلت : 53} .

       والذي لا شك فيه أننا في حاجة إلى الاجتهاد والتجديد في ضوء متغيرات الزمان ومستجدات العصر ، وأن هناك قضايا تحتاج إلى دراسة هيئات ومؤسسات وفتوى المجامع العلمية ، كما أن الأمر يتطلب دراسة الحكم الشرعي ودراسة الواقع العصري ووجود الشخص المؤهل الذي يستطيع أن يُنزل الحكم الشرعي على الواقع العصري في إطار تحقيق المناط ، فلا ينزل الحكم على غير محله أو يسقطه في غير موضعه .

        فقد تفاجأ مثلا بمن يقول لك : إن العالم الفلاني والعالم العلاني يستحلان الربا ويرمي بذلك أناسا لهم في العلم والفقه باع كبير ، وهو لا يدرك أن أي عالم يخشى الله عز وجل مهما كانت درجة علمه لا يمكن أن يقضي بحل الربا وإلا كان منكرًا لمعلوم من الدين بالضرورة متصادما مع النص القرآني ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ” (البقرة : 275) ، فلا نزاع ولا خلاف في حرمة الربا بين أهل العلم جميعا في القديم والحديث ، ولكن الخلاف ينشأ حول المعاملة التي يراد الحكم عليها هل هي داخلة في باب الربا الذي حرمه الله عز وجل أو أنها تدخل وتندرج تحت باب من أبواب المعاملة الشرعية كالمرابحة ونحوها .

         ومن الخطأ الشديد أن بعض العامة وحتى بعض المحسوبين على أهل العلم وطلابه قد يقحمون أنفسهم في فتاوى لا قبل لهم بها ، ولا دراية لهم بمعطياتها ، فربما يفتي بعضهم في بعض القضايا الاقتصادية والمعاملات البنكية وهو لا يعرف شيئا قط عن الأبعاد الاقتصادية لعمل البنوك أو آلية المعاملات عبر البورصة والمؤسسات المالية التي يقحم نفسه في الحكم عليها دون دراسة أو إلمام بطبيعة عملها ، وكذلك من يصدرون أحكاما على قضايا طبية دقيقة وحساسة كنقل الأعضاء والموت الإكلينيكي دون أن يستمعوا إلى طبيب واحد ثقة متخصص في المجال المراد الحكم عليه ، بل إنك قد تسأل بعضهم عن الموت الإكلينيكي هل يعد موتًا أو لا ؟ فيجيبك بالإثبات أو النفي ، ثم إنك لو عدت فسألته عن مفهوم الموت الإكلينيكي لتبين لك أنه أصدر رأيه الفقهي على شيئ آخر غير الموت الإكلينيكي ، لأن المفاهيم لم تكن واضحة لديه ، هذا إن كان قد درس شيئا عن الموضوع أصلا أو تعّرف بدقة على ماهيته .

         والخلاصة أن التجديد يحتاج إلى تراكم خبرات علمية وفقهية وشرعية وحياتية ومجتمعية وثقافية مع موهبة وأهلية للاجتهاد وطاقة على إعمال العقل وخروج عن دائرة الجمود إلى دائرة التفكير وسعة الأفق بما يتناسب مع طبيعة العصر ومعطياته وملابساته ومستجداته .