أهم الأخبار

خبر أزعجني

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        طالعت صباح الثلاثاء 30 / 12 / 2014م خبرًا أزعجني ، مفاده أن الشباب الليبي يبحث عن التوظيف في الميليشيات  المسلحة ، وقبله أخبرني شاهد عيان أن الصبية والشباب السوري يبحث عن العمل لدى الجماعات والمنظمات الإرهابية والتكفيرية مقابل أجور مجزية .

        ومثل هذه الأخبار لا ينبغي ولا يمكن أن تمر مرور ًا عابرًا أو عفو الخاطر دون أن نقف عندها بما تستحق من الدراسة والتحليل والمعالجة فكريًا وميدانيًا وعملياً على أرض الواقع قبل أن تستفحل الظاهرة وينفلت الزمام من أيدينا بما يمكن أن يحرق الأخضر واليابس ويزيد من دخول المنطقة في أتون صراعات دينية وقبلية وطائفية لا تنتهي ولاتبقي ولاتذر ، وهو عين ما يخطط له أعداؤها ، ومع أننا نحذرهم وسنظل بأن الإرهاب  لن يأكل من يدعمه أويموله فحسب ، إنما يأكل الساكتين عنه والصامتين عليه، والمتوجسين والمترددين  في مواجهته ، والممسكين بالعصا من المنتصف لا إلى هؤلاء  ولا إلى هؤلاء ، وحتى نكون بمنأى عن هذه المخاطر أو نعمل على تقليل آثارها على  أقل تقدير لا بد من الآتي :

     الإيمان المطلق من جميع المؤسسات الرسمية والتنفيذية والمدنية بما يسعى إليه السيد رئيس الجمهورية من ضرورة الإسراع في برامج العدالة الاجتماعية والتحسين الفعلي لأحوال الطبقات الأكثر فقرًا أو الأقل دخلا ، لأن المنظمات الإرهابية إنما تعمل على تجنيد المهمشين اجتماعيًا والمحطمين نفسيا تحت إغراء المال وربما النساء اللاتي يقومون  بسبيهن  ويبيعونهن سبايا في سوق النخاسة والعبيد التي لا أصل لها ولا سند ، بل هي مخالفة لكل الأديان والقيم والقوانين الدولية وسائر حقوق الإنسان ، وإن كان من اللافت للنظر المثير للعجب أن أحدًا لم يتحرك لمواجهة تلك الظواهر الصادمة للفطرة الإنسانية المنافية لأدنى حقوق الإنسان ، مما يؤكد أن هناك من يحمي تلك التنظيمات الإرهابية من الملاحقة بل حتى من نقد المنظمات الحقوقية الدولية .

     كما أن الأمر يتطلب صحوة كبرى على قلب رجل واحد من المؤسسات الدينية والسياسية والتعليمية والثقافية لإعادة بناء فكر الإنسان العربي من جديد ، والعمل كمرحلة أولى من خلال تكثيف المؤتمرات والندوات واللقاءات على محاصرة ظاهرة التشدد والتطرف والعنف ، وبيان أن الدين والعقل والمصلحة الشخصية والوطنية كل ذلك يتطلب إعمال العقل والبعد عن كل ظواهر الشذوذ والإنحراف سواء أكان فكريا أم سلوكيا .

      ومن ثم ينبغي أن نوظف طاقات وحماس الشباب في كل ما هو نافع ومفيد لأن هذه الطاقات مالم نشغلها بالحق شغلت بالباطل ، فأهل الباطل لايعملون إلا في غياب أهل الحق ، فيوم أن يؤدي المسجد رسالته ، وتؤدي الكنيسة رسالتها ، وتؤدي المدارس والمعاهد والجامعات وأندية الشباب وقصور الثقافة رسالتها لن يجد هذا الشباب من الفراغ ما يمكن أن يختطف من خلاله أوأن تتمكن تلك المنظمات الإرهابية من استقطابه ، لأن هذه التنظيمات تركز في استهداف العناصر الجديدة على المهمشين اجتماعيا والمحطمين نفسيا ، ومن لديهم فراغ وأزمات اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية ، وهو ما يتطلب منا جميعا جهدًا غير عادي في التواصل الدائم مع الشباب والعمل على حل مشكلاتهم ، وتمكينهم من المشاركة الفكرية والمجتمعية والحياة العامة بكل جوانبها، حتى لايؤتى إليهم من باب أنهم على هامش  الحياة وليسوا في عمقها

       ولا شك أن البعد الاقتصادي والخطوات الدءوب للقضاء على البطالة والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية  من أهم العوامل التي تسهم إسهاما عاجلا في محاصرة انحراف بعض الشباب  وانخراطهم في أتون الجماعات الإرهابية .

      وإذا كنت أؤكد دائما على أهمية الاصطفاف الوطني فإنني أؤكد بكل قوة على أهمية الاصطفاف العربي سواء في المعركة الفكرية بتكوين جبهة عربية فكرية صلبة في مواجهة الإرهاب بدأت ملامحها تتشكل من خلال تواصلنا مع زملائنا من معالي وزراء الأوقاف العرب ، أم في التواصل والتكامل بكل جوانبه ، فإننا  في حاجة إلى تعاون وتكامل عربي سياسي واقتصادي أكبر وأوسع ، لأن الخطر الداهم يهدد المنطقة بأسرها وليس دولة واحدة منها ، وإن كانت البداية بعض الدول التي سهل على أعدائنا تصيد بعض أخطائها أو اللعب بما فيها من مشكلات عرقية أو مذهبية ، فإن أعداء الأمة الطامعين في الاستيلاء على نفطها وخيراتها ومقوماتها لا يرضون إلا بهز استقرار جميع دول المنطقة وتمزيق كيانها ، غير أن تلك الأماني والأوهام لأعداء الأمة يمكن أن تذهب سدى وأن تتحطم على وحدة الصف العربي التي بدأت ملامحها تتبلور وتتحقق على أيدي قادة سياسيين على قدر المسئولية في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت والبحرين ودول عربية أخرى تبحث عن الأمن والسلام وتدرك حجم المخاطر التي تهدد أمتنا ومنطقتنا التي لو توحدت على قلب رجل واحد لن تهزها أي قوة مهما كان جبروتها ، غير أننا نؤكد دائما  على ضرورة أن تكون الأجهزة التنفيذية ومنظمات المجتمع المدني على قدر المسئولية ووعي وتطلعات القيادات السياسية الواعية  التي تدرك حجم المخاطر وتعمل بما أوتيت من قوة على درئها والتصدي لها .

نص كلمة فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر
في ذكرى مولد الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم)
الخميس 10 من ربيع الأول 1436هـ – 1 من يناير 4015م

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــ

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسول الله صاحب الذكرى العطرة والمولد الشريف، وعلى آله وصحبِه ومن دعا بدعوته.

السيد الرئيس/ عبد الفتــاح السيســي – رئيس جمهورية مصر العربية   حفظه الله ورعاه.

الحفل الكريم!  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد؛

فمنذ ألف وثمانين وأربَعَمِائةِ عامٍ هجري، ظهر إلى الوجود نور أضاء العالم كله شرقًا وغربًا، ولايزال يضيئه، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. ذلكم هو نور سَيِّد النَّاس/محمدٍ ﷺ، الذي أشرق على البشرية جمعاء، وكان مولده رحمة للعالمين، وبركةً على الإنسانية كلها، جاءها هاديًا ومنقذًا، بعد أن أشرفت على الزوال، وبعد أن بدا واضحًا أن الجنس البشري كله أوشك على العـودة إلى حالة من الهمجية، أصبحت معها «كل قبيلة وكل طائفة عدوًا لجارتها، لا يعرفون لهم نظامًا ولا يتبينون لهم قانونًا»([1]).

نعم لقد فقد العالم آنذاك نظام الدولة، كما فقد هَدْي الدين، واستبدل بكل ذلك حالة من الفوضى والضياعِ، وسيطرةِ القوة، واستباحة حرمات المستضعفين، والسخريةِ من كل عظيم وكبير ومقدس، وتحوَّلت الدعواتُ الدينية في تلكم العصور إلى دعوات قومية، ونعرات عرقية، تقوم على سُنَّة التفرقة، والتمييز في الدِّين وشرائعه بين شعب الله المختار، وبين باقي الأمم والأجناس الأخرى.

في هذا الوسط الموبوء بكل أمراض الحضارة وأدوائها وعللها، بُعث محمد ﷺ، بدعوة إلهية، ورسالة حضارية طالت عنان السماء، وعمَّت أرجاء الكون، في زمن قياسي، ظل معقد دهشةٍ واستغرابٍ من كِبار عُلَمَاء التَّاريخ حتَّى يومنا هذا. فقد استطاع هذا النبي الكريم أن ينقل العالم كله، في فترة وجيزة، من حالة الموات والسكون والركود، إلى حالة الحياة والحركة والنهوض، ومن حالة الفوضى والاضطراب إلى حالة النظام والاستقرار، ولم يَنقُلِ العالَمَ هذه النقلةَ قبل محمد ولا بعده أحد من الأنبياء أو الرسل أو أصحابُ الدعوات أيًّا كانت دعواتهم([2]).

ونحن بدورنا نَفهمُ ما يقوله عُلَمَاء التاريخ، انطلاقًا من النص القرآني الذي حدَّد الله فيه الهدف الأسمى من رسالة محمد ﷺ، وحصرها في غاية واحدة، هي «الرحمةُ» بالكونِ كله، وانتشالُه من كل ما أوشك أن يقع فيه مِن فوضى وظلام وحيرة وضلال، فقــال مخاطبًا نَبيِّه: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» {الأنبياء: 107}.

 والذين يفقهون أساليب القصر في بلاغة اللغة العربية، يعلمون من نَصِّ هذه الآية الكريمة، أن رسالته ﷺ من ألفها إلى يائها تدور على محور الرحمة بالإنسان والارتفاق بالكون وصحبته والحنو عليه، وهذا ما أكده هو نفسه ﷺ وهو ينادي الناس وبأسلوبِ القصر البلاغي أيضًا ويقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ»([3])، وكان نعته الذي يُنعَت به من بين سائر الأنبياء «أنه نَبيّ الرحمة»([4])، إذ بسطت رحمته رداءها على الكون كله، ولم يُحرَم منها كائن حيّ أو غير حيّ.. وهذا ما تدل عليه كلمة «العالَمين» في الآية الكريمة، فإنها لم ترد بصيغة المفرد، بل وردت بصيغة الجمع لتنطبق على العوالم كلها: عالم الإنسان والحيوان والنبات والجماد، ثم جاءت سيرته تأكيدًا لسعة هذه الرحمة النبوية وشمولها: فأمَّا الإنسان فقد أعلن ﷺ كرامته على الله، وتكريمه وتفضيله على باقي المخلوقات، وصدع في الناس في مجتمعات تقوم أنظمتها الاجتماعية على السخرة والرق والاستعباد بقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا «{الإسراء: 70}.

كما أعلن حرمة الاعتداء على الإنسان وعلى دمه وماله وعرضه([5])، بل حرَّم مجرد تخويفه وترويعه، حتى لو كان ذلك على طريق المزاح، فقال رسول الله ﷺ: «منْ أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ، فإنَّ الملائكةَ تلعنُهُ حتَّى يَدَعهُ وإن كان أخاه لأبيهِ وأُمِّهِ»([6])، وقال أيضًا: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا»([7]).

وكان عطوفًا رحيمًا بأصحابه وبأعدائه على السواء، وكان هذا دأْبَه مع كل ضعيف، قريب له أو بعيد، تقول سيرته الشريفة إنَّه ما نهر خادمًا، ولا ضرب أحدًا، وأن أنسًا ﭬ خــــدم رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال له: أُفٍّ قط، وَلا لشيء فعله لِمَ فعله؟ وَلا لشيء تركه لِمَ تركه؟ ([8]) .

وكان يَهَش للأطفال ويضاحكهم، ويتألم لآلامهم ويُسرعُ في صلاته حين يسمع بكاءهم من خلفه، روى أنس عنه ﷺ أنه قال: «إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ»([9]) وكان يحمل حفيدته «أُمامة» بنتَ زينب ڤ على عاتقه الشريفِ وهو يصلي، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا ([10]).

وكان يطلب من أصحابه إذا صَلَّوا بالنَّاس أن يخفِّفوا في صلاتهم رحمةً بمن وراءهم من الضُّعفاء والمرضى وذوي الحاجات، وكان يقول: «لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِنْ شَقِيٍّ» ([11]) و «لا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ» ([12])، و «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» ([13]).

وكان يكره الغدر والخيانة ويمقت الغادرين والخائنين والفاجرين في خصوماتهم وقد نهى عن الغدر حَتَّى مع العدو، فكان إذا أمَّر أميرًا على الجيش يوصيه بتقوى الله في خاصته ومَن معه مِن المسلمين ويوصيه بمراعاة مبادئ الأخلاق في الحرب مع العدو، وهي مبادئ خلقية لم تُعرف لغير نبي الإسلام والمسلمين، كان يأمر قادة الجيش ويقول لهم: «لَا تَـغُـلُّــوا، وَلَا تَـغْــــدِرُوا، وَلَا تُمَـثِّـلُوا، وَلَا تَقْتُـلُوا وَلِيدًا…»([14]).

وعلى ذلك سار خلفاؤه من بعده، فأوصى أبو بكر الصديق ﭬ، جيش أسامة بقوله: «…لا تَخُونُوا وَلا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا طِفْلا صَغِيرًا، وَلا شَيْخًا كَبِيرًا وَلا امْرَأَةً، وَلا تَعْقِرُوا نَخْلا وَلا تُحَرِّقُوهُ، وَلا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلا تَذْبَحُوا شَاةً وَلا بَقَرَةً وَلا بَعِيرًا إِلا لِمَأْكَلَةٍ، وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ للعبادة، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ…»([15]).

نعم ها هنا رحمة بالضعفاء والعُبَّاد والأطفال والشيوخ والنبات والحيوان، حتى لوكان كل ذلك في جيش العدو الذي يحمل السلاح في وجه المسلمين.

وقد بلغ رفقه بالحيوان أنه رأى مرَّة جملاً مرهَقًا، تذرف عيناه الدموع، فاستدعى صاحبه وقال له: «أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها؟ فإنه شكى إليَّ أنك تُجيعه وتُدئبه»([16]) أي تتعبه وتشق عليه، وأخبر «أنَّ الله غفرَ لِامْرَأَةٍ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ رأت كَلْبًا يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ (أي ببئر)، كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا (أي خفها) فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ»([17]). وقال أيضًا « دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هي أطْعمْتهَا، وَلَا هي أرسلتها تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حتى ماتت هزلاً أي “هُزالاً ” »([18]).

ولا ينبغي أيُّها السَّادة الفُضَلاء أن نستبعد على الأنبياء والمرسلين هذا التواصلَ الحيّ بينهم وبين الكائنات الأخرى من حيوان ونبات وجماد، فقد صح أنه ﷺ أثبت علاقة مودة ومحبة بين جبل أُحد وبينه ﷺ وصحابته في قوله: «أُحد جبل يحبنا ونحبه»([19])، وأصرح من ذلك قوله: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ»([20]).

والحجةُ في كلِّ ذلك أن القرآن الكريم صريح في أن الأكوان لا موات فيها، لأن كل شيء فيها يسبح لله، والتسبيح لا يمكن أن يوصف به ميتٌ لا إدراك له ولا حياة فيه، ولا مفر من أن يثبت للمسبِّح إدراك ما، أو نوع حياة ما، قبل أن يصح وصفه بالتسبيح وصدقُه عليه، والآيات التي تنص على أن كل ما في السماوات والأرض يسبح لله، يضيق المقام عن ذكرها، وأكتفي منها بقوله تعالى: «وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا» {الإسراء: 44}، وقوله تعالى في سورة الحج: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ» {الحج: 18}، وقوله في سورة سبأ: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» {سبأ: 10}، ومعنى أَوِّبِي: «رجعي» معه الذكر والتسبيح، ثم قوله في سورة النور: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ»{النور: 41}.

..            ..            ..

سيادة الرئيس: نهنئكم ونهنئ أمتنا العربية والإسلامية وشعبَ مصر العزيز بمولد نبي الإنسانية محمد بن عبد الله ﷺ، ونشدّ على أيديكم في جهودكم المخلصة من أجل تحقيق ما تصبوا إليه مصر العزيزة ويأمَلُه شعبها العريق من تنمية شاملة لاحت بشائرها منذ توليتم مسؤوليتكم… فامض على بركة الله، والله معكم يوفقكم وينصركم ويسدد خطاكم.

وإننا إذ نحتفل بصاحب الذكرى الخالدة التي خص مصر وشعبها بقوله الشريف: «اسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا»([21]) وقال في أقباطها: «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ»([22])، لا يسعنا إلا أن ندعو الله سبحانه في هذا اليوم المبارك لأمتنا الإسلامية والعربية، أن تتوحد وتجابه خطر الإرهاب بكل صوره وأشكاله، والذي لا شك في أنه إنما نجم وتغذى على فرقتنا نحن العرب والمسلمين، وعلى تمزيق وَحدتنا وتنازعنا واختلافنا على أنفسنا، ونؤكد أنه لا عاصم من شر هذا البلاء، ولا نجاة من خطره إلا بوحدة هذه الأمة وجمع شملها ويقظتها لما يُدبَّر لها من قوى البغي والطغيان..

 وفي ختام كلمتي أُؤكد للمصريين والمسلمين جميعًا أن الأزهر الشريف بكلياته ومعاهده وهيئاته العلمية إنما يعلمكم عقائد دينكم وشرائعه كما أرادها الله خالصة نقية من تحريف الجاهلين وتضليل المضلين، ويأخذُ بأيديكم إلى طريق مستقيم مجمع عليه، ويُنجِّيكم من كل فكر ضال منحرف غير مختلف عليه.

شُــكرًا لِـحُـســن اســتماعكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛؛


([1]) محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام – 173 – 174، دار الهداية، القاهرة (1421 – 2000م).

([2]) العقاد، عبقرية محمد ﷺ، ص 15 “بتصرف”.

([3]) أخرجه الإمام الترمذي في “العلل الكبير” (ترتيب العلل: ح685) والإمام البزار في مسنده (9205) والإمام الطبراني في معجمه الأوسط (2981) والإمام الحاكم في مستدركه (1/35) من حديث أبي هريرةt، وقال الحاكم: “هذا حديث صحيح على شرطهما…”ووافقه الذهبي.

([4]) أخرج الإمام مسلم في صحيحه (2355) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً، فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ».

([5]) أخرج الإمام مسلم في صحيحه (2564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».

([6]) أخرجه مسلم في صحيحه (2616) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([7]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (23064) والإمام أبو داود في سننه (5004).

([8]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (6038) والإمام مسلم في صحيحه (6011).

([9]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (709) والإمام مسلم في صحيحه (470).

([10]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (543) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (516) بلفظ: «فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا».

[11]– الترمذي (1923).

[12]– البخاري، الفتح 13 (7376).

[13]– الترمذي (1920).

([14]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1731) من حديث بريدة رضي الله عنه.

([15]) أخرجه الإمام الطبري في تاريخه (3/227) والإمام البيهقي في سننه الكبرى (18125) والإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق (2/50).

([16]) أخرجه الإمام أبو داود في سننه (2549) والإمام أحمد في مسنده (1745) والإمام الحاكم في مستدركه (2485) من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه وقال الحاكم: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه” ووافقه الذهبي.

([17]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (3467) والإمام مسلم في صحيحه (2245) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([18]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (6982) من حديث أبي هريرة.

([19]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (4084) والإمام مسلم في صحيحه (1365) من حديث أنس رضي الله عنه.

([20]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (2277) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.

([21]) أخرجه مسلم في صحيحه (2543) عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعًا.

([22]) رواه الطبراني في ” المعجم الكبير” (561) عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعًا.