مقالات

ثقافة البناء والرقي

Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

    إن تقدم الأمم لا يمكن أن يبنى على صعيد واحد أمني أو عسكري أو اقتصادي أو ثقافي أو تكنولوجي ، إنما هي منظومة تتحرك معًا في جوانب متعددة ، وفي آن واحد ، تتسابق في جميع المجالات لبناء ذاتها ، واستدراك ما فات ، ومحاولة اللحاق بما هو آت ، كل فيما يخصه ، إنها ثقافة التقدم والرقي تسري في دماء وعروق الوطن وأبنائه ، فتؤتي أكلها ولو في نمو غير منظور كنمو الطفل ، غير أن المتابع أو المراقب عن بعد والمعني بالتحليل ورصد التفاصيل يدرك تفاصيل كل مرحلة من مراحل هذا النمو مهما كانت دقتها ، لأنه معني بها ، مشغول بمفرداتها وجزئياتها ، عامل على نموها وتطورها ، والوصول بها إلى الدرجة المثلى لو وجد إلى ذلك سبيلا .

   وكما قال الإمام علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) :

ليس الفتى من يقول كان أبي

لكن الفتى من يقول ها أنا ذا

    وقال أحد الأدباء ليت أبي لم يكن فاضلا ، قيل له كيف ذلك ؟  قال لأن فضله صار نقصًا لي عندما قصّرت عن درجته ورتبته ، فذكر النقاد أن فضل الأب الفاضل يزيد من منقصة الولد الناقص حين يقصّر عن فضل آبائه وأجداده ، أما إذا أضاف الولد إلى رصيد آبائه وأجداده فهذا فضل يضاف إلى فضل ، وبناء يوضع على أساس متين ، على حد قول زهير بن أبي سلمى :

وما بك فضل أتوه فإنما                                      توارثه آباء آبائهـــــم قبــــــل

    وعلى أقل تقدير تكون عند حسن ظن القائل :

نبني كما كانت أوائلنا                                       تبنى ونصنع كالذي صنعـوا

    وقد زرت أول أمس الأربعاء 9 / 4 / 2014 مقر إجراء المسابقة العالمية الحادية والعشرين للقرآن الكريم التي يشارك  في نحو 70 متسابقًا من 46 دولة , فتملكني شعوران متناقضان : أحدهما فخر واعتزاز , والآخر عتب وأسى , أما الفخر والاعتزاز , فهو لمستوى هذه المسابقة في الإتقان والإحكام والتنظيم وقدرة العقل المصري والشباب المصري علي الابتكار والإبداع والتعامل الراقي مع التكنولوجيا , ومستوى المُحكمين , حيث كان على المنصة خمسة مُحكمين من مصر , والبحرين ، والسودان , والسنغال ، وموريتانيا , إضافة إلى مستوى المتسابقين الذي يُشرح الصدر , ويؤكد أن الأمه لا تزال بخير , وستظل بخير إلي يوم القيامة إن شاء الله تعالى , وصدق الله العظيم حيث يقول : ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر : 9 ) .

    وتأتي لإقامة هذه المسابقة لتؤكد حرص مصر قيادة وشعبًا على خدمة كتاب الله وإكرام أهله، ويتضح ذلك من خلال استضافة هذه الكوكبة من أبناء الدول المشاركة من شتى بقاع العالم ، من السعودية ، والكويت ، والبحرين ، واليمن ، والأردن ، والسودان ، والسنغال ، وكينيا ، وبورندي ، وأوغندا ، وروسيا ، والصين ، وبنجلاديش ، والفلبين ، وباكستان ، وكازاخستان ، والنيجر ، والكونغو ، وغيرها من الدول ، على أنك تجد في المتسابقين جميعًا ما يسر نفسك من روح المحبة والمودة والتسامح الإنساني من جهة ، والإقبال على كتاب الله عز وجل حفظًا وتلاوة وإتقانًا من جهة أخرى .

    أما الذي آلم نفسي ونال منها فأمران :

   أولهما : أن بعض القنوات المتخصصة أو شبه المتخصصة التي كانت تعنى بشأن القرآن الكريم قد خرجت عن السياق عندما انحرفت عن رسالتها القرآنية التي كانت معلنة ، وانجرفت بعنف في التيارات السياسية ، فلم تصلح للسياسة ، ولم تبق للقرآن ، مما يزيدنا إيمانًا بأن تكون الدعوة للدعوة بعيدًا عن التحزب السياسي أو المذهبي ، وعدم خلط الدعوي بالسياسي .

    الآخر : أن هذه المسابقة كانت في حاجة إلى تغطية إعلامية أوسع بما يتناسب ومستوى الحدث ، ويضيف إلى ريادة مصر الدينية والثقافية في العالمين العربي والإسلامي ، بل يدعم مكانتها في شتى بقاع العالم كرمز للسماحة والوسطية وخدمة كتاب الله ( عز وجل ) ، وإن كنا لا ننكر أن بعض الوطنيين الشرفاء قد بذلوا في ذلك جهدًا يستحقون عليه شكرًا كبيرًا ، لكنها جهود فردية ، ولازال العقل الوطني الجمعي في حاجة إلى مزيد من الحركة والنمو .

     إن ثقافة البناء التي نريدها هي التي تبني ولا تهدم ، هي التي لا تعرف التدمير ولا التخريب ، ولا العصبية العمياء ، ولا الدماء ولا الثأر ولا الانتقام  ، هي التي لا تعرف سوى طريق واحد هو طريق البناء فقط ، هو طريق التعمير فقط ، هو طريق الضمير الوطني الذي يعمل لصالح الجماعة لا لصالح الفرد وحده ، هو الذي يؤثر المصلحة العليا للوطن على أي مصلحة شخصية أو فئوية أو حزبية ، هي الثقافة التي تتجاوز الشكل إلى المضمون ، والتجمل إلى الجمال ، والتصنع والتكلف إلى العطاء الحقيقي النابع من الإيمان بالوطن ، والرغبة في بنائه وتقدمه ورقيه .

أحسن الحديث

Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

القرآن الكريم معجزة الإسلام الكبرى ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، وهو أحسن الحديث ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيْثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُوْدُ الَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُوْدُهُمْ وَقُلُوْبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِيْ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.” (الزمر : 23)

وهو الذي لا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، لم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا ”  إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ” (الجن : 1-2)

وما أن سمع أحد الأعراب قوله تعالى : ” وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” ( هود : 44 ) حتى انطلق قائلا : أشهد أن هذا كلام رب العالمين لا يشبه كلام المخلوقين ، وإلا فمن ذا الذى ينادي الأرض أن تبلع ماءها فتبلع ؟ وينادي السماء أن تقلع عن إنزال الماء فتقلع ؟ ويأمر الماء أن يغيض فيطيع ويسمع ؟ ويأمر السفينة أن ترسو على مكانها الذى أراده فتفعل ؟ إنه رب العالمين الذى تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن ، ويسجد له الكون كله.

وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” إِنَّ للَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَمَنْ هُمْ ؟ قَالَ : ” أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ وَخَاصَّتِهِ ” ، ومن قرأ القرآن كان له بكل حرف حسنة ، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ” مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ” .

والقرآن الكريم يرفع من شأن صاحبه في الدنيا والآخرة ، فعن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ” يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ” ، ومما يؤكد علو منزلة حامل القرآن ما كان من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع أبي بن كعب ، حيث قال  ( صلى الله عليه وسلم ) لأبيّ : ” إني أمرت أن أعرض عليك القرآن  ، فقال أبيّ (رضي الله عنه) : عليّ أنا يا رسول الله ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم عليك أنت يا أبيّ ، فقال أبيّ : أذكرت لك باسمي يا رسول الله ؟  فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم لقد ذُكرت لي باسمك ونسبك في الملأ الأعلى يا أبيّ ” .

ومن باب العناية بالقرآن وإكرام أهله وحفظته وبخاصة الناشئة تأتي المسابقة العالمية الحادية والعشرون للقرآن الكريم التي تتبناها وزارة الأوقاف المصرية على مدار أسبوع كامل ابتداءً من غد السبت                     5 من جمادى الآخرة  1435هـ الموافق 5/4 /2014 مـ ، بمشاركة متسابقين و محكمين من نحو 50 دولة منها 22 دولة إفريقية وتدور حول أربع مستويات :

الأول : حفظ القرآن  الكريم كاملاً مع التجويد و الترتيل وبيان أسباب النزول .

الثاني :  حفظ القرآن الكريم كاملاً مع التجويدوالترتيل وتفسير الجزء الثلاثين .

الثالث : حفظ عشرين جزءاً من القرآن الكريم متصلة مع الترتيل و التجويد .

الرابع:  حفظ ثمانية أجزاء متصلة من الجزء الثالث و العشرين إلى الجزء الثلاثين.

وتأتي هذه المسابقة في هذا التوقيت الهام لتحمل عدة دلالات منها :

1-  أن مصر بلد الأمن والأمان وستظل بإذن الله تعالى ، حيث يأتي عقد هذه المسابقة بعد عشرة أيام فحسب من عقد المؤتمر العالمي الثالث والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية  الذي أشاد من حضره من الوزراء والعلماء والمفتيين بالأمن والأمان في مصر .

2-  أن مصر بلد الإيمان والإسلام ، وستظل على العهد وفية لدينها ولأمتها ، ولخدمة كتاب ربها ، فهي كما قال شيخنا وإمامنا الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله ) : البلد الذي صدّر علم الإسلام حتى إلى البلد الذي نزل فيه الإسلام.

3-  أن القيادة الدينية والسياسية معًا في مصر على العهد في خدمة القرآن الكريم وخدمة الوطن ، وكل ما يرفع من شأن مصر ويعمل على استعادة مكانتها العالمية ، وريادتها العربية ، والإسلامية ، والدينية ، والثقافية ، ولا سيما إذا ما تعلق الأمر بحفظ كتاب الله عزّ وجلّ وإكرام أهله والحافظين له .

علمًا بأن هذه ليست المسابقة الوحيدة التي تقوم بها وزارة الأوقاف لخدمة كتاب الله (عزّ وجلّ) ،              بل هي واحدة من مسابقات عديدة لخدمة ديننا وكتاب ربنا عزّ وجلّ .

يوم الشهيد ويوم الوفاء

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

لقد أعلى الإسلام من مكانة  الشهيد، فجعله مع النبيين والصديقين، يقول الحق سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ  وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } [النساء: 69-70]، فالشهادة اجتباء واصطفاء من الله عز وجل لمن يشاء من عباده ” يقول الحق عز وجل: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:  140].

وما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا ولو أن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد، يقول المولى جل وعلا: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 169، 170]، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): “عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله”، [ أخرجه الترمذي ]، وكتب أحد المعتكفين المتنقلين بين المسجد الحرام بمكة ومسجد حبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة إلى سيدنا عبد الله بن المبارك يذكره بفضل الاعتكاف والصلاة بالمسجدين العظيمين وكان عبد الله بن المبارك مرابطًا على الجبهة يحمي حمى وطنه وحدوده فكتب إليه ابن المبارك:

يا عابد الحرمين لو أبصــــرتنا             لعلمت أنك بالعبادة تلعــبُ

من كان يخضب خده بدموعه             فنحورنا بدمـــــائنا تتخضــبُ

أو كان يتعب خيله فى باطــلٍ             فخيولنا يوم الصبيحة تتعــبُ

فصفقة الشهيد مع ربه مضمونة، يقول الحق سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، ويقول عز وجل: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19] , وهم مع النبيين أول من يقضى بينهم يوم القيامة ويوفون أجورهم ولا يظلمون فتيلا، يقول الحق سبحانه : { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [الزمر: 69].

ومن إكرام الله عز وجل للشهيد شفاعته لأهله حتى ورد أنه يشفع لسبعين من أهل بيته، وإذا كان الصبر على فراق الأحبة لا جزاء له إلا الجنة ، وذلك أن الله عز وجل إذا أمر بقبض روح عبده قال لملائكته: “يا ملائكتي أقبضتم ولد عبدي ؟ أقبضتم فلذة كبده؟ قالوا نعم، فيقول الحق سبحانه : ماذا قال عبدي؟ فيقولون : حمدك واسترجع – أي قال : الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون – فيقول الحق سبحانه وتعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد”، فإذا كان هذا لعامة الناس ، فما بالكم بالشهيد الذي باع نفسه رخيصة لله عز وجل؟؟ .

وأود أن أؤكد على  حقائق:

أولها : أنّ الشجاعة والإقدام دليل على قوة الإيمان بالله ، فما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف” ،ولن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، يقول الحق سبحانه وتعالى:  ”  فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ”  [الأعراف : ٣٤] ، وكان سيدنا خالد بن الوليد (رضي الله عنه ) يقول : قاتلت عمرًا كاملًا ما بين الجاهلية والإسلام ليس في جسدي موضع شبر إلا وبه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير  فلا قرت أعين الجبناء ، فلا قرت أعين الجبناء.

ثانيها : أننا نفرّق بوضوح تام لا لبس فيه بين الشهادة وبين العمليات الانتحارية والتخريبية الإجرامية ، ونؤكد أنّ قتل الأبرياء غدرًا وخيانةً حتى لو كانوا مخالفين في الدين أو العقيدة أمر لا يقره دين ، ولا عقل سليم ولا إنسانية سويّة ، وأنّ ديننا يرفض كل مظاهر الفساد والإفساد والتخريب والتدمير ، كما نؤكّد أن العمليات الانتحارية محض إفسادلا علاقة له بالشهادة من قريب أو بعيد ، وأن من يفجّر نفسه منتحر يعجّل بنفسه إلى نار جهنم، وأن من يقومون بهذه العمليات أناس لا نقول انسلخوا من دينهم فحسب ، وإنما نقول من إنسانيتهم وآدميتهم إلى مسخ لا يقره دين ولا عقل ولا خلق قويم .

ثالثها : أن الإسلام دين السماحة والرحمة لا القتل والإرهاب ، وأنه كان في أعلى درجات الإنسانية حتى في تعامله مع الأعداء ، وقدأكّد فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها   ونحن في صحبته الكريمة في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة أنّ الإسلام حرّم قتل الأعمى والمُقعد ومقطوع اليد في جيش الأعداء ، كما حرم قتل الأجير في عمله، والفلاح في حقله ، والراهب في صومعته ، لأنّ هؤلاء لا يتصور منهم عدوان أو حمل للسلاح على المسلمين،ولما رأى نبيّنا (صلى الله عليه وسلم ) امرأة مقتولة في ساحة القتال قال (صلى الله عليه وسلم ) من قتلها ؟ ما كانت هذه لتقاتل! ، لأن القتل لم يكن أبدًا على المعتقد ، أو المخالفة في الرأي أو الدين وإنما على حمل السّلاح.

كما حرّم الإسلام التمثيل بجثث القتلى من المسلمين أو حتى من أعدائهم بل نهى  عن التمثيل ولو بجثة كلب عقور يؤذي الناس، و نهى عن الاعتداء على أمن الحيوان أو النبات أو الجماد،  حيث نهى النبي (صلى الله عليه وسلم ) أصحابه أن يحرقوا  زرعًا، أو يقطعوا شجرًا أو  يفرقوا نحلًا، وعلى الإجمال نهى الإسلام  عن كل فساد أو إفساد ، ودعا إلى المحافظة على كل ما فيه خير الإنسانية .

يوم الوفاء :

وإنه ليذكر بالخير لقواتنا المسلحة الباسلة وفاؤها لأبنائها الذين ضحّوا بالغالي والنفيس  ووضعوا  أرواحهم على أكفهم تضحيةً وفداءً ووفاءً لوطنهم العزيز.

التشيع السياسي والأخونة وناقوس الخطر

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

فكرة التشيع في أصل نشأتها اقترنت بالعصبية أو التعصب للإمام علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ثم لآل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مستغلة العاطفة الدينية الجيّاشة الجارفة المفعمة بحب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وآل بيته الكرام ، غير أن الأمر عند الشيعة تجاوز العاطفة الدينية إلى التوظيف السياسي ، واختُرقَت حركة التشيع ببعض الزنادقة والحاقدين على الإسلام ممن فقدوا عروشهم ، وكانوا يظنون أن اعتناق التشيع مع ما فيه من التقية يمكن أن يصل بهم إلى أهدافهم السياسية ، وهكذا تعمل الآن إيران على بسط نفوذها السياسي في المنطقة من خلال تغلغلها المذهبي ودعمها بكل قوة للمد الشيعي ، وتوظيفها له سياسيا ومذهبيا وعسكريا .

وقد لقي هذا المد الشيعي دعمًا كبيرًا من أعداء الإسلام والأمة العربية الذين يعملون على تفتيت كياناتها القوية ، وزعزعة أمنها واستقرارها ، وتقويض وحدتها وتماسكها ، لصالح العدو الصهيوني من جهة ، والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها والتحكم في مفاصلها من جهة أخرى .

وقد وجدت بعض الدول الطامعة في خيرات الأمة العربية ونفطها ومقدراتها وثرواتها الطبيعية في دعم المد الشيعي وسيلة لزعزعة أمن المجتمعات السنية المستقرة ، وقد أكدنا في أحاديث كثيرة أن العمل  على نشر التشيع في المجتمعات السنية يعد خطرًا كبيرًا على أمنها القومي ومقومات السلم الاجتماعي بها ، بل إنه يهدد أمنها القومي والسياسي معا ، بزرع الفتنة بين أبنائها واستفزاز مشاعر أهل السنة بمظاهر لم يكن بوسعهم تقبلها أو التسليم بها ، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بعقيدتهم والطعن في صحابة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الكرام وأمهات المؤمنين الطاهرات .

إذن لقد خرج التشيع عن مساره المذهبي إلى تحقيق أغراض ومطامع سياسية ، واتخذ من سلاح المال والتقية مدخلًا كبيرًا لتحقيق الأهداف السياسية التي تسعى إليها تلك الدول الشيعية أو الداعمة للتشيع في سبيل زعزعة استقرار الأمة العربية .

ولكن المفاجأة التي لم تكن مذهلة للعقلاء والحكماء والمفكرين والمحللين لكنها نزلت كالصاعقة على كثير من عامة الناس هي أن جماعة الإخوان المسلمين تنهج منهج الشيعة نفسه في التقية لأجل تحقيق مطامعهم السلطوية ، وهو ما أكده ونبه إليه كثير من الكتاب والمفكرين من أمثال الأستاذ ثروت الخرباوي الذي يقول : للتقية قصة مع الإخوان مستمرة من عهد الأستاذ المؤسس حسن البنا إلى وقتنا هذا ، لم يتخل الإخوان عن تقيتهم هذه في أي لحظة من اللحظات ، آمن حسن البنا بها ، واعتبرها أصلا من أصول العمل الحركي للجماعة ، وتقية الإخوان لا تختلف عن تقية الشيعة في شيء ، فهم يعدونها وسيلة من وسائل التمكين ، يسلكون سبيلها ويتوسعون فيها حتى صارت أصلا من أصولهم ، تقية الإخوان والشيعة هي هي لا فرق بينهما .

وليس ذلك في مصر وحدها ، بل هي جزء من تكوينهم الفكري ، يقول الدكتور جمال الراشد : التقية في الشرع هي التحفظ والتحرز من ضرر من هو قادر على الإضرار بإظهار موافقته في الظاهر ، فهي آنية تزول بزوال الدافع لها ، أما التقية عند الإخوان والشيعة فهي قضية رئيسة ، والإخوان المسلمون في الأردن يقرون عمليا ولو بالباطن بمشروعية العمل بالتقية السياسية .

ويؤكد الأستاذ محمد جواد مغنية أن التقية ارتبطت عند الرافضة بالكذب والغش والنفاق حتى صارت عندهم من أصول الدين ، فلا إيمان عندهم لمن لا تقية له ، حتى قال ابن بايويه : اعتقادنا في التقية أنها واجبة من تركها بمنزلة من ترك الصلاة ، ويذكر بعضهم أن تسعة أعشار الدين في التقية ، ونقل عن ابن تيمية أنه قال في التقية : إنها صفة الرافضة ، شعارهم الذل ، ودثارهم النفاق والتقية ، ورأس مالهم الكذب والأيمان الفاجرة ، ويكذبون على جعفر الصادق ، وقد كرّم الله أهل البيت ولم يحوجهم إليها ، فكانوا أصدق الناس وأعظمهم إيمانا ، فدينهم التقوى لا التقية .

وقد فرق بعض العلماء والكتاب بين التقية الشرعية التي هي فرع من الفروع وتقية الشيعة التي هي أصل من الأصول ، فالتقية الشرعية تكون مع الكفار لا مع المؤمنين عند الخوف على النفس أو العرض ، وتكون في مواطن الضعف لا مواطن القوة ، وهي رخصة لا عزيمة وتكون باللسان لا بالأفعال ، ولا يمكن أن تكون سجية للمسلم في جميع أحواله ، فلا ينبغي الخلط بين ضرورات الشرع وبين ما هو من فعل الزنادقة من الكذب والخداع والغش والنفاق باسم التقية .

ولا شك أن التشيع والأخونة بأهدافها السلطوية خطر داهم يفت في عضد المجتمع ، فينبغي علينا التنبه لتلك الأخطار الداهمة ، سواء بمراقبة الأموال التي تدخل البلاد بصورة غير مشروعة ، أم بمراقبة إنفاق الأموال الطائلة التي تستغل حاجة الفقراء والكادحين ، أم بكشف حقائق تلك الجماعات التي تتخذ من الدين شعارا أو غطاء لتحقيق مصالح شخصية أو سلطوية ، وهذا واجب وطني على جميع المفكرين والمثقفين الحريصين على وحدة وتماسك أوطانهم في مواجهة أعداء أمتنا المتربصين بها الطامعين للاستيلاء على مقدراتها الطامحين إلى تقويض بنيانها ، مما يستوجب على جميع أبناء الوطن المخلصين التصدي لهم بكل بسالة وصلابة .