مقالات

يوم الشهيد ويوم الوفاء

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

لقد أعلى الإسلام من مكانة  الشهيد، فجعله مع النبيين والصديقين، يقول الحق سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ  وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } [النساء: 69-70]، فالشهادة اجتباء واصطفاء من الله عز وجل لمن يشاء من عباده ” يقول الحق عز وجل: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:  140].

وما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا ولو أن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد، يقول المولى جل وعلا: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 169، 170]، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): “عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله”، [ أخرجه الترمذي ]، وكتب أحد المعتكفين المتنقلين بين المسجد الحرام بمكة ومسجد حبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة إلى سيدنا عبد الله بن المبارك يذكره بفضل الاعتكاف والصلاة بالمسجدين العظيمين وكان عبد الله بن المبارك مرابطًا على الجبهة يحمي حمى وطنه وحدوده فكتب إليه ابن المبارك:

يا عابد الحرمين لو أبصــــرتنا             لعلمت أنك بالعبادة تلعــبُ

من كان يخضب خده بدموعه             فنحورنا بدمـــــائنا تتخضــبُ

أو كان يتعب خيله فى باطــلٍ             فخيولنا يوم الصبيحة تتعــبُ

فصفقة الشهيد مع ربه مضمونة، يقول الحق سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، ويقول عز وجل: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19] , وهم مع النبيين أول من يقضى بينهم يوم القيامة ويوفون أجورهم ولا يظلمون فتيلا، يقول الحق سبحانه : { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [الزمر: 69].

ومن إكرام الله عز وجل للشهيد شفاعته لأهله حتى ورد أنه يشفع لسبعين من أهل بيته، وإذا كان الصبر على فراق الأحبة لا جزاء له إلا الجنة ، وذلك أن الله عز وجل إذا أمر بقبض روح عبده قال لملائكته: “يا ملائكتي أقبضتم ولد عبدي ؟ أقبضتم فلذة كبده؟ قالوا نعم، فيقول الحق سبحانه : ماذا قال عبدي؟ فيقولون : حمدك واسترجع – أي قال : الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون – فيقول الحق سبحانه وتعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد”، فإذا كان هذا لعامة الناس ، فما بالكم بالشهيد الذي باع نفسه رخيصة لله عز وجل؟؟ .

وأود أن أؤكد على  حقائق:

أولها : أنّ الشجاعة والإقدام دليل على قوة الإيمان بالله ، فما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف” ،ولن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، يقول الحق سبحانه وتعالى:  ”  فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ”  [الأعراف : ٣٤] ، وكان سيدنا خالد بن الوليد (رضي الله عنه ) يقول : قاتلت عمرًا كاملًا ما بين الجاهلية والإسلام ليس في جسدي موضع شبر إلا وبه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير  فلا قرت أعين الجبناء ، فلا قرت أعين الجبناء.

ثانيها : أننا نفرّق بوضوح تام لا لبس فيه بين الشهادة وبين العمليات الانتحارية والتخريبية الإجرامية ، ونؤكد أنّ قتل الأبرياء غدرًا وخيانةً حتى لو كانوا مخالفين في الدين أو العقيدة أمر لا يقره دين ، ولا عقل سليم ولا إنسانية سويّة ، وأنّ ديننا يرفض كل مظاهر الفساد والإفساد والتخريب والتدمير ، كما نؤكّد أن العمليات الانتحارية محض إفسادلا علاقة له بالشهادة من قريب أو بعيد ، وأن من يفجّر نفسه منتحر يعجّل بنفسه إلى نار جهنم، وأن من يقومون بهذه العمليات أناس لا نقول انسلخوا من دينهم فحسب ، وإنما نقول من إنسانيتهم وآدميتهم إلى مسخ لا يقره دين ولا عقل ولا خلق قويم .

ثالثها : أن الإسلام دين السماحة والرحمة لا القتل والإرهاب ، وأنه كان في أعلى درجات الإنسانية حتى في تعامله مع الأعداء ، وقدأكّد فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها   ونحن في صحبته الكريمة في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة أنّ الإسلام حرّم قتل الأعمى والمُقعد ومقطوع اليد في جيش الأعداء ، كما حرم قتل الأجير في عمله، والفلاح في حقله ، والراهب في صومعته ، لأنّ هؤلاء لا يتصور منهم عدوان أو حمل للسلاح على المسلمين،ولما رأى نبيّنا (صلى الله عليه وسلم ) امرأة مقتولة في ساحة القتال قال (صلى الله عليه وسلم ) من قتلها ؟ ما كانت هذه لتقاتل! ، لأن القتل لم يكن أبدًا على المعتقد ، أو المخالفة في الرأي أو الدين وإنما على حمل السّلاح.

كما حرّم الإسلام التمثيل بجثث القتلى من المسلمين أو حتى من أعدائهم بل نهى  عن التمثيل ولو بجثة كلب عقور يؤذي الناس، و نهى عن الاعتداء على أمن الحيوان أو النبات أو الجماد،  حيث نهى النبي (صلى الله عليه وسلم ) أصحابه أن يحرقوا  زرعًا، أو يقطعوا شجرًا أو  يفرقوا نحلًا، وعلى الإجمال نهى الإسلام  عن كل فساد أو إفساد ، ودعا إلى المحافظة على كل ما فيه خير الإنسانية .

يوم الوفاء :

وإنه ليذكر بالخير لقواتنا المسلحة الباسلة وفاؤها لأبنائها الذين ضحّوا بالغالي والنفيس  ووضعوا  أرواحهم على أكفهم تضحيةً وفداءً ووفاءً لوطنهم العزيز.

التشيع السياسي والأخونة وناقوس الخطر

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

فكرة التشيع في أصل نشأتها اقترنت بالعصبية أو التعصب للإمام علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ثم لآل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مستغلة العاطفة الدينية الجيّاشة الجارفة المفعمة بحب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وآل بيته الكرام ، غير أن الأمر عند الشيعة تجاوز العاطفة الدينية إلى التوظيف السياسي ، واختُرقَت حركة التشيع ببعض الزنادقة والحاقدين على الإسلام ممن فقدوا عروشهم ، وكانوا يظنون أن اعتناق التشيع مع ما فيه من التقية يمكن أن يصل بهم إلى أهدافهم السياسية ، وهكذا تعمل الآن إيران على بسط نفوذها السياسي في المنطقة من خلال تغلغلها المذهبي ودعمها بكل قوة للمد الشيعي ، وتوظيفها له سياسيا ومذهبيا وعسكريا .

وقد لقي هذا المد الشيعي دعمًا كبيرًا من أعداء الإسلام والأمة العربية الذين يعملون على تفتيت كياناتها القوية ، وزعزعة أمنها واستقرارها ، وتقويض وحدتها وتماسكها ، لصالح العدو الصهيوني من جهة ، والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها والتحكم في مفاصلها من جهة أخرى .

وقد وجدت بعض الدول الطامعة في خيرات الأمة العربية ونفطها ومقدراتها وثرواتها الطبيعية في دعم المد الشيعي وسيلة لزعزعة أمن المجتمعات السنية المستقرة ، وقد أكدنا في أحاديث كثيرة أن العمل  على نشر التشيع في المجتمعات السنية يعد خطرًا كبيرًا على أمنها القومي ومقومات السلم الاجتماعي بها ، بل إنه يهدد أمنها القومي والسياسي معا ، بزرع الفتنة بين أبنائها واستفزاز مشاعر أهل السنة بمظاهر لم يكن بوسعهم تقبلها أو التسليم بها ، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بعقيدتهم والطعن في صحابة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الكرام وأمهات المؤمنين الطاهرات .

إذن لقد خرج التشيع عن مساره المذهبي إلى تحقيق أغراض ومطامع سياسية ، واتخذ من سلاح المال والتقية مدخلًا كبيرًا لتحقيق الأهداف السياسية التي تسعى إليها تلك الدول الشيعية أو الداعمة للتشيع في سبيل زعزعة استقرار الأمة العربية .

ولكن المفاجأة التي لم تكن مذهلة للعقلاء والحكماء والمفكرين والمحللين لكنها نزلت كالصاعقة على كثير من عامة الناس هي أن جماعة الإخوان المسلمين تنهج منهج الشيعة نفسه في التقية لأجل تحقيق مطامعهم السلطوية ، وهو ما أكده ونبه إليه كثير من الكتاب والمفكرين من أمثال الأستاذ ثروت الخرباوي الذي يقول : للتقية قصة مع الإخوان مستمرة من عهد الأستاذ المؤسس حسن البنا إلى وقتنا هذا ، لم يتخل الإخوان عن تقيتهم هذه في أي لحظة من اللحظات ، آمن حسن البنا بها ، واعتبرها أصلا من أصول العمل الحركي للجماعة ، وتقية الإخوان لا تختلف عن تقية الشيعة في شيء ، فهم يعدونها وسيلة من وسائل التمكين ، يسلكون سبيلها ويتوسعون فيها حتى صارت أصلا من أصولهم ، تقية الإخوان والشيعة هي هي لا فرق بينهما .

وليس ذلك في مصر وحدها ، بل هي جزء من تكوينهم الفكري ، يقول الدكتور جمال الراشد : التقية في الشرع هي التحفظ والتحرز من ضرر من هو قادر على الإضرار بإظهار موافقته في الظاهر ، فهي آنية تزول بزوال الدافع لها ، أما التقية عند الإخوان والشيعة فهي قضية رئيسة ، والإخوان المسلمون في الأردن يقرون عمليا ولو بالباطن بمشروعية العمل بالتقية السياسية .

ويؤكد الأستاذ محمد جواد مغنية أن التقية ارتبطت عند الرافضة بالكذب والغش والنفاق حتى صارت عندهم من أصول الدين ، فلا إيمان عندهم لمن لا تقية له ، حتى قال ابن بايويه : اعتقادنا في التقية أنها واجبة من تركها بمنزلة من ترك الصلاة ، ويذكر بعضهم أن تسعة أعشار الدين في التقية ، ونقل عن ابن تيمية أنه قال في التقية : إنها صفة الرافضة ، شعارهم الذل ، ودثارهم النفاق والتقية ، ورأس مالهم الكذب والأيمان الفاجرة ، ويكذبون على جعفر الصادق ، وقد كرّم الله أهل البيت ولم يحوجهم إليها ، فكانوا أصدق الناس وأعظمهم إيمانا ، فدينهم التقوى لا التقية .

وقد فرق بعض العلماء والكتاب بين التقية الشرعية التي هي فرع من الفروع وتقية الشيعة التي هي أصل من الأصول ، فالتقية الشرعية تكون مع الكفار لا مع المؤمنين عند الخوف على النفس أو العرض ، وتكون في مواطن الضعف لا مواطن القوة ، وهي رخصة لا عزيمة وتكون باللسان لا بالأفعال ، ولا يمكن أن تكون سجية للمسلم في جميع أحواله ، فلا ينبغي الخلط بين ضرورات الشرع وبين ما هو من فعل الزنادقة من الكذب والخداع والغش والنفاق باسم التقية .

ولا شك أن التشيع والأخونة بأهدافها السلطوية خطر داهم يفت في عضد المجتمع ، فينبغي علينا التنبه لتلك الأخطار الداهمة ، سواء بمراقبة الأموال التي تدخل البلاد بصورة غير مشروعة ، أم بمراقبة إنفاق الأموال الطائلة التي تستغل حاجة الفقراء والكادحين ، أم بكشف حقائق تلك الجماعات التي تتخذ من الدين شعارا أو غطاء لتحقيق مصالح شخصية أو سلطوية ، وهذا واجب وطني على جميع المفكرين والمثقفين الحريصين على وحدة وتماسك أوطانهم في مواجهة أعداء أمتنا المتربصين بها الطامعين للاستيلاء على مقدراتها الطامحين إلى تقويض بنيانها ، مما يستوجب على جميع أبناء الوطن المخلصين التصدي لهم بكل بسالة وصلابة .

مصر على مشارف نهضة ولكن

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

على الرغم من كلِّ الصعوبات والتحديات التي تمر بها مصر فإني لم أكن أكثر تفاؤلاً مني في هذه الأيام، و أشعر من داخلي أننا على أعتاب مرحلة جديدة ومشارف نهضة واضحة المعالم، وذلك لما تمتلكه مصر من طاقات بشرية، ومصادر متنوعة،  وموقع جغرافي متميز، وحضارة وآثار عريقة، وثروات طبيعية مازال كثير منها بكرًا ، يحتاج إلى إرادة وتصميم  من جهة ، وقرار سياسي حاسم ومستقل من جهة أخرى ، وتهيئة مناخ جيد للاستثمار الداخلي والخارجي من جهة ثالثة.

وفي أثناء مقابلتي لدولة رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب لمستُ عزيمةً وإصرارًا على إحداث نقلة نوعية في تاريخ مصر الحديث تقوم على أسس واضحة المعالم، من أهمها :

دفع عجلة العمل والإنتاج إلى الأمام، والبحث عن بدائل غير تقليدية لإعادة المصانع المتعثرة أو المتوقفة إلى العمل، وتوفير مزيد من فرص العمل الحقيقية أمام أبناء الوطن جميعًا، للقضاء على البطالة أو التخفيف من حدتها على أقل تقدير في المنظور القريب،   و التمكين للشباب في المواقع القيادية والتنفيذية مع عدم الاستغناء عن الكفاءات من ذوي الخبرة والدرية بمسالك الأمور، فالعلاقة بين الشباب والشيوخ ليست علاقة صراع أو صدام بين الأجيال، إنما ينبغي أن تكون علاقة تكامل، فلا غنى عن طاقات الشباب وحماسهم المنضبط بضوابط الكفاءة , ولا عن خبرات الشيوخ وتجاربهم في ضوء قدرتهم على العطاء .

والعنصر الأهم الذي نسعى جميعًا إلى تحقيقه في هذه الحكومة المرتقبة التي يعلق الشعب عليها آمالاً كبيرة هو تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية وعاجلة، وهو ما نؤمن جميعًا به وما تطلبته ثورتا 25 يناير و 30 يونيو، وأكدّ عليه دستور 2014 الذي حققته إرادة المصريين بإقبال لا يدع مجالاً لأي مزايدة .

تلك العدالة التي لا يمكن أن يستقر وطن بدون تحقيقها وتصحيح منظومتها ،بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين ،ويعطي الأولوية في الدعم والخدمات للطبقات الأكثر فقرًا، والأشدّ  احتياجًا .

و أؤكد أن العناية بتحسين أحوال الطبقات الكادحة أو الأكثر فقرا،والقرى والنجوع والمناطق العشوائية الأشد احتياجًا إلى الدعم أوالخدمات ستكون في أولى أولويات هذه الحكومة .

على أن ذلك يحتاج أيضًا إلى تضافر جهود الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال المخلصين لوطنهم الحريصين على نهضته ورقيه ، الذين يدركون أن لوطنهم عليهم حقا، وهذا أوان رد الجميل للوطن، فعند الشدائد تظهر المعادن النفيسة.

و لكي تتحقق هذه الطموحات ينبغي:

1- أن نعمل جميعا على تحقيق الأمن والاستقرار، ونضرب بيد من حديد على أيدي العابثين والمخربين والمفسدين، وأن نُعرّي أطماعهم السلطوية، وندحض بالدليل القاطع حججهم الواهية، ونكشف للمجتمع كله زيفهم وكذبهم وخداعهم ومعسول كلامهم الممزوج بالسم الناقع، وصدق الحق (سبحانه وتعالى ) إذ يقول في كتابه العزيز: ( وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ *  وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ  *  وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } ( البقرة: 204 – 206 )

2- أن نبذل أقصى الجهد في العمل والإنتاج , فلا شك أن الاقتصاد في عصرنا الحديث أحد أهم دعائم القوة وأشد أركانها , وهو ما دعا إليه ديننا وأكّد عليه , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ): ” إذا قامت الساعة وفي يدي أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ” .

على أن الإسلام لا يطلب مجرد العمل , وإنما يطلب إتقانه , يقول الحق (سبحانه وتعالى) لسيدنا داود (عليه السلام) : ” أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ‌ فِي السَّرْ‌دِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‌}  [سبأ : 11]  .

3- التخطيط الجيد وحسن توظيف الطاقات , ومن أهم ركائز  التخطيط وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ,والنظرة الشاملة لقضايا الأمة , ودراسة الأمور دراسة وافية قبل البدء في تنفيذها .

4- ترتيب الأولويات : وذلك بتقديم الأكثر احتياجًا على الأقل , والأعم نفعًا على الأخص , والضروريات على الكماليات  في كل جوانب حياتنا .

5- ترشيد الاستهلاك , والبعد عن جميع مظاهر الإسراف والتبذير , لأن الأمم التي تريد أن تبني نفسها وأن تنهض من كبوتها لا بد أن تتحمل لبعض الوقت بعض المتاعب والصعاب , فتعمل وتكّد من جهة ,وترشد استهلاكها من جهة أخرى , وهذا ما فعله يوسف (عليه السلام) لإنقاذ مصر في سنى المجاعة , وهو ما يتضمنه قول الحق (سبحانه وتعالى) على لسان يوسف (عليه السلام )” : {قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً  فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }. (يوسف : 47-49) .

قراءة في فكر الإمام الأكبر ومواقفه

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

صدر لفضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ثلاث إصدارات هي بمثابة ثلاثة كنوز علمية معرفية ، هي: التراث والتجديد ، وحديث في العلل والمقاصد ، ونظرات في فكر الإمام الأشعري ، وقد اعتزمتُ الكتابة عنها تباعا غير أن لقاء حضرته في رحاب مشيخة الأزهر كان لا يمكن أن أتجاوزه ، لما له من دلالات عظيمة على عمق فلسفة فضيلة الإمام ووطنيته وغيرته لدينه ووطنيته ، وهو لقاء فضيلته بالمبعوث الأوروبي لحقوق الإنسان يوم الثلاثاء 11/ 2/ 2014م ، حيث أسمع فضيلة الإمام الرجل كلاما ما كان ليسمعه من غيره ، ومن ذلك أن اختلاف الثقافات والحضارات والأعراف والتقاليد يولد بالطبع اختلافا في الحقوق والواجبات ، ولا يمكن لحقوق الإنسان في الغرب التي ترتبط بطبيعة المجتمعات فيه أن تستنسخ وتفرض قسرًا على الشرق ولا العكس قائم أيضا ، فمثلا إذا كانت بعض ثقافات الغرب تقنن وتقر حقوق المثليين في الزواج فإن ثقافة الشرق وحضارته تأبى ذلك ولا يمكن أن تتقبله ، وإذا كانت حقوق الإنسان في الغرب لا تسمح بالمساس بالسامية أو إنكار المحرقة المزعومة أو حتى مناقشة أمرها ، وتعد ذلك من الجرائم والمحرمات ، فإن ذلك لا يمكن أن يكون ملزما للشرق أو مفروضا عليه ، فإن هذه السامية المكذوبة أعطت اليهود من الحقوق والميزات ما يقوي مزاعمهم الفاسدة بأنهم شعب الله المختار .

كما نبه فضيلة الإمام أن الغرب الذي يتحدث عن حقوق الإنسان يمنح الكيان الصهيوني في إسرائيل من المال والسلاح ما يقتل به الشعب الفلسطيني ويدمر مقوماته الحياتية ، فأين هم من حقوق الإنسان في ذلك ؟ وأنهم هنا في مصر  يبحثون عن حقوق جماعة أو أفراد ، ولا يبحثون عن حقوق شعب بأكمله يواجه إرهابا أعمى لا يراعي حرمة دين ولا وطن ، وأنهم يستقون معلوماتهم من الإعلام المضلل والمنحاز لفريق بعينه ، ولا يستقون معلوماتهم من واقع الشعب المصري الذي يرفض الإرهاب بكل صوره ، ويعاني من مرارته ومن تلك الجماعات الإرهابية والمتشددة.

وفي هذا أكد فضيلة الإمام على أمرين: الأول أن الأزهر مستعد لاستضافة أي فريق من حقوق الإنسان على نفقة الأزهر والتعاون معه شريطة الإنصاف ، وأن يستقوا معلوماتهم من واقع الشعب المصري وليس من الإعلام الخارجي أو الداعم لفصائل التشدد أو الإرهاب.

الأمر الآخر: لا بد أن يكون الغرب منصفا للشرق في قضية حقوق الإنسان ، وألا يسلك معه مسلك الإملاء أو الاستعلاء ، بل على كل من الشرق والغرب أن يحترم ثقافة الآخر وحضارته ، لنتعامل في ضوء تكامل الحضارات لا تصادمها ، فللغرب ثقافته وعاداته وتقاليده وحقوقه التي لا ينكرها عليه الشرق ، ولا يملي عليه غيرها ، وللشرق ثقافته وحضارته وتقاليده وحقوقه التي لا يقبل أن يتدخل الغرب في تغييرها قسرًا أو إملاء غيرها عليه تحت أي ذريعة أو مبرر ، وأن الدستور المصري قد أقر حقوق الإنسان كاملة في ضوء شرائعنا وعاداتنا وتقاليدنا التي لا تقبل شعوبنا أي إملاءات تتناقض معها أو تكون خارج إطارها.

وفي الحديث حول علاقة الشباب والشيوخ أكد فضيلة الإمام على أهمية التواصل بين الأجيال ، فالعلاقة بين الشباب والشيوخ هي علاقة تكامل لا علاقة صراع ولا إقصاء ، فلا غنى عن طاقات الشباب ولا عن خبرات الشيوخ ، وفي وضوح تام قال فضيلة الإمام للمبعوث الأوروبي ليس كل القيادات في أوروبا أو في الغرب من الرؤساء والوزراء والمسئولين من الشباب ، وفي معرض الحديث عن انحيازهم إلى جانب الإخوان المسلمين قال فضيلة الإمام للمبعوث الأوروبي لا نريد أن تبحثوا عن حقوق أشخاص أو جماعات على حساب شعب بأكمله ، وأكد أن الأزهر كان دائما يسعى للمصالحة ولم الشمل غير أن تعنت فصيل بعينه كان يحول دون إتمامها .

وأسجل الآتي:

1- أن المبعوث الأوروبي كان مندهشا من عمق فلسفة الإمام وصراحته وشجاعته ، ولم يستطع أن يخفي إعجابه بهذه الفلسفة العميقة في رؤية حقوق الإنسان ، وأكد أنها جديرة بالنظر والاحترام وأنه أفاد منها في رؤيته العامة لحقوق الإنسان ، وإن كان قد حاول الجدل في بعضها.

2- أن الطرف المتعنت الذي أشار إليه فضيلة الإمام في حديثه هو جماعة الإخوان المسلمين ، وبخاصة قياداتها العليا في مكتب الإرشاد التي كانت تتدخل في اللحظات الأخيرة بما يحول دون إتمام الوفاق أو المصالحة.

3- أن فضيلة الإمام الأكبر بقيادته الحكيمة للأزهر الشريف قد آثر الانحياز إلى جانب الدولة في مواجهة العبث والفوضى ، وتبنى بقوة ووضوح منهج السماحة والتيسير وفقه التعايش في مواجهة التشدد والتكفير ودعاة الطائفية.

أما الكتب الثلاثة التي أشرت إليها في صدر المقال فلا يمكن أن يفي بأي منها حديث موجز كهذا ، فسنجعلها مجالا لعقد عدد من الندوات حولها ، غير أني أشير فقط إلى رؤية فضيلته للعلاقة بين التراث والتجديد ، وهي تقف في منطقة وسط تدعو إلى الإفادة من التراث ، والتفرقة بين الثابت والمتغير فيه ، وإعادة قراءته قراءة جديدة واعية في ضوء معطيات ومكتسبات ومستجدات عصرنا الحاضر ، قراءة لا تقبل القطيعة مع الماضي ، ولا يمكن أن تتنكر له أو تنسلخ منه ، وهي في الوقت نفسه لا تنفصل عن واقعها ولا تنعزل عنه ، ولا تتنكر له أو ترفضه لمجرد حداثته أو كونه وافدا من ثقافة الآخر ، إنما تدعو إلى نظرة متوازنة تأخذ من الماضي ما تؤسس به للحاضر وتنطلق به في المستقبل ، وتأخذ من الحاضر والوافد أيضا كل ما هو نافع ومفيد ، وتؤمن بالتواصل الحضاري والانفتاح على الآخر علميا و ثقافيا بما لا يتعارض مع ثوابتنا الشرعية وقيمنا الحضارية ، لنصنع في النهاية بناء حضاريًا جديدًا ينطلق بنا إلى مصاف الدولة المتقدمة والراقية من جهة ، ويحفظ لنا هويتنا وخصوصيتنا الحضارية والثقافية من جهة أخرى.