مقالات

أسس الحوار الحضاري

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

– 

    ابتداءً نؤكد أن مؤتمر ” الحضارات في خدمة الإنسانية ” الذي شاركنا في افتتاحه وبعض ندواته بالعاصمة المنامة بدولة البحرين الشقيقة يُعد نقطة مضيئة ولبنة قوية في ترسيخ أسس الحوار وتقوية أواصره .

     ولا شك أن المراكز والمعاهد والمنتديات والمؤتمرات المتعلقة بالحوار بين الحضارات صارت ظاهرة تنم عن شدة الوعي بأهمية الحوار وخطورة الصدام ، غير أنها – وإن كانت تسهم في تخفيف حدة التوتر  – إلا أنها لم تؤت أكلها المنشود على أرض الواقع ، فثمارها لما تنضج بعد .

     ولا شك – أيضًا – أننا ينبغي أن نعظم دور المراكز والمعاهد المعنية بالحوار بين الأديان والثقافات والحضارات ، وأن نعمل على الإفادة من التوصيات التي تنتهي إليها البحوث والمنتديات والمؤتمرات المتعلقة بهذا الشأن ، وأن نبني ذلك على مرتكزات محددة وأسس واضحة للحوار .

ومن أهم هذه الأسس :

1- تحكيم لغة العقل و رغبة جميع الأطراف في نبذ العنف والكراهية والتطرف والإرهاب ، إيمانًا بأن قضية الصراع ليس فيها رابح مطلق أو خاسر مطلق ، وأن عواقب الصراع والعنف والتطرف وخيمة على الإنسانية جمعاء ، وأنه لا بديل للإنسانية عن البحث في القواسم والمصالح المشتركة ، ونقاط الالتقاء لما فيه خير البشرية بعيدًا عن الحروب والصراعات والقتل والاقتتال والتخريب والتدمير .

2- السعي إلى التعارف ، وطريق الانفتاح على الثقافات الأخرى ، وليس الانغلاق المحكم الذي يؤدي بنا إلى الخوف من الآخر المجهول ، فتعميق الوعي بالآخر وثقافته ومجريات حياته يجعله بالنسبة لنا أقل غرابة ، ويجعل الحوار معه أكثر يُسرًا وأسهل مأتى وتناولا .

     وقد حثنا الإسلام على هذا التعارف والسعي إليه فقال سبحانه : ” وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ” ، ويقولون مَن جَهَل شيئًا عاداه ، وإذا كان الحكم على الشيء فرعًا عن تصوره كما يقول المناطقة فلابد أن نتعرف على ما لدى الآخر من قيم ومثل وثقافات ، وأن نحلل ذلك تحليلا جيدًا محايدًا ومنصفًا قبل الحكم له أو عليه ، وألا تكون لدينا أحكام وقوالب جاهزة مسبقة في الحكم على الآخرين .

     وهو ما تنبه إليه شيوخ الأزهر الشريف عبر تاريخه الطويل ، فكتب الشيخ محمد عرفه في مجلة الأزهر عام 1946م : يجب أن يفهم الغرب الإسلام ، وأن يفهم الإسلام مدينة الغرب ، فإنهما إذا تفاهما زال ما بينهما من سوء ظن ، وأمكن أن يعيشا معًا متعاونين ، يؤدي كل منهما نصيبه من خدمة الإنسانية ، كما ينبغي على العلماء المسلمين أن يبنوا مدينة الغرب على حقيقتها ليحل التعارف محل التناكر ، ويحل السلام محل الخصام .

3- أن تكون لدى جميع الأطراف الرغبة الحقيقية في إعلاء القيم المشتركة وتجنب جميع مظاهر الأنانية والاستعلاء ، يقول فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها في افتتاح مؤتمر “الحضارات في خدمة الإنسانية” بالعاصمة البحرينية المنامة : لقد كان المسلمون منصفين لأصحاب الحضارات الأخرى إلى أبعد الحدود ، حتى وإن خالفوهم الرأي وعارضوهم فيه ، وقد بلغ من إنصاف المسلمين أنهم كانوا يقبلون الحق من غيرهم ويشكرونهم عليه ، ويتحفظون على ما يخالف الحق ويعذرونهم فيه ، يقول الفيلسوف المسلم ابن رشد محددًا منهجه   في الأخذ من ثقافة اليونان وغيرهم: ” يجب علينا أن ننظر في الذي قالوه وما أثبتوه في كتبهم ، فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم، وسُررنا به ، وشكرناهم عليه ، وما كان منها غير موافق للحق نبّهنا عليه وحذّرنا منه ، وعذرناهم .

     ولا شك أن التعالي والاستعلاء من جانب الغرب قد أضاعا على العالم فُرصًا كبرى للتلاقُح والتثاقُف بين حضارة الغرب وحضارات الشرق ، والتي هي أعرق من حضارة الغرب ، وأكثر منها عقلانية وواقعية ، وكان بإمكانها – لو تخلّى الغرب عن سياسة الاستعلاء – أن تُنقذ العالم من حروب القرن الماضي ، وما خلّفته من كوارث وخراب ودمار ، بل ومن الحروب التي تتربّص به اليوم من جديد .

     هذا التعاون أو التعارف بين الحضارات ، والذي أضاعه الغرب ، وكان مصدر أسى وندم عند عقلائه وحكمائه تَنبّه إليه شيوخ الأزهر منذ أربعينيات القرن الماضي، ودعوا إليه ، وإلى نشر  ثقافة التسامح لصالح البشرية كلها .

4- التركيز على الإفادة من النافع والمفيد ، وغض الطرف عن خصوصيات الآخر الثقافية التي لا تتفق مع قيمنا وحضارتنا ، في ضوء الاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب ، من غير أن يحاول الغرب أن يفرض قيمه وأنماط حياته الخاصة على الشرق ، ولا أن يحاول الشرق حمل الغرب حملا على مفردات حضارته وثقافته وقيمه وتراثه ، بل على الجميع أن يُعلي من شأن القيم المشتركة من حرمة الدماء والأعراض والأموال ، والحرص على الأمانة والصدق والوفاء وما أجمعت عليه الشرائع السماوية والقيم الإنسانية ، فيبحث الجميع عن المتفق عليه ، ويعذُر بعضهم بعضًا في المختلف فيه .

لهذا تقدم الغرب (2)

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 –

     لا شك أن الحكمة هي ضالة المؤمن ، يبحث عنها ، ويجتهد في طلبها ، ويسند الفضل فيها إلى أهله ، وأننا لابد أن ننظر في تجارب الآخرين ، فنأخذ منها النافع والمفيد ، ونطرح ما سوى ذلك ، ولا ينبغي أن نكابر فنزعم بالقول دون العمل أننا خير الأمم وسادة البشر ، ناسين أو متناسين أن سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وسلم) قد حذرنا من كثرة كغثاء السيل لا غناء فيها ، وأن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان يقول : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، وكان يقول في شأن العجم : والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل لهم أولى بمحمد (صلى الله عليه وسلم) منا يوم القيامة .

     وقد ذكرنا في مقالنا السابق ثلاثة أسباب لتقدم الغرب ، ونزيد في هذا المقال ثلاثة أسباب أخرى ، وهي:

1-  وهذا هو الأهم إنهم يبنون ويعملون  لأوطانهم .

فمن يتابع حركة المجتمع الغربي يجد أن الشخص يعمل لنفسه ولوطنه في آن واحد ، فهو جزء من منظومة تتحرك للمصلحة الوطنية ،  وتعرف بدقّة طريقها ، وتحدد اتجاهاتها وأهدافها ، وتجتهد  في الوصول إلى هذه الأهداف من أقصر الطرق ، وأقلها كلفة،  وأكثرها فائدة ، مُدركين إدراكًا لا لبس فيه أن مصلحة الوطن ستنعكس بلا شك على أفراده ، وأنّ أحدًا لن ينجح وحده ، غير أنّ كثيرًا منا للأسف الشديد لا يكتفي بعدم البناء ، فصار بعضنا يهدم ، والأدهى والأمرّ  أن يهدم بعض الناس باسم الدين ، بل باسم الإسلام ، محمّلين آثامهم وخطاياهم على الإسلام ، وهو منهم  براء ، ولو نطق لتبرأ منهم ومن أفعالهم الآثمة الشنعاء ، وكما ذكر فضيلة الإمام الأكبر في كلمته  أمام مؤتمر “خطورة الفكر التكفيري والفتوى بدون علم على المصالح الوطنية والعلاقات الدولية” الذي أقامه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية أواخر مارس الماضي ، حيث قال وللأسف الشديد فإن أعمال القتل والإرهاب وترويع الآمنين تُرتكب باسم الإسلام وتحت صيحات التكبير والتهليل ، على نحو ما نرى ونشاهد من تلك الأعمال الإجرامية التي تتخذ من التفجير والتدمير والإرهاب مسلكًا ، وحتى لو كان بعضنا يحاول البناء ، فإن يد الهدم أسرع ، وقديمًا قال شاعرنا العربي :

لو كل بانٍ خلفه هادم كفـJJـى                فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم

      وقال الآخر  :

 متى يبلغ البنيانُ يومًا تمامَـه                  إذا كنت تبنيه وغيرك يهـــدم

     فلا بدّ أن نتعاون في الضرب بيد من حديد على أيدي المجرمين والمخربين والمدمرين ، ومن يقطعون الطرقات ، ويروّعون الآمنين ، ويُعطّلون مسيرة الأعمال والإنتاج، وألاّ  نكون سلبيين ، بل نعمل على كفّ الظلم والعدوان ، والطيش والبغي ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ، قالوا يا رسول الله :  ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا ؟ فقال ( صلى الله عليه وسلم) : تأخذ على يده ” أي تَكُفّه عن ظلمه (صحيح البخاري ) ، ويقول الحق سبحانه : ” وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ” ( إبراهيم : 42 ،  43) .

2-  هم يُقدّسون حضارتهم ونحن نُشوّه حضارتنا ، إنهم يعملون على تعظيم ما لديهم من طاقات وإمكانات معرفية أو مادية أو حضارية، فلا يكُفّون عن الإشادة بها ، ويُحسنون عرضها وتسويقها ،وإبهار الآخرين بها ، وكثير منّا يتنّكر لحضارته، ويكاد يتبرّأ من كثير من معالمها، وقد جنحت فئةٌ لا تُحسن فهم دينها ، ولا تتخلق بأخلاقه الصحيحة، ولا تتأدّب بآدابها الراقية، جنحَت هذه الفئة إلى مسلك التشدد والعنف ، والتطرف والإرهاب ، وسوء الفهم، وسوء التفسير ، وسوء التأويل ، فشوّهت الوجه السمح الراقي الحضاري لحضارتنا الإسلامية ، فبعد أن كان الناس جميعًا يُسلّمون بسماحة الإسلام وسعة أفقه تسليمًا لا مجالَ للجدالِ فيه صِرنا مضطرين أن نبرهنَ وندلل على أن الإسلام بعيد كل البعد عن تلك الأفعال الإجرامية الإرهابية ، وأن الإسلام لا علاقةَ له بالإرهاب ،   وأن الإرهاب لا دينَ له ، ولا لونَ له ، ولا جنس له ، ولا وطن له ، وكأننا مضطرون أن نصرخ قائلين : لسنا كذلك ، لسنا بهذه الصورة البشعة التي رسمتها الجماعات الحمقى المتطرفة للإسلام في أذهان كثير من الغربيين ، مما يحمّلنا عبئًا أكبر ويجعلنا  مضطرين لبذل جهود مضنية في أن ننفي عن أنفسنا تُهمًا نحن منها براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب (عليه السلام ) .

3-  التخطيط والنظام واحترام سيادة القانون .

وهذه معانٍ لا غنى عنها لأي أمة تبحث عن سبل التقدم والرقي ، فالعدالة التي لا تعرف التفرقة بين الغني والفقير بين الناس جميعًا على اختلاف طبقاتهم السياسية والاجتماعية والوظيفية هي الضمانة الأولى لاستقرار المجتمعات ، فكما قال أحد السف : إن الله عزّ وجلّ ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة ، ولا ينصر الأمة الظالمة ولو كانت مؤمنة .

كما أن التخطيط والنظام أمران لا بديل عنهما ، ويقولون :  الحكيم قد يخطط في عام ، وينفذ في يوم أو أسبوع تنفيذًا دقيقًا محكمًا ، والأحمق لا يفكر ولا يخطط ، ويتخبط في التنفيذ طوال حياته .

لهذا تقدم الغرب (1)

mokhtar-gomaa

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

      لا شك أن الحكمة هي ضالة المؤمن ، يبحث عنها ، ويجتهد في طلبها ، ويسند الفضل فيها إلى أهله ، وأننا لابد أن ننظر في تجارب الآخرين ، فنأخذ منها النافع والمفيد ، ونطرح ما سوى ذلك ، ولا ينبغي أن نكابر فنزعم بالقول دون العمل أننا خير الأمم وسادة البشر ، ناسين أو متناسين أن سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وسلم) قد حذرنا من كثرة كغثاء السيل لا غناء فيها ، وأن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان يقول : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، وكان يقول في شأن العجم : والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل لهم أولى بمحمد (صلى الله عليه وسلم) منا يوم القيامة .

      وإذا نظرنا نظرة متأملة فاحصة متأنية في سر تقدم الغرب وجدنا أسبابًا كثيرة ، وأن هذا التقدم لم يكن عفويًا أو وليد الصدفة ، إنما كان نتاج جهد وعمل شاق ودءوب .

أهم الأسباب :

    1-  تقديس العمل وقيمته ، فكل ما دعا إليه الإسلام من تقديس العمل والحث عليه تراه واقعًا ملموسًا في حياة الأمم الراقية والمتقدمة ، ولا مجال للمحاباة أو المجاملة في مجال العمل .

          لكننا للأسف الشديد تجاهلنا قيمنا الإسلامية ، وأصبح متوسط إنتاج الفرد لدينا لا يقاس ولا يقارن بالمستويات العالمية ، على أن الشخص نفسه إذا سافر إلى دولة أخرى رأيناه يؤدي عمله على الصورة المطلوبة ، وكأنه ليس ذلك الشخص الذي كان يعمل في بلده ، في حين أنه لو عمل بهذا الجد في أي مكان كان لوجد بركة في ماله حتى لو كان قليلا ، لكنها ثقافة تسري هنا أو هناك ، وصدق الشيخ الإمام محمد عبده حين قال ذهبت إلى أوربا فرأيت إسلامًا بلا مسلمين ، وجئت إلى مصر فرأيت مسلمين بلا إسلام .

            ولا سبيل إلى النهضة والرقي إلا بالعمل الجاد ، وليس بمجرد العمل بل بإتقانه ، وهذا نبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول: ” إن الله (عز وجل) يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إذا قامت الساعة وفي يد أحكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ” ، وقد أمرنا الله ( عز وجل ) بالسعي والعمل ، فقال سبحانه وتعالى : “… فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ” (الملك : 15) .

       2-  تقديس قيمة الوقت :

          لقد أعلى الإسلام من شأن الوقت وقيمته فأقسم الحق سبحانه وتعالى به في أكثر من موضع في كتابه العزيز ، حيث يقول سبحانه : ” والعصر ” ، ” والفجر وليال عشر ” ، ” والضحى والليل إذا سجى ” ، ” والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها ” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” لا تزول قدم عبد حتى يُسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ” .

           ومع ذلك كله لا نقدر للوقت قدره ولا نعرف له قيمته ، ولا نلتزم بدقة المواعيد التي أُمرنا بالالتزام بها ، ونتسامح في الفسحة فيها بلا حدود ، بل إن بعضنا لا يكاد يكترث بالمواعيد التي يحددها ولو راجعته أو ناقشته لضاق بك ذرعًا .

           غير أن كل المعاني الراقية السامية التي أمرنا الإسلام أن نلتزم بها تراها واقعًا ملموسًا مطبقًا بمنتهى الدقة والحرفية لدى أكثر الغربيين ، وعندما أقول أكثرهم أقول ذلك على سبيل الاحتياط فحسب ، لكن كل من تعاملت معهم في رحلتي إلى باريس كانوا أكثر انضباطًا من عقارب الساعة كما يقولون ، كما أن تقديرهم للوقت الذي يحتاجونه لإنجاز أعمالهم صار مدروسًا ومحددًا بمنتهى الدقة والحرفية والمهنية التي تثير الدهشة والإعجاب لنا ، غير أن الذي يثير الدهشة لديهم هو ألا تكون كذلك ، فقد صار هذا الالتزام طبعًا فيهم .

      3-  احترام الآخر وثقافته وخصوصيته أيًّا كانت هذه الثقافة وتلك الخصوصية ، وتشعر أن هناك امتلاءً فكريًا وثقافيًا يحول بين الإنسان وبين الفضول أو التلصص على الآخرين أو محاولة اختراق خصوصياتهم أو الخوض في تفاصيل حياتهم أو حتى عموميتها ، وهذا هو منهجنا الإسلامي  الذي غفلنا عنه ، ألم يقل نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” وقديمًا قالوا من تدخل فيما لا يعنيه سمع ملا يرضيه .

 وللحديث بقية في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى

والله لا يحــب الفســــاد

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     يقول الحق سبحانه : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ” ، ويقول سبحانه وتعالى: ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ  “.

صور الفساد:

      لا شك أن للفساد صورًا عديدة بعضها أخلاقي ، وبعضها فكري ، وبعضها إداري ، وبعضها مالي ، والفساد هو الفساد أيّا كان لونه أو شكله ” وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ” ، والنفس السوية لا تقبله ، والأمم السوية تحاربه، وتعمل بأقصى طاقتها للقضاء عليها .

      فمن الفساد الأخلاقي الكذب ، والخداع ، والمراوغة ، والخيانة ، والغدر ، ونقض العهود ، والأيمان الكاذبة ، وانعدام المروءة ، وذهاب الحياء أو ضعفه أو خدشه ، وإلا فما هذا الذي يحدث من تلك الجرائم الغريبة على مجتمعنا الشاذة على ثقافتنا ؟ بما لا يمكن للمجتمع أن يتقبله من التحرش الجنسي ، والاعتداء على براءة بعض الأطفال ، وهذه وإن كانت حالات فردية إلا  أن تكرارها ينذر بالخطر ، ويحتاج إلى تكاتف جهود علماء الدين ، وعلماء النفس ، وعلماء الاجتماع ، وعلماء التربية ، وسائر مؤسسات المجتمع المعنية بالأخلاق والقيم واستقامة المجتمع على طريق الجادة .

      ويكفي هنا أن أشير إلى أن الإسلام قد جعل الحياء شعبة من الإيمان وجزءًا لا يتجزأ منه ، فقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” الحياء بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ” .

       ولم يُعلِ الإسلام – بعد عنايته بالعقيدة الصحيحة السليمة – من قدر شيئ مثلما أعلى من قدر وقيمة الأخلاق ، يلخص نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) الهدف الرئيس لرسالته ، فيقول (صلى الله عليه وسلم ) : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” ، وسئل ( صلى الله عليه وسلم ) : ما أكثر ما يدخل الجنة يا رسول الله ؟ فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ” حسن الخلق ” .

 

الفساد الإداري :

      ويتركز في المجاملات ، والولاءات ، بتقديم الولاء على الكفاءة ، على أن الدول لا تنهض ولا تتقدم إلا بتقديم الكفاءات وإعطائها حقها من العدالة ما دامت هذه الكفاءة تتسم بالوطنية وطهارة اليد ، وهو ما أكّده المنهج الإسلامي في كتاب ربنا وسنة نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان يوسف عليه السلام : ” قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ” ، ويقول لسان ابنة شعيب ( عليه السلام ) : ” قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” من ولي من أمر المسلمين شيئا ، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله ” .

الفساد المالي:

      وهو الفساد الذي ضرب بجذوره في المجتمع لعقود كثيرة ، ويحتاج استئصاله لتضافر جميع المؤسسات الرقابية ، والدينية ، والفكرية ، والتربوية ، والتعليمية ، مع ضرورة الرقابة الدائمة ، والمتابعة المستمرة ، مؤكدين أن المتابعة لا تعني الشك ، وأن الثقة مهما كان قدرها لا تعني عدم المتابعة أو المراقبة .

        و علينا أن نذّكر بحرمة المال العام والخاص دون أن نَكِلّ أو نَمِلّ ، وهو موضوع خطبة الجمعة الموحد اليوم 21 / 4 / 2014م ، فقد حذّر الإسلام من المال الحرام ، فقال سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ” كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ” .