مقالات

من وحي الهجرة

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

الهجرة النبوية تعد من أهم الأحداث في تاريخ الإسلام إن لم تكن الحدث الأهم فيه ، وهو ما حمل الصحابة على التأريخ بها لأمة الإسلام ، فقد كانت نقطة تحول هامة في هذا التاريخ العظيم ، وبداية البناء العملي لدولة الإسلام في المدينة المنورة ، ذلك البناء الذي قام على عدة أسس ، من أهمها :

1-  المؤاخاة وترسيخ فقه التعايش ومبدأ العيش المشترك بين البشر ، ذلك المبدأ الذي اتخذ من المدينة المنورة أفضل أنموذج في تاريخ البشرية ، سواء فيما بين المسلمين ، أم فيما بينهم وبين الطوائف الأخرى من سكان المدينة .

ففيما بين المسلمين رسخ الإسلام مبدأ الأخوة والمؤاخاة ووحدة الصف ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ” (آل عمران : 103) ، ويقول سبحانه : ” وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ” (الأنفال : 46) ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ” (رواه مسلم) .

وفيما بين المسلمين وبين غيرهم تعد وثيقة المدينة أعظم أنموذج لفقه التعايش في تاريخ البشرية ، فقد أكد نبينا (صلى الله عليه وسلم) : أن يهود بني عوف ، ويهود بني النجار، ويهود بني الحارث ، ويهود بني ساعدة ، ويهود بني جشم، ويهود بني الأوس ، ويهود بني ثعلبة، مع المؤمنين أمة ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه ، وأن النصر للمظلوم ،وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا  محاربين،  وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وأن من خرج منهم فهو آمن، ومن قعد  بالمدينة فهو آمن , إلا من ظلم أو أثم ، وأن الله (عز وجل) جار لمن بر واتقى , ومحمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .

فأي إنسانية , وأي حضارة , وأي رقي , وأي تعايش سلمى ، أو تقدير لمفاهيم الإنسانية , يمكن أن يرقى إلى ما كان من تسامح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإنصافه , ألا ترى إلى قوله (صلى الله عليه وسلم) : ” لليهود دينهم ” قبل أن يقول : ” للمسلمين دينهم ” ، ليكون في أعلى درجات الإنصاف والتسامح .

2-  المسجد ورسالته ، تلك الرسالة التي تقوم على أن المسجد للعبادة والذكر والتربية على مكارم الأخلاق ، بعيدًا عن كل ألوان الأثرة والنفعية والأنانية ، فالمسجد لما يجمع ولا يفرق ، وهو وسيلة بناء لا هدم ، فمن حاول توظيف المسجد لأغراض سياسية أو حزبية أو شخصية ، فقد خرج به عن مهمته الإيمانية إلى مصالح ضيقة ، وإذا كان أهل العلم على أن المسجد ليس للبيع أو الشراء أو إنشاد الضالة ، فإن ذلك يقتضي تنزيهه عن كل ما يخدم المصالح الخاصة أو الشخصية أو الحزبية أو الفئوية أو الطائفية .

أما استخدام المساجد من قبل أي فئة ضالة أو منحرفة أو مضللة للحشد والتظاهر ، أو القتل والتخريب ، وترويع الآمنين ، فهذا عين الفساد والإفساد ، ويعد خيانة شرعية ووطنية ، لأن الدين لا يسمح ، والوطن لا يقر ولا يحتمل ، ولا ينبغي أن نقابل الحسنة بالسيئة ، أو أن نرد جميل الوطن واحتضانه لنا بالجحود والنكران أو الهدم والتخريب ، ولله در شوقي ، حيث يقول :

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ                     يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

وأما المفهوم الأعظم للهجرة فهو كونها لله ورسوله ، كونها هجرة من الضلال إلى الهدى ، ومن الظلمات إلى النور ، ومن الظلم إلى العدل ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الخيانة إلى الأمانة ، ومن خلف العهد إلى الوفاء به ، ومن البطالة والكسل إلى العمل والإنتاج ، يقول الحق سبحانه : ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ” (الرعد : 11) ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ” (البخاري) .

وقد أصّلت الهجرة النبوية دروسًا عظيمة في ضرورة مراعاة فقه الواقع ، ومن ذلك ما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع صفوان بن أمية ، ذلك أن صفوان عندما أسلم قيل له : إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ ، فقال : لا أَصِلُ إِلَى بَيْتِي ، حَتَّى أَقْدُمَ الْمَدِينَةَ ، فلما بلغ المدينة نزل على العباس بن عبد المطلب ، فذهب به إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ” مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا وَهْبٍ ؟ قَالَ : قِيلَ إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إِلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ ، فَقَرُّوا عَلَى مِلَّتِكُمْ ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِنِ اسْتُنْفِرْتُمْ ، فَانْفِرُوا ” ( البخاري ) .

فمع أن الهجرة ارتبطت بمرحلة وحالة معينة من أحوال المسلمين وهي مرحلة الأذى والاستضعاف التي كان عليها المسلمون ، حيث يقول الحق سبحانه : ” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا .. ” (النساء : 97) ، فلما أعز الله الإسلام ومكن له بفتح مكة وزالت حالة الاستضعاف التي كانوا عليها تغير الحكم من الحث على الهجرة واعتبار ذلك مطلبًا شرعيًا إلى الحكم بانتهاء الهجرة الجسدية التي تعنى الانتقال من مكة إلى المدينة ، ومطالبتهم بالاستقرار في أماكنهم  ” ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة .. لا هجرة بعد فتح ” ، وفي ذلك رد واضح على من يريدون أن يفرضوا بلا فقه ولا فهم فتاوى ناسبت زمانها ومكانها وبيئتها وحالة أو أحوال معينة على جميع الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال ، وتلك طامة غير المتخصصين وغير المؤهلين الذين يريدون أن يقحموا أنفسهم فيما ليسوا له بأهل من شئون الدعوة والفتوى .

كما أن بالهجرة درسًا هامًا لا يمكن تجاهله أو تجاوزه ، هو تكامل الأدوار في رحلة الهجرة بين أبناء المجتمع جميعًا من الرجال والنساء والشباب ، ففي الوقت الذي صحب فيه أبو بكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وواساه بنفسه وماله ، حتى قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ” إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ” (صحيح البخاري) ، نام ذلك الشاب الذي نشأ في بيت النبوة علي بن أبي طالب في مكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في أنموذج فريد من نماذج التضحية والفداء ، كما أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد عهد إليه برد الأمانات التي كانت عنده ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أصحابها ، إلى جانب هذا وذلك كانت أسماء بنت أبي بكر المعروفة بذات النطاقين تشق طريقها إلى غار ثور بالطعام إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وصاحبه ، وقد ضمت بيعة العقبة الثانية اثنين وسبعين رجلا شبابًا وشيوخًا وامرأتين ، مما يؤكد على أن التعاون والتكامل والتنسيق وصدق النية وإخلاصها وتغليب العام على الخاص من أهم أسباب النجاح ، فالعلاقة بين الرجل والمرأة ، وبين الشباب والشيوخ ينبغي أن تكون علاقة تكامل وتكافل وتراحم ، لا علاقة نزاع ولا شقاق ، فللرجل حقوقه وعليه واجباته ، وللمرأة مثل ذلك ، كما أننا في حاجة إلى خبرة الشيوخ وحماس الشباب معًا ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ” ( الترمذي) .

الوجــه الآخــر للتطــرف

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

    في ظل ما يحدث من جماعة الإخوان الإرهابية في الداخل ، وما يحدث من ربيبتها داعش في الخارج من أعمال يندى لها جبين الإنسانية ، فضلا عن الأديان والأخلاق والقيم الحضارية ، فقد طالعتنا بعض الصحف الرسمية ببعض ما ارتكبته داعش في كوباني وغيرها من فظائع قطع الرءوس ، رءوس الأطفال والكبار بلا رحمة ولا شفقة ولا إنسانية ، فضلا عن التنكيل والتمثيل بالجثث والرءوس ، لبث الرعب في قلوب الناس ، وحملهم على التسليم بلا مقاومة .

    وفي ظل مواجهتنا الدءوب المستمرة لكل هذا التطرف والتشدد والغلو الذي ربما لم تشهد البشرية في تاريخها مثله يخرج إلينا هدامون آخرون ، يغذون من حيث يشعرون أو لا يشعرون ، ومن حيث يقصدون أو لا يقصدون ، تلك النزعات الإرهابية ، وما يؤدي إليها أو يكسبها لونًا من التعاطف ، هؤلاء هم الذي يذهبون إلى الطرف الآخر من المعادلة ، أو الطرف الآخر من التطرف ، وهو التسيب ، والانحلال ، والخلاعة ، والمجون ، والشذوذ الفكري أو الأخلاقي الصادم الذي لا يمكن أن تتقبله قيمنا ، ولا أخلاقنا ، ولا حضارتنا ، ولا تربيتنا ، ولا ديننا ، فكل متدين غيور على دينه ووطنه معًا لا يمكن أن يقبل بالتطاول على الثوابت ، أو الدعوة إلى الإباحية أو العري أو التحلل ، تحت مسميات خداعة قد يكون ظاهرها موهمًا بالرحمة ، لكن باطنها من قبله العذاب .

     وإذا كان علماء النفس يقولون : إن لكل فعل رد فعل مساوٍ  له في النسبة ومعاكس له في الاتجاه ، فإننا نؤكد أن التطرف يولد تطرفًا مضادًا ، وأن الحياة الإنسانية قائمة على سنن عديدة ، منها : التنوع ، والتدافع ، يقول الحق سبحانه في تقرير سنة التنوع : ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ” ، ويقول سبحانه في تقرير سنة التدافع : ” وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ” ، فحمل الناس عنوة على دين واحد ، أو مذهب واحد ، أو مسلك سياسي أو اجتماعي أو فكري أو أيدلوجي واحد ، أمر غير وارد ، ولا يمكن تحقيقه لأنه عكس السنن الكونية ، وعكس طبيعة البشر ونواميس الكون والحياة ، ولم يستطع أي نظام في تاريخ البشرية أن يحققه.

      وإذا كان قبول الآخر أصلا من أصول ديننا ، فإنك حر ما لم تضر ، وحدود حريتك ينبغي ألا تتجاوز حرية الآخرين أو تعتدي عليها ، فضلا أن تحاول نسفها أو تسفيهها .

      وقد أكدنا مرارًا أننا لن نستطيع أن نقضي على التشدد من جذوره حتى نقتلع التسيب من جذوره ، فالإمعان في التسيب والانحلال يُعد أكبر وقود للتطرف والغلو ، يقولون لكل شيئ طرفان ووسط ، فإن أنت أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر ، وإن أنت أمسكت بالوسط استقام لك الطرفان ، يقول الإمام الأوزاعي : ما أمر الله (عز وجل) في الإسلام بأمر إلا حاول الشيطان أن يأتيك من إحدى جهتين لا يبالي أيهما أصاب : الإفراط أو التفريط ، الغلو أو التقصير ، فمواجهة التطرف لا يمكن أن تتم أو تفلح أو تؤتي ثمارها بمحاربة التدين على الإطلاق ، فأفضل وسيلة لمحاصرة التطرف والقضاء عليه هي نشر سماحة الإسلام ، وبيان عظمة حضارته ، وسعة أفقه وقبوله للتنوع والاختلاف ، فإذا عرضت الإسلام بيسره وسماحته عرضًا صحيحًا على أي عاقل ، ثم عُرض عليه التشدد والغلو لا يمكن إلا أن يميل بفطرته التي فطر الله الناس عليها إلى جانب السماحة والتيسير ، الذي هو أصل في شريعتنا السمحاء .

      كما ينبغي أن نبتعد عن الفهم الخاطئ الذي ساد في فترات معينة من أن تجفيف منابع التطرف يقتضي تجفيف منابع التدين ، فإن هذا الفهم الخاطئ يزيد من حدة التطرف والتشدد والغلو ، وينميه ويغذيه ويجعل أرضه خصبة .

      وعلى أرض الواقع لا يستطيع أحد مواجهة التطرف والمتطرفين والقضاء على الإرهاب أو مواجهته فكريًا إلا إذا كان متدينًا تدينًا حقيقيًا ، فاهمًا لدينه فهمًا صحيحًا ، حتى لا يترك لهؤلاء المتطرفين أي مطعن يستغلونه في تهييج العامة والتأثير على عقولهم ، فأفضل الطرق لمواجهة التطرف هي الفكر الوسطي السمح ، والتمسك بصحيح الدين ، ومقاومة الفكر بالفكر والحجة بالحجة .

     كما نؤكد أن المساس بثوابت العقيدة والتجرؤ عليها وإنكار ما استقر منها في وجدان الأمة لا يخدم سوى قوى التطرف والإرهاب ، لأن الجماعات المتطرفة تستغل مثل هذه السقطات لترويج شائعات التفريط في الثوابت مما ينبغي التنبه له والحذر منه .

      ونؤكد أن الدين ليس كلأ مباحا يترك نهبًا لغير المؤهلين ، إنما يجب الرجوع  في قضاياه العقدية والفقهية إلى علمائه المتخصصين ، مع البعد عن إثارة القضايا المثيرة للجدل والمستفزة لمشاعر الخاصة والعامة ، فنحن أحوج ما نكون إلى جمع كلمتنا لدعم قضايا العمل والإنتاج وترسيخ مكارم الأخلاق .

صعاليك العرب والعجم في ثوب جديد

Mokhtar9

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     ظاهرة الصعلكة التي تعادل البلطجة والفتونة والعربدة سواء أكانت فردية أم جماعية أم دولية لم تنشأ يومًا في الهواء الطلق دون أسباب أو مقدمات ، ففي القديم والحديث كتب كثير من الكتاب والمؤرخين والأدباء عن هذه الظواهر ، سواء أكانت كتابة مؤرخة أم راصدة أم محللة أم معالجة ، ويكفي أن نطالع بعض أعمال الأستاذ نجيب محفوظ الروائية لنقف على رصد وتحليل واف لكثير من مظاهر البلطجة والفتونة والعربدة في العصر الحديث .

     وعندما يتحدث المؤرخون والكتاب عن ظاهرة الصعلكة في العصر الجاهلي فإنهم يقسمون الصعاليك في الغالب إلى ثلاثة أقسام    :

أ – الناقمون على النظام الاجتماعي الطبقي : من أمثال عروة بن الورد ورفاقه الذين كانوا يهدفون من وراء صعلكتهم إلى السطو على أموال الأثرياء البخلاء ليعطوا الفقراء المحرومين.

      وفي هذا الصنف يبرز أثر الحرمان والتهميش ، فللجوع عضة ومرارة لا تنسى ، والفقر داء قتال تنسحب أوجاعه على حياة المرء كلها ، وكان الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري يقول : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : لو كان الفقر رجلا لقتلته ، ويقول أيضًا كاد الفقر أن يكون كفرًا، وأنا أعكس المقولة فأقول كاد الكفر أن يكون فقرًا ، وقد استعاذ نبينا (صلى الله عليه وسلم) من الفقر ومن الدين ومن كل ما يحمل الإنسان ذلا وضعفًا وهوانًا .

       وعلاج ذلك لا يتحقق إلا بالسعي في اتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية وإصلاح حال البشر ، وهذا حافظ إبراهيم يطالب بالقضاء على الفقر كأحد أهم عوامل الإصلاح فيقول  :

أيها المصلحون أصلحتم الأرض                      وبتــم عـن النفــوس نيامـــا

أصلحوا أنفسا أضر بهـا الفقـــر                      وأحيـــــا بموتهــــــا الآثامــا

ب -الفريق الثاني من الصعاليك هم المطاريد وأصحاب السوابق والجنايات ممن كثر أذاهم وشرهم ، بحيث لم تستطع قبائلهم أن تتحمل جرمهم وجناياتهم ، فلفظتهم وخلعتهم ، فاحترفوا الصعلكة وقطع الطرق ، وهذه قضية تحتاج إلى إمعان النظر في مناهج التنشئة ، ووسائل التربية والتعليم ، والمنظومة الثقافية بكل أبعادها الأدبية والفنية والإعلامية .

الفريق الثالث : من كانوا يشعرون بعقدة النقص ، أو كان المجتمع يرميهم أو يشعرهم بها ، كأبناء الحبشيات المعروفين بأغربة العرب ، أوالمغموزين في نسبهم ، أو من كانوا يشعرون بخسة فيه ، أو من لحقتهم ذلة أو معرة جعلتهم ينفرون من المجتمع إلى مجتمع آخر .

      ولو أننا طبقنا الإسلام تطبيقًا صحيحًا لاقتلعنا هذا السبب من جذوره ، فقد سوي الإسلام بين الناس جميعًا ، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بلا عمل لهم أولى بمحمد (صلى الله عليه وسلم) منا يوم القيامة ، وكان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول : ” إِنَّ اللَّه لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ و لا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ ” (متفق عليه) ، أما بلطجة العجم وبلطجة الدول فيمثلها في القديم جحافل التتار وفي الحديث جحافل عديدة .

       غير أن السؤال الذي يثير الدهشة والاستغراب هو : من جمع صعاليك العجم إلى صعاليك العرب ؟ وما الذي ألف بينهم ؟ وما الأهداف المشتركة التي يمكن أن تجعل من هذه الأخلاط والأمشاج نسيجًا واحدًا متجانسًا ولو في الظاهر ؟

       ومن الأسئلة التي تطرح نفسها علي السياسيين والمحللين معًا : من المستفيدون من وراء هذه الظاهرة ؟ ومن يشتري نفط داعش المسروق أو المغتصب ؟ ومن يمولها ؟ ومن يمدها بالسلاح والعتاد ؟ وهل هناك جدية حقيقية في مقاومة هذه الصعلكة الحديثة ؟

        لا شك أن زمن الإجابة عن هذه الأسئلة سيكون لصالح تلك الجماعات الإرهابية المتطرفة ، وصالح من يدعمها ويقف وراءها ، وإذا كان أجدادنا يقولون : ليست النائحة كالثكلى ، وشاعرنا يقول :

     ما حك جلدك مثل ظفرك                 فتول أنت جميع أمرك

        وبما أن الأمر لا يحتمل كثيرًا من الدراسات والبحوث ولا الوقت ، لأن الوقت يقطع من لم يقطعه ، فإن دول المنطقة قبل غيرها ينبغي أن تأخذ زمام المبادرة اليوم قبل الغد ، لأن الأمن القومي العربي في خطر .

        وإني لأؤمل في التعاون الجاد المشترك بين جميع دول المنطقة وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية في ظل القيادة الحكيمة للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وبسالة قواتنا المسلحة والتفاف الشعب حول قيادته ، والمملكة العربية السعودية في ظل قائد عربي حكيم هو خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود ، ودولة الإمارات العربية المتحدة في ظل قيادة رشيدة ورثت الحكمة والولاء لأمتها العربية عن حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله .

       كما أننا نؤمل أيضًا في دول عربية شقيقة أخرى أن يكون إسهامها في ذلك جادًا ومباشرًا على قدر التحديات التي تواجه الجميع ، حتى نخلص المنطقة كلها والعالم أجمع من شر تلك الجماعات الإرهابية الغاشمة .

مــن وحــي الـرحـلــــة

Mokhtar_Gomaa_7

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     لا شك أن أعظم رحلة في الكون يمر بها المسلم في حياته إنما هي رحلة الحج ، ففيها من الفضائل والمنافع ما ذكره الله عز وجل في قوله تعالى : ” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ*  لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ..  ”  (الحج : 27 – 28) .

     وفي جوار بيت الله ، واستحضارًا للوقوف أمام روضة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، أخذت أتامل ما صار إليه حال هذه الكثرة الكاثرة التي أربت على مليار ونصف المليار مسلم، واستحضرت صورة المسلمين في العالم ، وقفت أناجي ربي ، وأخاطب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهذه القصيدة التي بدأت كتابتها قبل السفر وأنهيتها صباح الأربعاء الموافق 7 من ذي الحجة 1435هـ ، وفيها أقول :

قم يا رسول الله قم فارع الزماما

قم يا رسول الله صرنـا كاليتـامـــى

قم يا رسول الله حُــــرّف ديننــــا

دين السماحة والمروءة والنشامى

قم يا رسول الله جئنـــا تـضـرعًــا

لله رب البيـت أن يرعـــى الزمامـــا

*   *   *

جئنا رسول الله نشكـــو حالنـــــا

حال التشدد والتسيــب والجهـالــهْ

حال المصالح والمطامـــــع والتفــ

ــرق والتشتت والتطــرف والخيانــهْ

قم يا رسول الله أدرك أمــــــــــة

يسعى لهدم بنائها أهــل الضـلالـــهْ

*   *   *

جئنا وهذا العام غير الذي مضى

مخاطـرُ أخـــرى للعــــدا لا تنفــــــدِ

لكن خير الجند في مصـــر التــي

شرفــت بتزكيـــة الحبيــب محمـــدِ

قد وطنوا عند الشدائـــد أنفسنــــا

وقفاتهــــا عنــد النوائـــب تحمــــــدِ

*   *   *

يا أمــــة المختــــــار هـــي هبــــــة

تجلـو الصـدى وتصحـح الأوضاعــا

أوضاع من باعوا ببخــس دينهـــــم

طلبــــوا بــه الأمــــوال والإمتـاعـــا

يجرون خلف الشرق والغـــرب لهثًا

خدموا الأعادي والحيـا قد ضاعـــا

*   *   *

كنا على الأيام أهــــل حضـــــارة

تهدي إلى الأخـــلاق والإحســــان

ماذا أصاب القوم بعــدك أحمـــــد

من سـوء أخــــلاق ومـــن نكــــران

نحتــاج هبــــة ثـــــــورة فكريــــة

لنقـــوم المعـــــوج فــي البنيـــــان

*   *   *

تبًا لأيـدي العابثيــــن بديننـــــــا

ممــن أرادوا الشــــر فــي أوطاننــــا

تبًا لهم خرقوا السفين بجهلهم

فلنصلحـــن ما أفســــدوا بدمائنـــــا

إن السماحة أصلها فــي ديننــا

والعــــدل والإحســــان في قرآننـــــا

*   *   *

أقسمت بالبيت الذي طفت حوله

وطاف رجال أهل صدق وحكمــة

لا نسلم الإســــلام في أوطاننــا

أبـدًا لأهــل تشــــدد وتعنـــــــت

سنقاوم الفهم السقيم بحكمـة

ودرايــــة وروايـــــة وبفطنــــــــة

       وإنني لأدعو كل مسلم غيور على دينه  أن يراجع نفسه ، وأن يصحح نيته ، وأن يقدم مصلحة الإسلام على أي مصالح أخرى تضر بصورة هذا الدين أو تشوهه ، وأؤكد أن على كل حاج خلع ملابسه الدنيوية وتجرد لله عز وجل  أن يؤثر مصلحة دين الله على كل المصالح والمطامع الحزبية أو المذهبية أو الشخصية .

       ومن جوار بيت الله الحرام أدعو الله عز وجل أن يحفظ مصر وأهلها من كل سوء ومكروه ، وأن يجعلها أمنًا أمانًا سخاء رخاء وسائر بلاد العالمين ، وأن يوفق قيادتها الحكيمة للعبور بها إلى بر الأمان ، وأن يوفق أزهرنا الشريف لاستعادة دوره التاريخي في حمل لواء السماحة والوسطية .