مقالات

للــــه وللتــاريــــخ

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

      قد يجد الإنسان نفسه مدفوعا إلى الكتابة في موضوع ما كشفا للحقيقة ، أو بيانا لفضل مستحق ، أو ردا على هجمات ظالمة تصريحا أو تلميحا ممن يجهلون معرفة الشخص ولا يعرفون طبيعته ولا قدر ما يقدمه لوطنه ، حتى لو كان ذلك على غير رغبة من المكتوب في حقه أو المشهود له .

       أذكر بعض المواقف الوطنية الرائدة ، واللمسات الإنسانية الراقية ، غير مجامل ولا مبالغ ، إنما هو بيان لله وللتاريخ ، إنه رئيس مجلس حكماء المسلمين ، وهو جدير بذلك ، ورئيس مجلس أمناء بيت الزكاة ، وهو أهل لذلك ، حيث يسعى الرجل إلى تقديم كل ما من شأنه مرضاة ربه ، والإسهام في حل مشكلات وطنه ، فما سمح الرجل عبر تاريخه باستخدام اسمه لتحقيق مصالح أو مكاسب شخصية ، غير أنه قال : إنه على استعداد لأن يفعل أي شيئ وكل شيئ لصالح الفقراء طالما أنه منضبط بمرضاة الله وتحقيق مصلحة الوطن .

       لم يقصر الرجل يوما تجاه قضايا وطنه ، بل أراه دائما مهموما بها ، وقد تبنى بنفسه توجيه سائر المؤسسات الدينية للتصدي لإرهاب الإرهابيين والمتاجرين بالدين ، وبخاصة تجاه تلك الدعوة الأخيرة الآثمة المجرمة إلى حمل المصاحف يوم الجمعة 28 / 11 / 2014م ، وعقد سلسلة من الاجتماعات مع رؤساء المناطق الأزهرية ومديري الوعظ على مستوى الجمهورية ، وكان رأيه حاسما حيث أكد أن الدعوة إلى رفع المصاحف هي فعلة الخوارج الشنعاء ، حيث خرجوا على الإمام عليّ (رضي الله عنه) ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، في محاولة لشق صفه وصف أصحابه ، ثم كفّروه ، ثم حملوا السيوف فسفكوا الدماء ونهبوا الأموال ، وها هو التاريخ يعيد نفسه على يد خوارج العصر الجدد ، الذين يتاجرون بكتاب الله لخداع العامة ، وكتاب الله من أفعالهم ودعوتهم الخبيثة الآثمة براء ، فالمشاركة فيها أو الدعوة إليها إفك كبير إثمه على من دعا إليه أو سوّقه أو يشارك فيه .

      إنه فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ، الذي يعد صمام الأمان للأزهر الشريف ووسطيته في هذه المرحلة الفارقة في تاريخ الوطن والأمة العربية والعالم الإسلامي كله ، دون إفراط أو تفريط ، أو غلو أو تقصير ، ففي الوقت الذي يقف فيه الأزهر الشريف بقيادته الحكيمة شامخا قويا في مواجهة الإرهاب والتطرف والغلو ، ويعلم الله أني لا ألقى من فضيلته في ذلك إلا كل الدعم والتأييد في المواجهة التي تخوضها وزارة الأوقاف في الحفاظ على مساجدها ومنابرها من أيدي الدخلاء وغير المتخصصين وتجّار الدين ممن يحاولون استخدام الدين والمساجد والمنابر لتحقيق مصالحهم الحزبية والانتخابية وأغراض جمعياتهم أو جماعاتهم في تحقيق أغراضها الخاصة حتى لو كان على حساب المصلحة الوطنية ، لقد رأيته في كل ذلك موجها حكيما ، وأبا رحيما ، وأستاذا واعيا بحجم الأخطار والتحديات .

       وفي الوقت نفسه وبنفس القوة والحسم في مواجهة الإرهاب تأخذه الغيرة لدينه ومسئوليته كشيخ للأزهر الشريف إلى التصدي للمتطاولين على الثوابت ، فيوجه هنا ويستحث هناك ، ويراجع ما نصنعه أولا بأول بنفسه ، وأذكر أنموذجا واحدا لذلك هو خطبة اليوم التي كتبت تحت عنوان : ” الدعوات الهدّامة .. كشف حقيقتها وسبل مواجهتها ” ، حيث ناقشنا مع فضيلته عناصرها الرئيسية قبل كتابتها ، وشكلنا فريق عمل ظل يعمل لمدة يومين في ضوء توجيهاته ، ثم أنني لإدراكي مدى اهتمام فضيلته بالأمر – وعلى الرغم مما أعلمه من شواغله – تجرأت على الاتصال به قبل الواحدة صباحا ولمدة تقترب من خمس عشرة دقيقة ، لأقرأ عليه الخطبة قبل عرضها على موقع الوزارة ونشرها وتوزيعها ، لأن كل كلمة فيها كانت تحتاج إلى مراجعته وإلى خبرته وإلى إقراره ، فعندما قال : على بركة الله ، انتقلنا إلى عرض خطة التنفيذ ، حيث حرص فضيلته على الجدية في الوصول بهذه الخطبة إلى كل أبناء مصر ، والانتشار بمضمونها في المعاهد الأزهرية ومراكز الشباب والتجمعات العمالية ، لنكشف الخونة والعملاء ، لأن من يدعو إلى رفع المصاحف لا يخرج عن كونه إما جاهلا مخدوعا مغررا به ، وإما خائنا عميلا مأجورا ، فإذا قام الأزهر الشريف بدوره في بيان وجه الحق ، وكشف مخالفة هذه الدعوة الآثمة لصحيح الإسلام ، لم يبق مصرّا على الخروج سوى الخونة والعملاء والمأجورين ، وهم الذين ينبغي كشف حقيقتهم في الدنيا قبل أن يفضحهم الله على رءوس الأشهاد في الآخرة .

        وختاما أؤكد أننا في الأزهر الشريف بكل مؤسساته وعلمائه ورجاله نقف صفا وطنيا واحدا في مواجهة كل ألوان الإرهاب والتشدد والغلو ، ونقف بقوة خلف قيادتنا السياسية ، وخلف قواتنا المسلحة الباسلة التي تذود عن وطنها ودينها وشرف أمتها ، وخلف رجال الشرطة الذين يسهرون على أمن الوطن والمواطن ، وخلف كل المؤسسات الوطنية ، وخلف كل وطني مخلص ، نُسخّر كل طاقتنا في خدمة ديننا وخدمة وطننا .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب عن:
الإرهاب وأصحاب العقد النفسية
كيف يجندون الإرهابيين

Mokhtar

        إذا كان لكل تنظيم منظّروه ومستخدموه ، ومن يمولونه ، ومن يخططون له ، ويعملون على دعمه أو انتشاره ، فإن الحركات والجماعات والمنظمات الإرهابية تلقى جانبا كبيراً من الرعاية والدراسات الاجتماعية والنفسية والإعلامية ،  من القوى الدولية المستفيدة من توظيفها لخدمة مصالحها ، أو ضرب أمن واستقرار الدول التي تريد أن تسيطر على مقدراتها ، أو أن تخضعها لجبروتها .

            وفي محاولة لرصد ظاهرة غسيل المخ التي يقوم بها الإرهابيون لضحاياهم ، وفي طرائق تجنيدهم لإرهابيين جدد ، وفي العمل على ضرب شبكة محكمة حولهم ، بما يجعل من الصعوبة بمكان على أي منهم الخروج أو الإفلات من براثنها .

           فمن عوامل الاصطياد : التركيز على المهمشين اجتماعيًا والمحطمين نفسيًا ، فيأتون إلى شاب ينظر زملاؤه إليه نظرة انتقاص واحتقار ، لوضاعة في نسبه ، أو طعن في أسرته ، أو تاريخ أسود لها ، فيجعلوا منه مسئولاً أو منسقًا أو زعيمًا أو أميرًا أو قائدًا لمجموعة مسلحة ، فيحدثون لديه امتلاًء نفسيًا وسدًا لعقدة النقص التي لديه ، وقد يكون هذا الاصطياد إثر تعرضه أو تعرض أحد والديه أو أقاربه لمعرّة أو مذّلَة أو مهانة .

          ويمكن أن نتجنب هذا وأن نجنب شبابنا إياه لو أننا طبقنا منهج الإسلام باحترام إنسانية الإنسان وآدميته،  حيث يقول الحق سبحانه وتعالى:  ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ” ، ويقول سبحانه ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ” ،  ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ” إن الله عزّ وجلّ لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ” (متفق عليه)  ، ويقول (عليه الصلاة والسلام ) في خطبته الجامعة في حجة الوداع : ” أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، لا فضل لأعجمي على عربي إلا بالتقوى” ( مسلم )  ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب  يقول : أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا ، يعني بلالا ( رضي الله عنه)  ، وكان يقول : والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بدون عمل لهم أولى بمحمد (صلى الله عليه وسلم ) منا يوم القيامة .

ويقول الإمام علي بن ابي طالب  ( رضي الله عنه ) :

النــاس من جهــة الآباء أكفــــاء             أبـــوهم آدم والأم حــــــواء

فإن يكن لهم من أصلهم شـرف             يفاخرون به فالطين والمـاء

            إذا طبقنا ذلك وحنونا على هؤلاء ، ولم نأخذ أحدًا بجريرة غيره أو بجرم ارتكبه سواه ، وساد بيننا التراحم واحترام آدمية الإنسان وإنسانيته ، لأغلقنا بابًا كبيرًا يمكن أن ينفذ منه الإرهابيون إلى ضحاياهم .

           هناك فئة أخرى يسهل اصطيادها من قِبَل الإرهابيين هي فئة المحرومين والمهمشين وخاصة الجهلة والفاشلين وغير المتعلمين منهم ، يَنفْذون إليهم في لحظات حرمانهم أو يأسهم أو إحباطهم ، ونتيجة للتحويلات الضخمة التي تتلقاها المنظمات الإرهابية فإنها تغدق على هؤلاء بما يشبع حرمانهم ، ويجعلهم يلهثون خلف هؤلاء المخادعين الذي ينفذون إليهم من باب أنهم رسل العدالة وحملة الدين الذين يسعون إلى إحقاق الحق والعدل وتطبيق شرع الله الذي يكفل لهؤلاء المطحونين حقوقهم ، في كلمات حق يريدون بها باطل ، فقد قال نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” سيخرج عليكم في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية ، يقرأون القرآن لايجاوز حناجرهم  ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ” (صحيح البخارى ).

              وسد هذا الباب يكون بأمرين ، أحدهما : إعطاء أولوية قصوى في التنمية للمناطق الشعبية والعشوائية والطبقات الكادحة والمهمشة والمحرومة والقرى والنجوع والكفور والعزب والأحياء الأكثر فقرًا والأشد احتياجا ، والآخر : هو استنهاض همم الجمعيات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وأهل الفضل من أبناء المجتمع للوفاء بحق هؤلاء من زكاتهم و صدقاتهم ، مؤكدين أن كفاية هؤلاء المحتاجين بإطعام كل جائع منهم ، وكساء كل عار ، ومداواة كل مريض ، وتفريج كروبهم ، من فروض الكفايات التي يجب أن نتضامن ونتعاون جميعا في قضائها ، مرضاة لله (عزّ وجلّ) أولاً ، وحفظًا على أمننا القومي والوطني ثانيا ، مؤكدين أيضا أن ما عندنا ينفذ وما عند الله باق ، يقول الحق سبحانه وتعالى: “هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” ما من يوم إلا وينادي ملكان  يقول أحدهما : اللهم أعط منفقًا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا” .

         فنحن في سفينة واحدة إما أن تنجو بنا جميعا أو تغرق بنا جميعا ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا” (رواه البخاري)

           ثم إن الإرهابيين إذا ما أمسكو صيدًا أحاطوه بشباكهم التي يصعب عليه الإفلات منها إما خوفًا أو طمعًا ، رهبًا أو رغبا ، خوفا على حياته وحياة أبنائه إن كان له أبناء ، وعلى تعرض أسرته أوأمه أو أخته أو ابنته لما لا يحب إن فكر مجرد تفكير في الرجوع إلى صوابه ، حيث تعمد كثير من التنظيمات الإرهابية إلى تصفية من يفكر في الخروج عليها ، خشية افتضاح أمرها أو كشف مخططاتها .

        ومن ثمة ينبغي عدم ترك من يتأكد للمجتمع بما لا يدع مجالا للشك رجوعه عن زيغه وضلاله ورده إلى صوابه حتى لا يقع فريسة لهؤلاء المجرمين مرة أخرى ، على أن يظل تحت رقابة مجتمعية صارمة بما يحول بينه وبين الاتصال بهذه التنظيمات المارقة ومنع التفاف عناصرها حوله أو الاتصال به من جديد .

         كما أن المنظمات الإرهابية بما تملك من تمويل هائل فإنها توفر لأعضائها وخاصة القياديين منهم إما أموالاً طائلة وإما مشروعات يديرونها ، ويوظفونها لأنفسهم ولدعم الإرهابيين وأسرهم ، بحيث يجرد من يخرج على جماعته من كل المكاسب المادية التي توفرها هذه الجماعات لأعضائها والمنتسبين إليها .

         ونؤكد أنه يجب تتبع هذا المال الأسود القذر الخبيث ومصادرته ، وسن القوانين التي تحول دون وصوله إلى أيدي الإرهابيين أو استخدامه في تمويل العمليات الإرهابية ، مع ضرورة مراقبة حركة التحويلات المالية من الخارج مراقبة دقيقة ، وسرعة حصر أموال هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية ، واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها قانونًا ، بما يحول دون توظيفها للهدم والتخريب ، والاعتداء على الجيش والشرطة ، وتهديد أمننا القومي وسلامنا الاجتماعي ، على ألا يقف دورنا عند مواجهة الظواهر السلبية ، إنما علينا أن نتحول إلى عمل إيجابي بنَّاء ، مؤكدين أن أهل الباطل لا يعملون إلاَّ في غياب أهل الحق ، فإذا فرطَّ أصحاب الحق في حقهم تمسك أصحابَ الباطلِ بباطلهم ، يقول الشاعر :

أنا لا ألوم المستبـــد                    إذا تجاوز أو تعــــــــدى

فسبيله أن يستبــــد                     وشأننــا أن نستعـــدا

وزير الأوقاف أ.د/محمد مختار جمعة يكتب عن :
المــال القــذر

Mokhtar9

      لقد اخترت أن يكون العنوان صادمًا ليشكل معادلا موضوعيًا ولغويًا للواقع الصادم ، فمما لا شك فيه أن المال قد يكون نعمة وقد يكون نقمة ، فإنما يكون نعمة على من اكتسبه من حلال وأنفقه فيما يجب أن ينفق فيه ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ” (أخرجه الترمذي) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم ) ” نِعْمَ الْمالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ ” (رواه أحمد) ، غير أن المال الحرام يكون نقمة ووبالا على صاحبه ومكتسبه في الدنيا والآخرة ،يقول النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ” كُلُّ جِسْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ ” (أخرجه الترمذي) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : “إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ” (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) ، ويقول الحق سبحانه في كتابه العزيز : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا / وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا” (البقرة :195) ، ويقول الشاعر :

جمع الحرام إلى الحلال ليكثره              دخل الحرام على الحلال فبعثره

      غير أن هذا المال الحرام له صور متعددة من أكثرها سوءًا وخطورة ما نسميه المال القاتل والمال القذر ، هذا المال الذي يستخدم سواء من قبل بعض الأفراد أو الجماعات أو الدول في تمويل العمليات والجماعات الإرهابية ، فبه تسفك دماء الآدميين وتغتال أحلامهم ، وبه تدمر المنشآت والممتلكات وتخرب ، به تحرق الجامعات ، وبه تقطع الطرق ، وبه تشترى النفوس العميلة والخائنة والضعيفة ، وبه تجلب المخدرات، وبه تدمر العقول ، وبه تشترى أصوات الضعفاء في الانتخابات ، وبه تباع الذمم ، وبه يزوّر التاريخ، وبه تزيف الحقائق ، وبه يقدم الخامل ، وبه يؤخر المقدم ويقدم المؤخر .

       لقد لعب سلاح المال عبر التاريخ أدوارًا إيجابية في بناء الدول وحفظ أمنها واستقرارها لدى المجتمعات الرشيدة العاقلة الواعية ذات الحضارة الراقية ، ولا شك أننا يجب أن نكون كذلك ،لأننا نملك إرثًا حضاريًا راقيًا ، فنحن أبناء حضارتين عظيمتين ، يمكن أن يصنعا معًا حضارة حديثة ذات طابع خاص بنا ، فنحن أبناء الحضارة الإسلامية برقيها وأخلاقها ويسرها وسماحتها ، وتحريمها لكل ألوان الغش والخداع والتدليس والتزييف ، وأبناء حضارة مصرية عريقة عظمت شأن القيم ، وعرفت بالإباء والترفع عن الدنايا ، وبالروح السمحة السهلة التي تلتقي في هذا الجانب بوضوح مع معطيات الحضارة الإسلامية ، ونؤكد أن ما أصاب وجه هذه الحضارة من رتوش أو خدوش فإنه إلى زوال ، لأن طبيعة هذا التكوين الحضاري تلفظه وتنفيه .

        على الجانب الآخر لعب سلاح المال وظل يلعب وسيظل يلعب دورا مؤثرا في شراء أصحاب النفوس الضعيفة ممن لا دين لهم ولا خلق ، ونؤكد أن هؤلاء المارقين الذين يبيعون ذممهم وأنفسهم للشيطان بحفنة من هذا المال القذر شديد القذارة يمكن أن يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، يمكن أن يعيثوا في الأرض تخريبًا وفسادًا   ” وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ” ( البقرة : 205)   ، يمكن يكذبوا ، وأن يشهروا بالبريء ، وأن يشهدوا زورًا ، وأن يهدموا البنيان الشامخ ، بلا وازع أو ناه من دين أو ضمير إنساني حي  .

        إن هؤلاء لم ينسلخوا من قواهم الإيمانية فحسب ، هذا إن كان قد بقي له شيء من الإيمان أصلا ، بل إنهم قد انسلخوا من قيمهم ، من مجتمعهم ، من وطنيتهم ، من إنسانيتهم ، من آدميتهم ، والعجب العجاب أن يدعي بعضهم أنهم أهل الحق ، أو أنهم هم العالم الحر ، أو أنهم أنصار الحرية والحق والعدل وما سواهم يجب أن يكون العالم المستعبد .

        على أنني أسوي في وصف المال القذر بين معطيه الذي يوجهه للفساد والإفساد ، والقتل والتدمير وسفك الدماء ، وشراء الذمم ، وقلب الحقائق ، وبين من يأخذه تحت أي مسمى كان ، حتى لو كان مسمى الحاجة ، فقد قالت العرب قديمًا : ” تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها  ” ، ويقول عنترة العبسي :

لا تسقني ماء الحياة بذلة                   بل فاسقني  بالعز كأس الحنظل

         فما بالكم لو مزج هذا المال بالدم ، وبالسم الزعاف ، الذي يدمر الإنسان والأوطان ، ويهلك الحرث والنسل ، وينسف القيم والأخلاق والإنسانية  ؟ !

يا أهل مصر
لا تنخدعوا مرتين

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

      يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ” (صحيح مسلم) ، ويقولون : المؤمن كيّس فطن ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول : لست بالخِب ولكن الخِب لا يخدعني ، وكان المغيرة بن شعبة (رضي الله عنه) يقول : لولا الإسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه جزيرة العرب ، وكان سيدنا عمر يقول عن خالد بن الوليد : رميت أرطبون الروم بأرطبون العرب ، يقصد داهية الروم بداهية العرب في حيل الحرب ، وكان السبق لخالد والنصر للمسلمين ، ومن لم يتعلم من حكم الأيام والليالي ويأخذ منها الدروس والعبر فلا يلومن إلا نفسه.

       والإسلام يقتضي من أهله المؤمنين به العاملين له ألا يخدعوا أو يتاجروا به ، فيسيئوا إليه وإلى أنفسهم ، وإذا كانت المخادعة مذمومة وغير مقبولة من عامة الناس ، فإنها تكون أكثر خطرًا وأشد ذمًا لو أتت من بعض المحسوبين على الدين أو المنتسبين إليه أو المحمولين عليه .

       ومن هنا أحذر من بعض الظواهر السلبية ، أحذر المخادعين أولا من غضب الله ( عز وجل ) والمتاجرة بدينه ، فإنهم لن يفلحوا لا في أمر دينهم ولا في أمر دنياهم ، لأن هذه المخادعات ستنقلب عليهم حسرة وندمًا في الدنيا وذلا وهوانًا يوم القيامة .

        أحذر من استخدام الدين في الدعاية الانتخابية ، أحذر من النصب باسمه من الدجالين والمشعوذين ومن يدعون أنهم يعالجون من مس الجان ومحاربة الشيطان ، ولو نطق الشيطان لاستغاث بالله من شرهم ، أحذر ممن يلتزمون بالإسلام شكلا ومظهرا ويضيعونه موضوعا وواقعا وجوهرا .

         فالعبرة بالجوهر والمعدن الأصيل الذي يتجلى في الصدق والأمانة والوفاء ، وأن يكون ظاهر الإنسان كباطنه ، فعندما جاء أحد الناس يزكي آخر عند سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ، قال له عمر : أجارك الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه ؟ قال : لا ، قال : أرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ قال : لا ، قال : أمعاملك بالدينار والدرهم الذي يستدل بهما على الورع أو عدمه ؟ قال : لا ، قال : إذن لم تعرفه ، ولما رأى (رضي الله عنه) رجلا يتماوت في صلاته قال له : يا أخي لا تمت علينا ديننا أماتك الله ، من أبدى فوق ما في قلبه فهو منافق .

         لذا أقول للمصريين جميعا لا تنخدعوا بالوعود المعسولة أو المكذوبة ، لا تنخدعوا بالمن والسلوى الذي وعدكم بهما أصحاب المعزول ، لا تنخدعوا بمشروع موهوم أو مكذوب من أناس لا خبرة لهم ، لا تنساقوا خلف من كان أكثر همهم أن يكفروا المجتمع أو يفسقوه ، ونصبوا من أنفسهم آلهة من دون الله ، وجعلوا الجنة والنار قصرًا على صكوكهم ، فالجنة والنار أمرهما إلى الله وحده ، ” إن الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ” (صحيح البخاري) ، ولذا كان الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول : لا تدخلوا المؤمنين الموحدين الجنة ، ولا العصاة المقصرين النار حتى يقضي الله فيهم بأمره .

         وفي الحديث : ” كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة ، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر فوجده يوما على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي ، أبعثت علي رقيبا ؟ فقال : والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة ، فقبض أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد : أكنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرا ؟ وقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار ، قال أبو هريرة : والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته ” .

        أما الإيمان والكفر ، فقد وضع العلماء قولا فاصلا بأنه لا يخرج من الإسلام إلا جحد ما أدخلك فيه أو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة مما لا يسع المسلم إنكاره .

         غير أننا ابتلينا في عصرنا هذا بأناس لبسوا غير ثيابهم ، واقتحموا عنوة ميدانا غير ميدانهم ، واتخذوا رءوسا جهالا بأصول العلم الشرعي وطرائق دراسته على العلماء المتخصصين ، فأفتوا بدون علم فضلوا وأضلوا وضللوا ، وأخطر من ذلك أن يذهب بعضهم إلى المتاجرة بالدين أو المخادعة به مستغلا حوائج المحتاجين ، ليساوم ويناور بمال خبيث مشبوه يأتي من الشرق أو الغرب ، في ضوء مخططات مشبوهة لتدمير منطقتنا وتفتيت كيانها لصالح العدو الصهيوني ومن يسانده والاستعمار الجديد الذي يسعى للانقضاض على ما تبقى من خيرات هذه المنطقة ومواردها الطبيعية ، مما يستدعي اليقظة والحذر حتى لا نلدغ من الجحر ذاته مرتين .