مقالات

رسائل من شرم الشيخ

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       حمل مؤتمر شرم الشيخ رسائل عديدة , تضمنت خطبتنا بها ثلاث رسائل منها : الأولى : كانت من مسجد السلام ، ومدينة السلام ، وأرض السلام ، وبلد السلام ، ودين السلام , تحمل رسالة سلام للعالم أجمع بأن ديننا هو دين الرحمة والإنسانية ، هو دين العدل والعفو والتسامح ، وأن تلك الأعمال الإرهابية التي ترتكبها تلك الجماعات المحسوبة ظلمًا على الإسلام من قتلٍ وذبحٍ وحرقٍ وتنكيلٍ وتمثيلٍ بالبشر لا صلة ولا علاقة لها بالإسلام ، ولا بأي دينٍ من الأديان ؛ بل هي خروجٌ على كل مقتضيات الدين والأخلاق والقيم والإنسانية .

       أما الرسالة الثانية فمن هناك : من سيناء المباركة ، ذات الوادي المقدس طوى ، من البقعة المباركة ، من الشجرة ، من جانب الطور الذي أقسم به رب العزة في كتابه العزيز ، فقال سبحانه : “وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ *  لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”.

       من هناك : من جانب الطور  حيث كلّم الله موسى تكليمًا ، وتجلى له في هذه البقعة الطاهرة تجليًا لم يتجلّه لأحد من الخلق ، لا في أي زمان ولا في أي مكان إلا  في هذه البقعة الطيبة .

       من هناك : من أرض السلام ، ومن أرض سيناء الطيبة المباركة انطلق المؤتمر الاقتصادي لنقول للعالم كله : ها نحن نجتمع للبناء لا للهدم، فديننا دين الحياة لا الموت ، دين البناء لا الهدم ، دين التعمير لا التخريب ، والاستثمار أحد أهم منطلقات البناء والتنمية .

      فالاستثمار الحقيقي الصادق الذي يأتي وفق خريطة عادلة للاستثمار العالمي يسهم في تحقيق العدالة الإنسانية ، ويسهم في تحقيق السلام العالمي ، ويَحُد من الهجرة غير الشرعية وغير القانونية من الدول الفقيرة والنامية إلى الدول الغنية والمتقدمة ، وكما قالوا: السلام والاستثمار وجهان لعملة واحدة ، فحيث وجد الاستثمار كان العمل والإنتاج ، وكان الأمن والأمان ، فديننا دين العمل والإنتاج ، والإتقان ، وهذه رسالتنا لأبناء الأمة جميعًا، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ “، و يقول (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ أَمْسَى كَالًّا – أي متعبًا – مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ “.

       أما الرسالة الثالثة ، من هناك أيضا : من أرض سيناء بلد السلام ، حيث أغصانُ الزيتون ، وحيث يقول الحق سبحانه:{ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} ، قال نبينا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ” كلوا من زيتها وادهنوا به ، فإنه دواء وغذاء ” بما يترتب على ذلك من زراعة وصناعة وتجارة ، ففي الوقت الذي نحمل فيه أغصان الزيتون رمز السلام نؤكد أن مصير الجماعات الإرهابية الظالمة الباغية الطاغية وأن نهايتها بإذن الله ستكون هنا على أعتاب سيناء ، وعلى حصون قواتنا المسلحة المصرية الباسلة بإذن الله تعالى ، ذلك أن الجيش المصري لم يدخل عبر تاريخنا الممتد معركة واحدة فاصلة في تاريخ الأمة وخسرها أبدًا ؛ لأنه لم يكن يومًا ما ظالمًا ، ولا باغيًا ، ولا طاغيًا ، ولا معتديًا ؛ بل إنه لم يكد يدخل معركة إلا مفروضة عليه دفاعًا عن الأمة كلها ، فهو الذي ردّ همجية التتار  وهجمات الصليبيين ، وكسر شوكة الجيش الصهيوني الذي كان يقال : إنه لا يقهر ولا يكسر في العاشر من رمضان ، السادس من أكتوبر 1973م ، بإيمانه بالله ، وعدالة قضيته ، والتفاف الأمة العربية كلها حول قواتنا المسلحة ، وها هي تعود إلى هذه اللُّحمة من جديد استشعارًا للتحديات التي تواجه الأمة جميعًا ، وتتهدد وجودها وتماسكها ، وتريد أن تحولها إلى دويلات أو عصابات وفوضى لا نهاية لها ، لكن هيهات هيهات ، فإن الله – تعالى – ناصر الحق والعدل , وسيرد كيد الباغين والمتآمرين والإرهابيين في نحورهم .

        وأنا على يقين في الله من أن العدّ التنازلي لنهاية الجماعات الإرهابية قد بدأ لسببين : الأول – كما قلت- : أن الجيش المصري دخل المواجهة دفاعًا عن وطنه وعرضه وأمته ، وعن أمن وسلام العالم كله, وهو بإذن الله تعالى منتصر .

         الأمر الآخر: أن هذه الجماعات بلغت الحدّ الذي لا يطاق في الظلم والعتو ، ومخالفة السنن الإلهية والكونية والإنسانية ، وهو ما يؤذن بنهايتها ، لأن الله (عز وجل) يمهل ولا يهمل ، وهو لا يحب الفساد ولا المفسدين .

         ونؤكد أيضًا : أننا جميعًا ، وأن الشعب المصري إلى جانب قواته المسلحة الباسلة على أتم استعداد للشهادة في سبيل دينه ووطنه وأمته ، وتخليص العالم كله من شر هذه الجماعات الضالة المارقة ، فمصر ذات يدين : يدٌ تبني وتُعَمر ، ويدٌ تحمي وتُدافع ، لا تخشى في الحق لومة لائم .

         أما الرسالة الرابعة : فهي أن مصر قد استعادت مكانتها عربيًا , وإسلاميًا , وإفريقيًا, ودوليًّا , وشهد لها العالم كله بذلك , بفضل الله عز وجل , ثم بفضل القيادة الحكيمة للسيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي الذي أدار المشهد السياسي بحكمة كبيرة واقتدار سياسي كبير , وكان مشهد القيادات السياسية ورؤساء الدولة وحديثهم عن مصر على منصة المؤتمر خير شاهد على ذلك , بل هو شهادة ميلاد جديدة وفريدة لوضع مصر على خريطة العالم , وتجلت الحكمة السياسية في مواضع عديدة ، منها: هي أن المؤتمر لم يقدم رؤساء الدول المانحة أو الغنية فقط إنما حمل ثراء سياسيًّا واسعًا وواعيًا حين قدم رؤساء وزعماء بعض الدول الإفريقية , حيث أمننا القومي والمائي والأبعاد الاستراتيجية لدورنا الإفريقي الذي كنا نحلم جميعًا أن نستعيده , غير أن أكثر الناس تفاؤلاً لم يكن يتوقع تلك العودة السلسة وبهذه السرعة , لكنه فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء ويجريه على يد من يشاء ، متى شاء وكيف شاء وحيث شاء .

          أما الرسالة الخامسة : فهي أن الله عز وجل قد منّ علينا بهذا الفضل , فلنشكر هذه النعمة بالعمل والإنتاج والجد والدأب , لأن العالم لا يساعد إلا من يملك العزيمة والإرادة لمساعدة نفسه , فلتبن مصر بسواعد أبنائها ورجالها ونسائها وشبابها , رجاء أن نحقق ما نسعى إليه جميعًا من التقدم والنمو , وتبوء مصر المكانة التي تستحقها في مصاف الدول الرائدة والمتقدمة .

صناعة الإلحاد والإرهاب

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

           لا شك أن الإلحاد يشكل خطرًا داهما على الفرد والمجتمع والوطن والأمة العربية كلها ، فهو يتهدد نسيجها الاجتماعي والفكري المحكم من جهة ، كما أنه يتهدد أمنها القومي من جهة أخرى ؛ فتحت مسمى حرية المعتقد يهدف أعداء الأمة إلى تمزيق كيانها وضرب استقرارها بكل السبل والأساليب  الشيطانية ، سواء بتبني ودعم  الجماعات الإرهابية التي تسيئ إلى صورة العرب والمسلمين ، وتصورهم على أنهم همج رعاع رجعيون يعودون بالإنسانية إلى ما قبل التاريخ ، أم بدعم الجماعات الإلحادية المتحللة من كل القيم الأخلاقية والوطنية ممن يسهل توظيفهم لخدمة  أجندات أجنبية دون وازع من دين أو ضمير وطني .

        فالإلحاد في العالم العربي توجهه وتدعمه أيد خفية ، تريد تفكيك جميع البنى العسكرية والاقتصادية والفكرية لمجتمعاتنا ، فما لا تستطيع أن تفعله من خلال دعم الإرهاب  تفعله من خلال دعم تلك الجماعات الملحدة ، فمن كان في طبعه وتكوينه الفكري والثقافي ميل إلى التشدد اختطفه الإرهابيون ، ومن كان في طبعه وتكوينه ميل إلى التحلل اختطفه الملحدون ،  ومن لم يكن لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك  تتلقفه  يد المذهبيين  : من المذاهب والفرق والجماعات  والجمعيات ، وسنفرد مستقبلا حديثا خاصا عن التشيع السياسي أو الموجه سياسيا .

        على أننا نؤكد أن الدين قوام الحياة الطبيعية وعمادها، والحياة بلا دين حياة بلا قيم ، بلا ضوابط ، بلا أخلاق،  والدين هو العمود الفقرى لضبط مسار البشرية على الطريق القويم، ولا يمكن للقوانين الوضعية والأعراف والتقاليد وحدها مهما كانت دقتها أن تضبط حركة الإنسان فى الكون ، مالم يكن لهذا الإنسان ارتباط وثيق بخالقه، وقد قال أحد الحكماء : من الصعب بل ربما كان من المستبعد أو المستحيل ، أن نخصص لكل إنسان شرطيًا أو حارسًا يحرسه أو مراقبًا يراقبه، وحتى لو خصصنا لكل إنسان شرطيًا يحرسه أو مراقبًا يراقبه، فالحارس قد يحتاج إلى من يحرسه، والمراقب قد يحتاج إلى من يراقبه، ولكن من السهل أن نربى فى كل إنسان ضميرًا حيًّا ينبض بالحق ويدفع إليه، راقبناه أو لم نراقبه، لأنه يراقب من لا تأخذه سنة ولا نوم.

          وقد أجمعت الشرائع السماوية على ما فيه خير البشرية ، وما يؤدى إلى سلامة النفس والمال والعرض ،وقيم : العدل ، والمساواة ، والصدق ، والأمانة ، والحلم ، والصفح، وحفظ العهود ، وأداء الأمانات ، وصلة الأرحام ، وحق الجوار ، وبر الوالدين، وحرمة مال اليتيم.

       أما الإلحاد فله مفاسد وشرور لا تُحصى ولا تُعد على الفرد ، والمجتمع ،والأمم ، والشعوب، منها: اختلال القيم وانتشار الجريمة وتفكك الأسرة والمجتمع والخواء والاضطراب النفسى ، وتفشى ظواهر خطيرة كالانتحار، والشذوذ، والاكتئاب النفسي.

وهو صناعة أعداء هذه الأمة الذين فشلوا في زرع الفتنة بين نسيجها الوطني شديد الصلابة والتماسك ، فعمدوا إلى محاولة جديدة لتدمير هذه الأمة ، وهدم بنيانها من أساسه، بزرع الحيرة والشك في أصحاب النفوس الضعيفة ، بإيهامهم أن انسلاخهم من عقائدهم الراسخة سيفتح أمامهم باب الحرية في الشهوات والملذات واسعًا، بلا وخز من ضمير أو رقابة لأيّة سلطة إيمانية.

        غير أن السير في هذا الدرب مُدمّر لصاحبه، مُهلِك له في دنياه وآخرته، فواقع الملحدين مُرّ مليء بالأمراض النفسية والجسدية من الشذوذ ، والانحراف ، والاكتئاب ، وتفشّي الجريمة، واتساع نطاق الانتحار والقتل والتدمير، ويقول الحق سبحانه :{ و َمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}.

         فالأمن النفسي والطمأنينة لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن الإيمان بالله، يقول سبحانه : {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}(الأنعام : 82) ، والتعبير إنما يدل على القصر والحصر، فالمؤمنون وحدهم أصحاب الأمن الحقيقي الحياتي والنفسي، الدنيوي والأخروي، وغيرهم من الملحدين لا يمكن أن تَطمئّن قلوبهم ، ولا أن يتحقق لهم هذا الأمن أبدًا، بل هم في صراع نفسي متراكم من محنة إلى أخرى ، فهم لا يسعدون بشهواتهم وملذاتهم، بل يضيقون بها من جهة ، ويسرفون ويتفنون فيها من جهة أخرى ، بما يخرجها عن كونها نعيمًا إلى كونها نقمة وجحيمًا لا يطاق في كثير من الأحوال كما أن الإنسان الذي لا يؤمن بالخالق ولا باليوم الآخر، وبأن هناك يومًا للحساب والعدالة الإلهية لا يكون له وازع من ضمير يحول بينه وبين الفساد والإفساد في الأرض، فلذته هي الحاكمة، وشهوته هي المسيطرة، وهي التي تقوده إلى هلاكه ، وإن ظنّ وتوهّم أنها وسيلة لتحقيق سعادته.

       وإن عدم إيمان هؤلاء الملحدين بالله يجعلهم خطرًا على المال، خطرًا على الأعراض، خطرًا على الأوطان، لأن الدين الصحيح يُعزّز الوطنية الصادقة، وإذا ارتبطت الوطنية الصادقة بالفهم الصحيح للدين مدت صاحبها بقوة لا تُعادلها قوة، وصار العمل لصالح الوطن لديه فريضة دينية ووطنية، فصار على استعداد للتضحية من أجله بالنفس والنفيس.

        وإنني لأؤكد أن الإرهاب والإلحاد كلاهما صناعة استعمارية تهدد أمننا القومي وتماسكنا المجتمعي ، وتعمل على زعزعة استقرارنا وأنه لا بد من تضافر جهود المؤسسات الدينية والثقافية والفكرية والتعليمية في مواجهة هذه الظاهرة المتنامية الموجهة في عالمنا العربي ، ولابد أن يفكر  وزراء الأوقاف والشئون الإسلامية والثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي والشباب العرب مجتمعين  كل في مجاله في مواجهة هذه الظاهرة قبل أن تستشري فتفتك بشبابنا ومجتمعنا وأوطاننا وأمتنا ،  ويمكن أن نتخذ من مبادرتنا ” معا في مواجهة الإلحاد ” التي أطلقتها وزارتا الأوقاف والشباب منطلقا نبني عليه في تبصير الشباب بخطورة الإلحاد على حياتهم  وعلى مستقبلهم ، ونحن نفتح الباب واسعا أمام جميع المفكرين والعلماء والمثقفين والمؤسسات الدينية و الفكرية والثقافية  لمشاركتنا في التبصير بمخاطر هذه الظاهرة ، وكشف من يقف وراءها ، ويسعى إلى تهديد تماسك مجتمعاتنا من خلالها .

أصداء الثورة الدينية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      لاشك أن الدعوة إلى الثورة الدينية التي أطلقها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية , والتي أكد أنها للدين وليست ضد الدين قد لاقت استجابة واسعة داخليًا وخارجيًا , وألقت بظلالها على مجالات متعددة .. فكرية وثقافية وإعلامية وتعليمية .

       ففي داخل مصر انطلقت استجابات , ومؤتمرات , وندوات , وصالونات ثقافية متعددة , تدرس مفهوم الثورة الدينية , ومفهوم التجديد الذي دعا إليه السيد الرئيس في أحاديث متعددة , مما يؤكد إحساسه بعمق الأزمة , وأننا في حاجة ملحة وحقيقية إلى التجديد في الفهم والرؤية , وليس في الشكل والقشور .

       كما ألقت الدعوة بظلالها الوارفة , وآتت أكلها لدى المنتديات الفكرية والثقافية والعلمية والسياسية العالمية .

      ففي اللقاء الذي جمعني أمس الخميس 12 / 3 / 2015م بمستشاري وزير الخارجية والداخلية الفرنسيين في وجود سعادة السفير / خالد عمران مساعد وزير الخارجية المصري للشئون الثقافية والدينية , سألني مستشار وزير الخارجية الفرنسي عن مفهوم الثورة الدينية التي دعا إليها السيد الرئيس , وعن إمكانية تطبيقها على أرض الواقع , فأجبته في ابتسامة وهدوء : بأن هذه الدعوة التي أطلقها السيد الرئيس أصابت موضعها ووافقت زمانها وأهلها , فتلقيناها على الفور بالقبول والترحاب , وعن قناعة تامة , لأنها وافقت ما كان بالنفس كامنًا , وأعطت إشارة البدء والحركة الدءوب لمشروع فكري عملاق بدأت بعض تطبيقاته الحقيقية في المؤتمر الدولي الرابع والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية , الذي انتهى في بحوثه وتوصياته إلى توضيح بعض المصطلحات وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة , وذكرت لهم بعضًا منها , فكان من أكثر ما شد انتباههم وأدهشهم لواقعيته , هو ما أكد عليه المؤتمر من أن استحلال ذبح البشر وحرقهم والتمثيل بهم يعد خروجًا على الإسلام بل على مقتضيات كل الأديان السماوية والقيم الإنسانية , وأن هذه الجماعات إنما هي صنيعة أجندات سياسية تتستر  بغطاء الدين زورًا وبهتانًا والدين منها براء , وأن الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف يعملان بقوة على تعرية تلك الجماعات الإرهابية , ورفع أي غطاء أدبي أو شرعي عنها وعن تصرفاتها الهمجية التي تعود بالإنسانية إلى عصور الانحطاط وما قبل التاريخ , وأننا نؤكد بشدة على ضرورة عدم توظيف الدين سياسيًا , وأن تكون دور العبادة لعبادة الله (عز وجل) وترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية , وترسيخ فقه العيش المشترك بين البشر جميعًا على أساس المواطنة الكاملة والحقوق المتبادلة , واحترام آدمية الإنسان بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه أو عرقه أو معتقده .

       كما شرحت لهم نظرة الإسلام إلى نظام الحكم , وأن الإسلام لم يضع قالبًا جامدًا له , وأن جميع الأحاديث التي سئل فيها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن مفهوم الإسلام لم يذكر في واحد منها شيئًا عن نظام الحكم , لأن الإسلام ترك ذلك مجالا رحبًا في ضوء ما يحقق العدل , ويمنع الفساد , ويتيح حرية العبادة والمعتقد , ويعمل على تحقيق مصالح الناس , ويؤمن حاجاتهم الأساسية والضرورية , ويعمل على نهضة الأمم ورقيها وتحقيق الأمن والسلام العالمي .

       وما أن انتهينا من حديثنا حتى حيّا الرجلان هذه الجهود المبذولة , وأكدا أننا أمام مشروع فكري ضخم عملاق , وأنهم فهموا الآن مغزى الثورة الدينية وتجديد الخطاب الديني الذي يدعو إليه السيد الرئيس , وأكدا أن هذه المشروع يحتاج إلى فريق عمل كبير وأنه سيقدم خدمة عظيمة للإنسانية , وأنهم يدعمون هذه الجهود , ويسعون للإفادة منها , وأنهم شرعوا في فرنسا قانونًا جديدًا يتيح لوزير الداخلية الفرنسي سحب جواز سفر من يثبت تخطيطه للانضمام إلى داعش أو الجماعات الإرهابية , وأنهم يتفهمون جيدًا ما أشرنا إليه من أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له , وأنه يأكل من يدعمه أو يأويه أو يتستر عليه , وأن الإرهابين المنضمين إلى داعش أو القاعدة أو أعداء بيت المقدس , عندما يضيق الخناق على هذه الجماعات وقد بدأ يضيق بالفعل سيرتدون بلا شك على الدول التي قدموا منها , وسيشكلون خطرًا داهمًا على أمنها واستقرارها , ما لم نستبق مجتمعين ذلك وبسرعة شديدة لمحاصرة هذه الجماعات الإرهابية والقضاء عليها .

       وفي هذا الصدد وفي ضوء حرب المعلومات أكد مستشار وزير الخارجية الفرنسي لشئون الأديان أنهم يعدون مشروعًا سيتقدمون به لمجلس الأمن الدولي , لحظر استخدام مواقع التواصل في التحريض على العنف والإرهاب , وأنهم يدعمون جهود مصر في مواجهة الإرهاب سواء على مستوى التعامل الثنائي بين البلدين أم في المنتديات الدولية .

        ولم يكن هذا الموقف الفرنسي هو الموقف الدولي الوحيد تجاه دعوة السيد الرئيس إلى الثورة الدينية , إنما هناك مواقف أخرى عديدة ربما نتناولها أو نتناول بعضها في مقالات أخرى .

المؤتمر الاقتصادي إرادة سياسية وقرار وطني

 

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       ذكرت في عدة مقالات سابقة أن مصر غنية برجالها ونسائها وشبابها ، وعلمائها ومفكريها ، وثرواتها الطبيعية ، وأننا في حاجة إلى مسح علمي شامل لخريطة مصر الاستثمارية :  تعدينياً ، وزراعياً ، وسياحياً ، فما زالت الثروات الضخمة لم تستغل بعد ، أو لم تستغل الاستغلال الأمثل على أقل تقدير .

       وفى عدة زيارات لأسوان ، والوادي الجديد ، والبحر الأحمر ، وسيناء ، تأكد لي أن بلدنا مازال عامراً بالخيرات ، ففي أسوان من المعالم السياحية ما يؤهلها لأن تكون في مقدمة المدن العالمية ، لو طورنا من بنيتها التحتية ، وأعدنا النظر في الإفادة  القصوى من هذه المعالم وتوظيفها توظيفاً متميزاً كمعالم حضارية وثقافية ، و استعنا في ذلك بمرشدين سياحيين متخصصين ، ومثقفين لديهم من الحس الوطني الكافي ما يجعل المصلحة العليا للوطن فوق أي اعتبار آخر .

       وفى سيناء أرى أننا في حاجة إلى تنمية بشرية ، وتهيئة المناخ المناسب للجذب السكاني ، بحيث نزرع سيناء ونعمرها بالبشر ، مع تسليط الضوء على ما بها من مقومات سياحية ، بعضها علاجي ، وبعضها طبيعي وبعضها ثقافي ، كما أنها لم تكتشف بعد تعدينياً ، مع ضرورة وضع خريطة واضحة للمناطق القابلة للزراعة والاستصلاح بها .

       وفى الوادي الجديد بمساحته المترامية الأطراف ، وامتداده الطبيعي في الواحات البحرية بمحافظة الجيزة ما يسمح بإقامة دولة كبرى ، لا مجرد مجتمعات إنتاجية أو عمرانية ، وفى البحر الأحمر تجرى دراسة هامة حول ما يعرف بالمثلث الذهبي ( القُصِير ـ سفاجا ـ قفط ) لاستغلال ما فيه من ثروات تعدينية تهيئ لنهضة كبرى  في مجال التعدين مع أراض خصبة قابلة للزراعة .

       ولا ينبغي أن ننسى أن مدينة الغردقة  تصنف كأجمل مدينة شاطئية في العالم ، إضافة إلى محور  قناة السويس الذي تعمل الدولة بجدية على تنميته تنمية شاملة ، بل إنك لو نقبت في الكثير من محافظات مصر ، وفى الظهير الصحراوي لتأكد لك أننا لم نعط هذا البلد ما يجب أن نقوم به ، فهو مؤهل لأن ينطلق بنا لتحقيق نهضة اقتصادية كبرى .

       وكان كل ذلك أملاً يراه البعض قابلاً للتحقيق ، ويراه آخرون حلماً بعيد المنال، غير أنني كنت على يقين كآخرين أننا نستطيع ، وكان الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية وقرار وطني مستقل ، لا يراعى سوى مصلحة الوطن ، دون أي تدخلات أو إملاءات  شرقية أو غربية .

       كنا في حاجة إلى قرار وطني يستشرف آفاق المستقبل ، ولديه الرؤية والإرادة والعزيمة والتصميم على بناء الوطن ، ينطلق من المصالح الوطنية ، ويعمل على إعلائها فوق أي اعتبار  آخر ، وكما ينطلق من مبادئ ديننا الحنيف التي تقدس العمل وتدعو إلى الإتقان ، حيث يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم) : ” إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها  ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ” من أمس كالاً من عمل يده أمس مغفوراً له ” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم)  : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه  أو (يحكمه) ” .

ولقد طالعت ما نشر في صدر الصفحة الأولى بصحيفة الجمهورية الصادرة في يوم الأربعاء 11 / 3 / 2015 م تحت عنوان : ” المثلث الذهبي أضخم مشروع قومي لتنمية الصعيد ” فتأكد لي أن مصر في ظل قيادتها الوطنية الحكيمة المخلصة قد أخذت تستعيد ريادتها العربية والإسلامية والإفريقية ومكانتها الدولية ، وكذلك قرارها الوطني المستقل ، و أن الأمل في نهضة اقتصادية تتبعها وتنبثق منها، وتتوازى معها نهضات أخرى علمية وفكرية واجتماعية وثقافية قد أخذت بوادره تلوح في الأفق ، غير أن ذلك كي يتم ويتحول إلى واقع ملموس يحتاج إلى عزيمة وإرادة شعبية تتناسب وتلك الإرادة السياسية القوية ، كما يتطلب منا جميعاً وقفة رجل واحد في وجه الإرهاب والإرهابيين والتخريب والتدمير والمخربين ويقول الشاعر :

ولو ألف بانٍ خلفهم هادمُ كفى                     فكيف ببانٍ خلفه ألفُ هادمٍ

ويقول الآخر : ـ

متى يبلغ البنيان يوما تمامه                         إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمُ

     وعلى كل واحد منا أن يبدأ بنفسه ، وألا ينتظر غيره ، فهكذا علمنا ديننا ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن أساءوا أسأنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا  أن تجتنبوا إساءتهم” .

     وكان أصحاب نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) يُقِْدمُون عند الفزع ويُحْجِمُونَ عند الطمع ، ويقول شاعرنا العربي عنترة بن شداد :

يخبرك من شهد الوقائــع أننـي                             أغشى الوَغَى وأعف عند المغنم

وأرى مغانم لو أشــاء حويتهـــا                               ويصدني عنهــا الحيـــا و تكرمــي