مقالات

المعادلة الصعبة
خطوط حمراء بلا إقصاء

Mokhtar_8

أ.د / محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

      لاشك أن الظروف التي مرت بها مصر ، ومازالت تبعاتها وأحداثها تتوالى تفرض كثيرًا من المعادلات الصعبة التي تتطلب التعامل معها بحكمة عالية من منطلقات شرعية ووطنية ورؤية عصرية شاملة تراعي كافة المستجدات والمتغيرات على أرض الواقع .

      وبما أن وزارة الأوقاف جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني ، وقد أعلنت بوضوح أنها وزارة دعوية وطنية ، وأنها قد حددت بوضوح أهدافها ، سواء في ضبط الخطاب الديني وحمايته من الدخلاء وغير المتخصصين ، أم في خدمة القضايا الوطنية والإسهام والدعم لكل المشروعات الاقتصادية الكبرى ، التي لا تحقق مصالح البلاد والعباد إلا بإقامتها ، إذ ندرك أن صحيح الشرع لا يتناقض مع صحيح العقل ، فحيث تكون المصلحة فثمة شرع الله ، فقد قامت الشرائع السماوية على التيسير ورفع الحرج ومراعاة مصالح الخلق وصيانتها ، مع صيانة الدين والنفس والمال والعقل والعرض ، وهو ما يعرف بالكليات الخمس .

     وإننا لنؤكد ابتداء أننا لا يمكن أن نتخذ من الإقصاء مسلكًا لأحد من أبناء المجتمع المصري ، ما لم يكن هناك حكم قضائي بإقصائه أو تجريمه ، أو يثبت بالبرهان القاطع ارتكابه لأعمال إرهابية أو إجرامية أو تخريبية أو مشاركة في العنف أو تحريض عليه ، وإنما نتعامل بموضوعية في ضوء الضوابط واللوائح والقوانين المنظمة لعملنا وما تقتضيه المصلحة الشرعية والوطنية معًا ، وأكبر دليل على ذلك أننا لم نقصِ أي إمام أو خطيب من الأوقاف لمجرد انتمائه الحزبي أو الفكري أو السياسي ، وإنما نتعامل بموضوعية تامة مع مدى استجابته والتزامه بضوابط عمله الوظيفي وتوجيهات الوزارة فيما يتصل بضبط الخطاب الديني من أهمية الحفاظ على المنبر ، وعدم تركه لأحد أيًّا ما كان وضعه ، ما لم يأته كتاب رسمي من إدارة الأوقاف التابع لها بذلك ، وفي ضوء التصاريح الصادرة لمن تنطبق عليهم شروط الخطابة ، مع الالتزام بموضوع الخطبة الموحد ، وزمن الخطبة ، وعدم توظيف المنبر سياسيًا أو حزبيًا أو طائفيًا أو مذهبيًا ، فمن التزم بذلك تابعنا عمله متابعة دورية بدقة ، فالثقة في الإدارة لا تعني عدم المتابعة ، والمتابعة لا تعني عدم الثقة ، ولسنا مكلفين بعد ذلك بالتنقيب عن القلوب أو حياة الناس الخاصة ، ومن لم يلتزم كان التعامل معه في ضوء القانون .

    غير أنني أؤكد على أن الخطابة ليست حقًا مكتسبًا بمجرد الحصول على الشهادة حتى لو كانت أزهرية ، فهناك وزارة تنوب عن السلطة القائمة في الإشراف على المساجد ، وضبط شئون الخطاب الديني ، فالإمام أو الخطيب نائب عن الإمام أو من ينيبه الإمام في إقامة الجمعة .

      فكما أن الشأن في القضاء أنه ليس شرطًا لكل من يحصل على ليسانس حقوق أن يكون قاضيًا ، أو كل من يحصل على بكالريوس تجارة أن يكون مفتش تموين أو جمارك ، ولا  كل من أراد التطوع للقوات المسلحة أن يكون جنديًا ، أو التطوع للعمل بالشرطة أن يكون شرطيًا ، فلكل وزارة أو جهة أو هيئة حساباتها في قبول أعضائها أو منح تراخيص العمل لهم ، وليس دين الله أهون من أمور الدنيا ، حتى يفرض بعض الناس أنفسهم فرضًا على المؤسسة لتقبلهم رغمًا عنها ، وإلا لم تكن هناك دولة ولا قانون ولا نظام محكم .

     ومع ذلك فإننا سنتيح الفرصة لكل من تنطبق عليه الشروط أن يتقدم للامتحانات التحريرية والشفوية التي تجعلنا نطمئن إلى من يُسند إليه العمل ، وستظل متابعتنا للجميع مستمرة لا تنقطع ، ويكون التصريح بالعمل مرتبطًا بمدى الالتزام الكامل بتعليمات وتوجيهات الوزارة التنظيمية التي لا يمكن أن تصطدم بصحيح الشرع أو تمس ثوابته أو تعطل شيئًا منه ، فمهمتنا الأساسية الحفاظ على الثوابت ، والدفاع عنها ، ومحاربة كل ألوان التطرف والغلو والتسيب والانحلال دون إفراط أو تفريط أو غلو أو تقصير .

       وفي هذا الشأن نؤكد أن وزارة الأوقاف ليست خصمًا مع أحد ، أو أنها تضع لوائحها لإقصاء أحد بعينه ، ولكنها مفوّضة من السلطة المختصة في القيام على أمر الدعوة والخطابة بمساجد مصر ، وهي أمينة على ذلك كل الأمانة ، وستحافظ عليها دون أي ضعف أو تهاون أو خضوع لأي لون من ألوان الضغوط مهما كانت شدتها أو من يقف وراءها ، فالقضية قضية وطن وكيان دولة ، ولا أحد فوق الدولة أو القانون ، أما من يحاول أن يفرض نفسه قصرًا على نظام الدولة ، محتميًا بالأنصار والأتباع ، فهذا خطر داهم على المجتمع وعلى أمن الوطن واستقراره ، ولا يمكن أن نسمح به أو نخضع له ما بقي لنا في تحمل الأمانة والمسئولية يوم واحد ، وما بقي فينا نفس يُلفظ ، وسنظل على هذه المبادئ أينما كنا ، وإن كانت السياسة العامة وأمانة المسئولية تفرض علينا العمل على جمع الشمل ما دام ذلك في خدمة المصلحة العليا للوطن .

التتار الجدد
ظاهرة أم استثناء

Mokhtar

     ارتبط تاريخ التتار في الذاكرة التاريخية بكل ألوان الوحشية والهمجية والانحراف عن السلوك الإنساني القويم إلى حيوانية فجة اتخذت من إرهاب الخصم مسلكًا ومنهجًا ، قاصدة وعامدة إلى إلقاء الرعب في نفوس خصومهم ، تفت في عضدهم ، وتدمر معنوياتهم ، وتجبرهم على استسلام غير مشروط ، ثم لا تفي لهم بعهد ولا بوعد ، ولا بأمان ولا ذمة ، ولم تعرف الذاكرة العالمية قومًا أكثر وحشية وهمجية منهم .

     ويبدو أن ما تقوم به داعش ومن يسير على نهجها من الفتك بالخصوم وذبحهم بطريقة توحي بوحشية الذابحين وتجردهم من الإنسانية ، أو القيام بالتمثيل بالجثث والتنكيل المنهي عنه شرعًا ، كقطع الرقاب وإلقاء الجثث إلى جانب الرءوس ، أو بلا رءوس أصلا ، يبدو أن ذلك كله مخطط بعناية ، وخلفه أياد صهيونية اختارت ضحاياها من الإرهابيين بعناية شديدة وبناء على دراسات نفسية دقيقة ، غير أن ذلك كله ما كان ليتم لو أننا قمنا بواجبنا الفكري والثقافي والتربوي والتعليمي والاجتماعي على وجه سديد .

        ولا ينبغي أن نلقي بكل اللائمة على أعدائنا فحسب ، فكما قال الشاعر :

 أنا لا ألوم المستبــــد                   إذا تجاوز أو تعــــــدى

فسبيلـه أن يستبـــد                   وشأننــــا أن نستعدا

        ولكن علينا أن نراجع أنفسنا ، فكما قال الشافعي :

نعيب زماننا والعيـب فينــــــا                  ومـا لزماننــا عيـبٌ سوانـــا

ونهجو ذا الزمـانَ بغيـر ذنــبٍ                  ولو نطق الزمان لنا هجانـــا

       لذا يجب ألا يقف دورنا عند رصد الظواهر ، مع تسليمنا بأن العنف والتخريب والتدمير والبطش والفتك قد صار ظاهرة تستحق الدراسة والمعالجة ، وإنما يجب علينا أن نبحث الحلول التي من شأنها أن تقضي على الظاهرة من أساسها وتقتلعها من جذورها ، وهنا لابد أن تتضافر جهود مؤسسات عديدة على رأسها المؤسسات الدينية والعلمية والفكرية والثقافية والاجتماعية ، لكشف أبعاد هذا الخطر الداهم ، وكشف من يقف وراءه ومن يدعمه ومن يموله ، ومن يوفر له غطاء أدبيًا أو معنويًا ، ونعمل متضامنين على القضاء عليه ، لأن الأمر جد خطير .

الأبيض والأسود والرمادي

Dr.Mokhtar-Gomaa

 

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      الأبيض هنا رمز لمن يبني ويعمر ، والأسود لمن يهدم ويخرب ، والرمادي للمحايدين والمترددين وممسكي العصا من المنتصف .

       وقد دفعني إلى كتابة هذا المقال خبر نُشر على لسان الأستاذ / هشام رامز محافظ البنك المركزي الذي تحدث فيه بثقة مطمئنة عن الاقتصاد المصري وقدرته على الصمود وعلى الوفاء بالتزاماته المحلية والدولية ، حيث أعلن عن استعداد البنك وجاهزيته لسداد الوديعة القطرية متى طلبت ، بواقع نصف مليار دولار في أكتوبر ، وملياري ونصف المليار دولار في نوفمبر ، وأكد أن ذلك لن يؤثر على الاحتياطي النقدي للبنك المركزي ، لأن الثقة في تعافي الاقتصاد المصري تتزايد رغم الصعوبات والتحديات التي نواجهها في الداخل من المخربين والمدمرين وأصحاب النفوس الضعيفة وفاقدي الحس والولاء الوطني ، وفي الخارج من التحديات الإقليمية المحيطة بنا .

        وازنت بين ذلك وبين وضعنا يوم أن كنا نُصَاب بالرعب النفسي ، والتخويف بنفاذ الاحتياطي النقدي الأجنبي بالبنك المركزي ، وعدم قدرته على الوفاء باحتياجات مصر لأكثر من مائة يوم ، إذ كنا على حافة الهاوية ، وتسلّمَتْ القيادة السياسية والاقتصادية بعد 30 يونيو من الإخوان خزانة خاوية أو شبه خاوية ، حيث كان الاحتياطي يتهاوى يومًا بعد يوم ، مع بذخٍ إخواني هنا وهناك ، فأدركت الفرق الشاسع بين الأبيض والأسود ، بين من يبني ومن يهدم ، بين من يعمّر ومن يخرّب .

         وموازنة أخرى تستدعي الانتباه ، هي تلك المفارقة الواضحة بين حماة الوطن من المصريين الشرفاء من أبناء القوات المسلحة الباسلة وأبناء الشرطة البواسل أيضًا ، ممن يحملون أرواحهم على أكفهم فداء لوطنهم ، وحفاظًا على كل ذرة رمل منه ، وبين العملاء والخونة والقتلة والسفاحين وسافكي الدماء ، والمخربين ممن يعملون في مجال الهدم بتدمير المرافق والبنية التحتية من أبراج الكهرباء ، وأبراج المحمول ، وسد منافذ الصرف الصحي ، وغلق محابس المياه ، وحرق وسائل المواصلات وآليات ومركبات الجيش والشرطة ، وقطع الطرق ، بلا وازع من دين أو ضمير إنساني أو حس وطني ، حيث أعمى هؤلاء جميعًا خيانتهم وعمالتهم وحبهم للسلطة حتى لو كانت وهمًا وخداعًا ، وحبهم للمال المغدق عليهم الذي يأكلونه في بطونهم نارًا ، وسيكون وبالا وحسرة عليهم في الدنيا والآخرة ، أما من ينفقون عليهم فنقول لهم ما قاله الحق سبحانه وتعالى : ” فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ” .

       أما المفارقة الثالثة بين الأبيض والأسود ، فهي بين من يبذلون أقصى جهدهم لدفع عجلة العمل والإنتاج إلى الأمام ، يواصلون الليل بالنهار لتوفير فرص العمل وتحقيق إنجاز ملموس على أرض الواقع ، يحسن الأحوال المعيشية للمواطنين ، ويوفر البنية التحتية لاقتصاد صلب قوي ، ويؤهل لتنمية اقتصادية واجتماعية ومجتمعية شاملة ، وبين من قَصَروا فكرهم وجهدهم على قلب الحقائق ، يطبعون الأشياء كلها بطابع السواد والحقد الذي يملأ نفوسهم تجاه المجتمع كله ، يكفرونه حينًا ، ويعملون على تخريب وتدمير مكتسباته حينًا آخر ، وعلى إضعاف الروح المعنوية لمن يعملون وإحباطهم وتيئيسهم على طول الخط ، والعمل على قلب الحسنات إلى سيئات كذبًا ومخادعة ، مع شن حملات تشويه ممنهجة لكل الرموز الوطنية التي تعمل ليل نهار ، وحشد كل طاقاتهم للنيل من هؤلاء الوطنيين لتشتيت جهودهم ، وشغلهم عن قضايا العمل والإنتاج والتطوير ، وكل ما يمكن أن يسهم في نهضة المجتمع ورقيه .

         وهناك من يعملون في المنطقة الرمادية ، إما حيادية وترقبًا خوفًا من تقلب الأوضاع ، فهم لا يريدون أن يخسروا أي شيء على الإطلاق ، ويريدون السلامة والسلامة فحسب ، ولهؤلاء نقول : إن هذا الوقت لا يحتمل سوى شيء واحد ، هو الانضمام بوضوح إلى اللحمة الوطنية وما فيه صالح هذا الوطن ، وما يحفظ استقراره وأمنه القومي ، لأن حجم التحديات خطير ، ويحتاج إلى جهد كل وطني مخلص وبأقصى طاقاته ، لنجني معًا ثمرة هذا الكفاح ، ونتفادى مخاطر لا تصيب الذين ظلموا خاصة ، إنما تكون آثارها وخيمة ومدمرة على الجميع ، وبلا استثناء ، وساعتها سيكون ندم المتقاعسين أشد ، وخسارتهم أفدح .

         وإلى جانب هؤلاء الحيادين نجد المترددين الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وقد حدّثني بعض الناس أن أحد الشباب كان غداؤه في التحرير ، وعشاؤه في رابعة ، ليقول لمن تكون له الغلبة ” ألم نكن معكم ” ، فهو أناني نفعي ، لا تعنيه إلا نفسه ونفسه ونفسه أولا وأولا وأولا ، وليذهب بعد ذلك العالم كله في نظره إلى الجحيم ، وهؤلاء قوم لا خلاق لهم ، ولا مروءة لهم ، ولا إنسانية لهم ، ونقول لهؤلاء : إن الوطن أكبر من أن يُخدَع ، وقد قالوا : من الممكن أن تَخدَع بعض الناس لبعض الوقت ، ولكن لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت ، وقد قال الشاعر الحكيم :

ومهما تكن عند امرئ من خليقة                     وإن خالها تخفى على الناس تعلم

القرار الصعب والرجل الشجاع

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     لقد فكرت كثيرًا قبل كتابة هذا المقال وأخذ من وقتي عدة أيام قبل الشروع فيه بما لم يأخذه أي مقال آخر ، لأنه في دائرة صعبة ، وأنا أدرك ابتداء أن إرضاء جميع الناس غاية لا تدرك ، ذلك أن هذا المقال يتعلق بشيخي وبيتي ، أما شيخي فهو فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ، وأما بيتي الذى أعتز بالانتساب إليه فهو الأزهر الشريف بكل مؤسساته .

     ولا يستطيع أحدٌ أن يجادل أو يناقش في صلابة المواقف الوطنية لفضيلة الإمام الأكبر وشجاعته النادرة في اللحظات الحاسمة ، وأهمها انحيازه إلى الإرادة الوطنية والشعبية  الكاسحة وخيارات الشعب المصري في 30 يونيو 2013 م ، حيث بادر فضيلته بلا تردد أو خوف أو توجس إلى مباركة اختيار الشعب المصري لخارطة الطريق نحو مستقبل ديمقراطي حقيقي للشعب المصري في مواجهة الصلف والتعنت والإقصاء الإخواني الذي لفظه الشعب المصري وهبّ هبّة رجل واحد للثورة عليه .

     وألمس في فضيلته شجاعة غير عادية في نظراته ورؤاه وتوجهاته الإصلاحية في كل ما يتصل بالأزهر وشئونه ومؤسساته ومناهجه ، وإنني لأشْرُف بانتمائي إلي مدرسته العقلية ومنهجه الرشيد في التفكير .

     أما حديثي عن الأزهر ما له وما عليه فهذا بيت القصيد ، فليس من الممكن أو المعقول أن نقول ليس في الإمكان أبدع مما كان ، أو أن نحاول فرض بعض الفتاوى والآراء التي ناسبت زمانها ومكانها وأحوالها – فيما يقبل الخلاف ولا يمس ثوابت الشرع- على جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال .

     وعند الحديث عن التجديد ورجاله لابد أن أؤكد على أمرين :

     الأول : أن العظائم كفؤها العظماء ، وقد قال أحد الناس لابن عباس (رضي الله عنهما) : إن لي عندك حاجة صغيرة ، فقال له : إذن فاطلب لها رجلاً صغيرًا ، ويقول المتنبي :

على قدر أهل العزم تأتي العزائــــم                    وتأتي علـى قدر الكرام المكـــارم

وتعظـم في عيـن الصغيـر صغارهـــا                    وتصغـر في عين العظيم العظائـم

    الأمر الآخر : هو أن حبنا للأزهر وحرصنا عليه هو ما يدفعنا إلي النقد الذاتي الموضوعي ، وإلى محاولات التجديد والإصلاح المستمرة ، وقد ذكرتُ سابقًا أننا عندما عرضنا على فضيلة الإمام الأكبر مسمى لجنة النظر في المناهج الأزهرية تحت عنوان : ” لجنة تطوير التعليم بالأزهر الشريف ” ، أصر فضيلته على تسميتها ” لجنة إصلاح التعليم ” ، وقال فضيلته سمّوا الأشياء بمسمياتها ، نريده إصلاحا فعليًا وحقيقيًا وواقعيًا .

     ويقول هاشم الرفاعي في وصف رجال الأزهر وضرورة النقد الذاتي من داخل أروقته :

كـلا ولا اتَخِـذوا الشريعــة متجـــــرا

ما قامــروا بالدين في سبـل الهـــوى

 لا يسمحــون بأن يباع ويشتــــــرى

عاشــــوا أئمـــــة دينهــــم وحمـــاتـــه

     ثم يقول :

مـن أن أقـول الحـق فيه وأجهـرا

   ليـــس التعصـــب للأبــــوة مانعــــــى

     ونحن لا نستطيع أن ننكر أننا في حاجة إلى المراجعة والتنقيح والتطوير والإصلاح كما قال فضيلة الإمام ، سواء في المناهج ، أم في إعادة النظر في اللوائح والقوانين ، أم في المدخلات والمخرجات التعليمية ، أم في أحوال وأوضاع جامعة الأزهر وطلابها , وأكتفي في هذا المقال بالحديث عن أمرين اثنين : هما المناهج والجامعة .

      أما المناهج فبعضها على الأقل يحتاج إلى جراحة سريعة في بعض الموضوعات والجزئيات , على أن فضيلة الإمام الأكبر صار يرأس جلسات إصلاح التعليم بنفسه , وقد أجمعنا في الأسبوع الماضي في لجنة إصلاح التعليم على ضرورة حذف بعض الموضوعات والجزئيات التي كتبت في ظروف معينة وناسبت عصرها وزمانها وبيئتها , ولم يعد طرحها هو الأولى أو الأنسب في ظل الظروف والتحديات التي نعيشها , ويسابق فضيلة الإمام الزمن ونسابقه معه في محاولة لإنجاز هذا العمل أو بعضه على الأقل قبل بداية العام الدراسي الحالي  2014 / 2015م ، فما لا يدرك كله لا يترك كله .

       وأما أمر الجامعة فقد شهدت مع فضيلة الإمام الأكبر واحدًا من أهم الاجتماعات في تاريخ جامعة الأزهر بحضور القائم بأعمال رئيس الجامعة , أ.د/ محمد عبد الشافي وثلاثة من السادة النواب , وربما لم يشهد أي لقاء من قبل ما شهده هذا اللقاء من المصارحة ومواجهة الواقع , والاتفاق على ضرورة مواجهة المتشددين والمنتمين تنظيميًا إلى جماعة الإخوان , ومن انضموا إلى ما يسمى زورًا وبهتانًا بعلماء ضد الانقلاب ، وهم جميعًا معروفون بأسمائهم ومواقعهم ، إذ ينبغي التعامل معهم بكل شجاعة وحسم ، وأرى ضرورة إقصائهم قبل بداية العام الدراسي الحالي عن المواقع القيادية المؤثرة بالجامعة ماداموا يدينون لتلك الجماعة الإرهابية بالولاء .

      وإننا لنؤمل أن يكون زملاؤنا في قيادة الجامعة على قدر شجاعة الإمام الأكبر في اتخاذ القرارات المناسبة , حيث يحرص فضيلته على التوجيه , ويترك اتخاذ القرار لكل مسئول في موقعه , ليحمل كل إنسان مسئوليته أمام الله وأمام الوطن وأمام التاريخ وأمام ضميره وحسه الوطني .