مقالات

من بلاغة التراكيب

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     1- في قوله تعالى : ” فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ” (سورة النور : 36،37،38) .

       أولًا : في قوله تعالى : ” لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ ” جاء ذكر البيع بعد ذكر التجارة من باب ذكر الخاص بعد العام ، فما قيمة هذا التخصيص ؟

       لا شك في أن التجارة بيع وشراء ، وأن الربح عند البيع متحقق ناجز ، وعند الشراء متوقع أو مظنون لا يتم ولا يتحقق إلا عند البيع ، وقد يعرض للسلعة تلف أو كساد سوق أو تغير أحوال ونحو ذلك ، فلا يلزم من نفي إلهاء الشراء الذي هو قسيم البيع نفي إلهاء البيع ، في حين أن من ترك المكسب المتيقن كان ترك المظنون عليه أيسر ، فالتعبير القرآني بذكر البيع بعد التجارة يفيد شدة إقبالهم على الله بحيث لا يشغلهم عنه شيء ولو كان ربحًا متحققًا في أيديهم .

       ثانيًا : في قوله تعالى : ” وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ”  آثر النص القرآني التعبير بلفظ القيام دون الوقوف لأمرين :

      أحدهما : أن القيام يقتضي الثبات والتمهل ، أو الإقامة ونحوها ، يقال : أقام فلان بالمكان إذا لبث فيه واتخذه وطنًا ، وهذا يعني أن القائم للصلاة أو المقيم لها ينبغي أن يعطيها حقها من السكينة والطمأنينة .

       الآخر : أن القيام من معانيه العزم ، والمحافظة ، والاهتمام بالأمر ، يقال : قام فلان للأمر إذا تهيأ له واستعد ، وشمر عن ساعد الجد لقضائه ، والإسلام لا يريدها مجرد ركعات خاطفة ، إنما يريدها عبادة تنبع من عقيدة صادقة ، فتؤتي ثمرتها في إصلاح صاحبها ، فتقوم سلوكه ، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر ، وهذا لا يتأتّى إلا ممن تهيأ واستعد وأخذ الأمر بجد وعزيمة .

      وهنا يتوافق سياق النص مع سياقه القرآني الذي آثر لفظ القيام ومشتقاته دون لفظ الوقوف في جميع المواضع أو الآيات التي تحدثت عن الصلاة وإقامتها ، فقال سبحانه : ” وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ… ” (البقرة : 277 ) ، ” وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ … ” (البقرة : 3) ، ” لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ… ” (إبراهيم : 37) ، ” وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ … ” (البقرة : 43) ، ” قُمِ اللَّيْلَ … ” (المزمل : 2) ، ” سُجَّدًا وَقِيَامًا …” (الفرقان : 64) ، ” وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ … ” (النساء : 162) ، إلى غير ذلك من المواضع .

       ثالثًا : أكدت هذه الآية أن الذين يعمرون بيوت الله يذكرونه ويسبحونه هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وهو ما أكدته – أيضًا – آية التوبة بأسلوب القصر ” إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ” (التوبة : 18) .

       وهو ما يؤكد التئام النسق القرآني ، وانسجام بعضه مع بعض ، وتفسيره بعضه لبعض ، وتقوية هذا المعنى لذلك ، وارتباطه به ، وإن تباعدت مواضع السور أو الآيات .

       رابعًا : لما كان فعل هؤلاء الرجال متميزًا في إخلاصهم لله ، وتركهم المكاسب الدنيوية ابتغاء رضوانه ، كان عطاء الله لهم خاصًا ومتميزًا ، فإنه سيجزيهم أحسن ما عملوا ، ويزيدهم من فضله ، وفي التذييل بقوله تعالى : ” وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ” ما يوحي بأن الله سيعطيهم عطاء لا حدود له ، أو سيرزقهم بما لم يكن في حسابهم ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

    2- في قوله تعالى : ” وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ” (الأنعام : 100 ) ليس بخافٍ أن لتقديم الشركاء حُسنًا وروعةً ومأخذًا من القلوب لا تجد شيئًا منه إن أخّرت فقلت : وجعلوا الجنَّ شركاء لله ، وذلك لأنك لو قدمت فقلت : وجعلوا الجنَّ شركاء لله ، لكان الإنكار منصبًا على أن يكون الجن   شركاء لله ، أمّا لو قلت : وجعلوا شركاء لله الجن ، لكان الإنكار مؤكدًا مرتين :

       الأولى: إنكار اتخاذ أي شريك مع الله ( عز وجل ) من الجن أو من غيرهم .

       والأخرى : إنكار أن يكون الجنَّ شركاء لله من باب ذكر الخاص بعد العام ، لشدة تعلقهم بالجنَّ ورهبتهم منه .

     وهذا المعنى أقوى وأبلغ وأقطع في نفي أي شريك لله ( عز وجل ) سواء من الجن أم من غيرهم .

     وإذا تيقن الإنسان أنه لا شريك لله ( عز وجل ) لا من الجنَّ ولا من غيره اتجه قلبه وعقله إلى الله وحده ، فلا يخاف إلا من الله ( عز وجل ) ، ولا يعتمد إلا عليه ، فلا يغش ، ولا يكذب ، ولا يخادع ، لثقته ، أن الأمور كلها بيد الله وحده ، وأن ما أصابه لم يكن ليخطأه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، يقول الحق سبحانه : ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ” (يس : 82) .

من بلاغة القرآن الكريم فى قصة إبراهيم عليه السلام

mokhtar-gomaa

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

     القرآن الكريم معجزة الإسلام الكبرى، وآيته المبهرة إلى يوم الدين،(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:41،42)،  فمعجزة القرآن الكريم قد عمت الثقلين، ولزوم الحجة بها قائم إلى يوم الدين، يقول سبحانه: (وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ) (البقرة:23).

      وهذه بعض ووجوه الإعجاز البيانى فى قصة إبراهيم عليه السلام:

     (أ) – فى قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام (الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء:78-82).

    جاء التراكيب التالية (الَّذِى خَلَقَنِى)، (الَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ) (الَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى) بدون ضمير الفصل «هو» فى حين جاءت التراكيب: (فَهُوَ يَهْدِينِ)، و (هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ)، (فَهُوَ يَشْفِينِ) مشتملة على ضمير الفصل «هو»، وذلك لأن الأفعال الأولى المتمثلة فى الخلق والإماتة والإحياء ومغفرة الذنوب لا يجادل فيها أحد، بل إن أكثر الناس على التسليم المطلق فيها لله عز وجل، أما فيما يتصل بالرزق المعبر عنه بالإطعام والسقيا، والشفاء، والهداية إلى الصراط المستقيم، فمما يغفل فيه كثير من الخلق عن الاعتماد على خالقهم، وتهتز عند بعضهم قضية التسليم المطلق فيه، فتجد منهم من يخادع أو ينافق أو يغش ظنا منه أن ذلك قد يجلب له نفعا فى الرزق، ناسيا أنه لن تموت نفس حتى تستوفى أجلها ورزقها، كما أن بعض الناس قد يذهب فى مسألة التداوى إلى بعض الدجالين والعرافين والمشعوذين، فلما كان الحال عند بعض الناس فى هذه الأمور ينقصه اليقين المطلق فى الله عز وجل جاءت هذه الأفعال مؤكدة بضمير الفصل ليقول النص القرآنى: إن رب الخلق، والإحياء والإماتة، هو رب الهداية والإطعام والسقيا والشفاء، فكما أنه لن تموت نفس حتى تستوفى أجلها ورزقها، فليس من الإيمان واليقين أن تفوض الأمر إليه هنا ولا تفوضه إليه هناك، فهو وحده القادر على كل ذلك، والأمر كله له (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (يس:82).

     (ب) فى قوله تعالى: (قَالَ بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَاسْأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) (الأنبياء:63).

     أ- قال: (فَاسْأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) ولم يقل فاسألوهم إن كانوا يسمعون، لأن المعاند هنا يمكن أن يجادل فى قضية السماع، فيقول لك إن هذه الآلهة تسمع بل ترى لكنها لا تريد أن تجيب الآن، لكنه لا يستطيع أن يحاجك فيقول إنها تنطق، ومن هنا طلب منهم إبراهيم دليلاً لا سبيل إلى وصولهم إليه، وهو نطق هذه الآلهة إن كانت تنفع أو تضر، وبما أنها لا تستطيع أن تنطق، ولا يستطيع أحد أن يمارى فى ذلك، فإن عجزها صار بينا وصار حمقهم فى عبادتها أبين منه.

    ب- فى قوله تعالى: (قَالَ بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم) يقف الكسائى على (فَعَلَهُ)،  ويجعل الفاعل مقدرًا أى فعله من فعله، وعليه يكون المعنى فعله من فعله فلا تنشغلوا بالفاعل إنما عليكم أن تفكروا فى عجز أصنامكم التى لم تستطع أن تدفع عن نفسها، ثم استأنف فقال: (كَبِيرُهُم هَذَا فَاسْأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ).

    وقال بعض المفسرين إنما علّق النص القرآنى فعل كبيرهم على نطقهم أى فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم وجعل جملة (فَاسْأَلُوهُم) جملة اعتراضية.

    وقال بعض المفسرين إن إبراهيم عليه السلام سلك فى هذا الآية مسلكاً تعريفيا يؤدى إلى مقصده الذى هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه، بإسناد الفعل إلى كبيرهم إن كان ينطق، لينتهى من هذه المحاجة إلى تسليمهم بعجز آلهتهم (لَقَد عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ) (الأنبياء:65).

    (ج) فى قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء:69-71).

    فى جوابهم على قوله: (مَا تَعْبُدُونَ) كان يكفى أن يقولوا (نَعْبُدُ أَصْنَاماً) لكنهم أطنبوا فى الحديث فزادوا (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) وهذا دليل على تبجحهم فى ضلالهم، فهم لا يعبدون فقط هذه الأصنام، إنما يعكفون على عبادتها، وكان ذلك إمعانا منهم فى التعنت وإشعارا لإبراهيم عليه السلام بعدم نيتهم الاستجابة له أو الانصراف عن عبادة هذه الأصنام.

ثقافة البناء والرقي

Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

    إن تقدم الأمم لا يمكن أن يبنى على صعيد واحد أمني أو عسكري أو اقتصادي أو ثقافي أو تكنولوجي ، إنما هي منظومة تتحرك معًا في جوانب متعددة ، وفي آن واحد ، تتسابق في جميع المجالات لبناء ذاتها ، واستدراك ما فات ، ومحاولة اللحاق بما هو آت ، كل فيما يخصه ، إنها ثقافة التقدم والرقي تسري في دماء وعروق الوطن وأبنائه ، فتؤتي أكلها ولو في نمو غير منظور كنمو الطفل ، غير أن المتابع أو المراقب عن بعد والمعني بالتحليل ورصد التفاصيل يدرك تفاصيل كل مرحلة من مراحل هذا النمو مهما كانت دقتها ، لأنه معني بها ، مشغول بمفرداتها وجزئياتها ، عامل على نموها وتطورها ، والوصول بها إلى الدرجة المثلى لو وجد إلى ذلك سبيلا .

   وكما قال الإمام علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) :

ليس الفتى من يقول كان أبي

لكن الفتى من يقول ها أنا ذا

    وقال أحد الأدباء ليت أبي لم يكن فاضلا ، قيل له كيف ذلك ؟  قال لأن فضله صار نقصًا لي عندما قصّرت عن درجته ورتبته ، فذكر النقاد أن فضل الأب الفاضل يزيد من منقصة الولد الناقص حين يقصّر عن فضل آبائه وأجداده ، أما إذا أضاف الولد إلى رصيد آبائه وأجداده فهذا فضل يضاف إلى فضل ، وبناء يوضع على أساس متين ، على حد قول زهير بن أبي سلمى :

وما بك فضل أتوه فإنما                                      توارثه آباء آبائهـــــم قبــــــل

    وعلى أقل تقدير تكون عند حسن ظن القائل :

نبني كما كانت أوائلنا                                       تبنى ونصنع كالذي صنعـوا

    وقد زرت أول أمس الأربعاء 9 / 4 / 2014 مقر إجراء المسابقة العالمية الحادية والعشرين للقرآن الكريم التي يشارك  في نحو 70 متسابقًا من 46 دولة , فتملكني شعوران متناقضان : أحدهما فخر واعتزاز , والآخر عتب وأسى , أما الفخر والاعتزاز , فهو لمستوى هذه المسابقة في الإتقان والإحكام والتنظيم وقدرة العقل المصري والشباب المصري علي الابتكار والإبداع والتعامل الراقي مع التكنولوجيا , ومستوى المُحكمين , حيث كان على المنصة خمسة مُحكمين من مصر , والبحرين ، والسودان , والسنغال ، وموريتانيا , إضافة إلى مستوى المتسابقين الذي يُشرح الصدر , ويؤكد أن الأمه لا تزال بخير , وستظل بخير إلي يوم القيامة إن شاء الله تعالى , وصدق الله العظيم حيث يقول : ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر : 9 ) .

    وتأتي لإقامة هذه المسابقة لتؤكد حرص مصر قيادة وشعبًا على خدمة كتاب الله وإكرام أهله، ويتضح ذلك من خلال استضافة هذه الكوكبة من أبناء الدول المشاركة من شتى بقاع العالم ، من السعودية ، والكويت ، والبحرين ، واليمن ، والأردن ، والسودان ، والسنغال ، وكينيا ، وبورندي ، وأوغندا ، وروسيا ، والصين ، وبنجلاديش ، والفلبين ، وباكستان ، وكازاخستان ، والنيجر ، والكونغو ، وغيرها من الدول ، على أنك تجد في المتسابقين جميعًا ما يسر نفسك من روح المحبة والمودة والتسامح الإنساني من جهة ، والإقبال على كتاب الله عز وجل حفظًا وتلاوة وإتقانًا من جهة أخرى .

    أما الذي آلم نفسي ونال منها فأمران :

   أولهما : أن بعض القنوات المتخصصة أو شبه المتخصصة التي كانت تعنى بشأن القرآن الكريم قد خرجت عن السياق عندما انحرفت عن رسالتها القرآنية التي كانت معلنة ، وانجرفت بعنف في التيارات السياسية ، فلم تصلح للسياسة ، ولم تبق للقرآن ، مما يزيدنا إيمانًا بأن تكون الدعوة للدعوة بعيدًا عن التحزب السياسي أو المذهبي ، وعدم خلط الدعوي بالسياسي .

    الآخر : أن هذه المسابقة كانت في حاجة إلى تغطية إعلامية أوسع بما يتناسب ومستوى الحدث ، ويضيف إلى ريادة مصر الدينية والثقافية في العالمين العربي والإسلامي ، بل يدعم مكانتها في شتى بقاع العالم كرمز للسماحة والوسطية وخدمة كتاب الله ( عز وجل ) ، وإن كنا لا ننكر أن بعض الوطنيين الشرفاء قد بذلوا في ذلك جهدًا يستحقون عليه شكرًا كبيرًا ، لكنها جهود فردية ، ولازال العقل الوطني الجمعي في حاجة إلى مزيد من الحركة والنمو .

     إن ثقافة البناء التي نريدها هي التي تبني ولا تهدم ، هي التي لا تعرف التدمير ولا التخريب ، ولا العصبية العمياء ، ولا الدماء ولا الثأر ولا الانتقام  ، هي التي لا تعرف سوى طريق واحد هو طريق البناء فقط ، هو طريق التعمير فقط ، هو طريق الضمير الوطني الذي يعمل لصالح الجماعة لا لصالح الفرد وحده ، هو الذي يؤثر المصلحة العليا للوطن على أي مصلحة شخصية أو فئوية أو حزبية ، هي الثقافة التي تتجاوز الشكل إلى المضمون ، والتجمل إلى الجمال ، والتصنع والتكلف إلى العطاء الحقيقي النابع من الإيمان بالوطن ، والرغبة في بنائه وتقدمه ورقيه .

أحسن الحديث

Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

القرآن الكريم معجزة الإسلام الكبرى ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، وهو أحسن الحديث ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيْثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُوْدُ الَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُوْدُهُمْ وَقُلُوْبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِيْ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.” (الزمر : 23)

وهو الذي لا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، لم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا ”  إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ” (الجن : 1-2)

وما أن سمع أحد الأعراب قوله تعالى : ” وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” ( هود : 44 ) حتى انطلق قائلا : أشهد أن هذا كلام رب العالمين لا يشبه كلام المخلوقين ، وإلا فمن ذا الذى ينادي الأرض أن تبلع ماءها فتبلع ؟ وينادي السماء أن تقلع عن إنزال الماء فتقلع ؟ ويأمر الماء أن يغيض فيطيع ويسمع ؟ ويأمر السفينة أن ترسو على مكانها الذى أراده فتفعل ؟ إنه رب العالمين الذى تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن ، ويسجد له الكون كله.

وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” إِنَّ للَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَمَنْ هُمْ ؟ قَالَ : ” أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ وَخَاصَّتِهِ ” ، ومن قرأ القرآن كان له بكل حرف حسنة ، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ” مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ” .

والقرآن الكريم يرفع من شأن صاحبه في الدنيا والآخرة ، فعن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ” يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ” ، ومما يؤكد علو منزلة حامل القرآن ما كان من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع أبي بن كعب ، حيث قال  ( صلى الله عليه وسلم ) لأبيّ : ” إني أمرت أن أعرض عليك القرآن  ، فقال أبيّ (رضي الله عنه) : عليّ أنا يا رسول الله ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم عليك أنت يا أبيّ ، فقال أبيّ : أذكرت لك باسمي يا رسول الله ؟  فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم لقد ذُكرت لي باسمك ونسبك في الملأ الأعلى يا أبيّ ” .

ومن باب العناية بالقرآن وإكرام أهله وحفظته وبخاصة الناشئة تأتي المسابقة العالمية الحادية والعشرون للقرآن الكريم التي تتبناها وزارة الأوقاف المصرية على مدار أسبوع كامل ابتداءً من غد السبت                     5 من جمادى الآخرة  1435هـ الموافق 5/4 /2014 مـ ، بمشاركة متسابقين و محكمين من نحو 50 دولة منها 22 دولة إفريقية وتدور حول أربع مستويات :

الأول : حفظ القرآن  الكريم كاملاً مع التجويد و الترتيل وبيان أسباب النزول .

الثاني :  حفظ القرآن الكريم كاملاً مع التجويدوالترتيل وتفسير الجزء الثلاثين .

الثالث : حفظ عشرين جزءاً من القرآن الكريم متصلة مع الترتيل و التجويد .

الرابع:  حفظ ثمانية أجزاء متصلة من الجزء الثالث و العشرين إلى الجزء الثلاثين.

وتأتي هذه المسابقة في هذا التوقيت الهام لتحمل عدة دلالات منها :

1-  أن مصر بلد الأمن والأمان وستظل بإذن الله تعالى ، حيث يأتي عقد هذه المسابقة بعد عشرة أيام فحسب من عقد المؤتمر العالمي الثالث والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية  الذي أشاد من حضره من الوزراء والعلماء والمفتيين بالأمن والأمان في مصر .

2-  أن مصر بلد الإيمان والإسلام ، وستظل على العهد وفية لدينها ولأمتها ، ولخدمة كتاب ربها ، فهي كما قال شيخنا وإمامنا الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله ) : البلد الذي صدّر علم الإسلام حتى إلى البلد الذي نزل فيه الإسلام.

3-  أن القيادة الدينية والسياسية معًا في مصر على العهد في خدمة القرآن الكريم وخدمة الوطن ، وكل ما يرفع من شأن مصر ويعمل على استعادة مكانتها العالمية ، وريادتها العربية ، والإسلامية ، والدينية ، والثقافية ، ولا سيما إذا ما تعلق الأمر بحفظ كتاب الله عزّ وجلّ وإكرام أهله والحافظين له .

علمًا بأن هذه ليست المسابقة الوحيدة التي تقوم بها وزارة الأوقاف لخدمة كتاب الله (عزّ وجلّ) ،              بل هي واحدة من مسابقات عديدة لخدمة ديننا وكتاب ربنا عزّ وجلّ .