مقالات

الحصاد المر لدعوة الجماعات والجمعيات

mokhtar-gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 –

         لا يمكن لعاقل أو وطني أو فاهم لدينه فهمًا صحيحًا أن ينكر أن حصاد دعوة الجماعات الإسلامية والجمعيات الخيرية التي صارت في ركابها كان حصادًا مرًا ، فقد زرعوا أشواكًا ، فجَنَينا حنظلا وعلقمًا ..

          لقد أكدنا في أحاديث متنوعة أن دور الجمعيات الخيرية ينبغي أن ينحصر في مهامها الإنسانية والاجتماعية والطبية ، وأنها إن كانت صادقة في رسالتها ، وفي خدمة مجتمعها ، ولا تهدف إلى مصالح خاصة : مذهبية ، أو حزبية ، أو خدمة ” أجندات ” خارجية ، و تعي أن مصلحة وطنها فوق أي اعتبار وكل اعتبار ، فلتترك الدعوة إلى علماء الأزهر المتخصصين ، وتُسلّم عن رضا وطيب نفس الأمر إلى الجهة المختصة بتنظيمه وهي وزارة الأوقاف التي تعمل بتنسيق كامل مع الأزهر الشريف في ظل القيادة الحكيمة لفضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر .

           أما الذي حدث في العقود والسنوات الأخيرة من جماعة الإخوان الإرهابية ، ومَن دار في ركابها من الجماعات الإرهابية المتشددة وبعض الجمعيات التي أعلنت عن هويتها وكشفت عن حقيقتها بمجرد وصول الإخوان إلى السلطة ، وتبنّى كثير منها أفكارًا مقحمة على ثقافتنا الإسلامية الصحيحة السمحة ، وعلى روحنا المصرية الأصيلة ، وعادتنا وقيمنا الراسخة ، وثقافتنا وبنائنا الحضاري الذي لا يعرف العنف ولا الإرهاب ، فنشأت موجات التشدد والتكفير ، والإرهاب والتفجير ، والطامة الكبرى أن يُرتكَب ذلك كله أو أكثره باسم الدين ، وكما قال فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر : والأدهى والأمرّ أن تُرتكَب موجات التفجير والقتل باسم الدين وتحت صيحات التكبير والتهليل ، والإسلام من ذلك كله براء .

           ومن هنا نؤكد وسنظل نؤكد أن الإسلام بريء من هؤلاء وأمثالهم وتصرفاتهم ، وأننا أكثر من عانى ويعاني من أفعالهم الهوجاء التي تؤثر سلبًا على وحدة مجتمعاتنا وعلى اقتصادنا وبخاصة في مجال الاستثمار ، بل إنها تدمر عن عمد بعض جوانبه كالسياحة مثلا ، ونؤكد أن الإسلام دين سلام ، وأن الحضارة الإسلامية استوعبت حضارة الآخرين ، وأكدت على أهمية التعارف الإنساني والتواصل الحضاري بما لم تهتم به أي حضارة أخرى ،  أو يدعو إليه أي دين آخر بنفس القدر من احترام الآخر وتقديره .

* * *

          وحتى يتخلص المجتمع المصري من تلك الآثار السلبية ، كان لابد من إجراءات في مجال ضبط الخطاب الدعوي ، والحفاظ عليه من أن تخطتفه موجات التشدد من جديد ، أو أن تعود به إلى أيام سئمها المصريون جميعًا حين أخذ الخطاب الديني يشق الصف المصري بدلا من أن يعمل على جمعه ، وكان من أهم أسباب ذلك اقتحام غير المتخصصين لمجال الدعوة والفتوى ، وإقحام السياسة مجال الدعوة ، وتوظيف المجال الديني للمصالح الحزبية والسياسية والفئوية ، ومن هنا كان لنا بعض الإجراءات التي نريد أن تصل إلى واقع ملموس حتى نقضي على آثار هذا التشدد ، منها:

1-  قصر الخطبة على المسجد الجامع ، وعلى المتخصصين من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف .

2-  إسناد الأمر إلى أهله ، فلا شك أن السياسة الشرعية تقتضي إسناد كل أمر إلى أهله المتخصصين فيه ، سواء من القيام على شئون الجند ، أو شئون الشرطة ، أو شئون الأسواق ، أو شئون المساجد ، وسائر شئون الدولة ، وما كان لعامة الناس أو خاصتهم أن يفتئتوا على الحاكم أو الرئيس أو النظام القانوني للدولة بأن يحاول كل فريق منهم أن يقتطع لنفسه جزءًا من هذه الاختصاصات خارج نطاق الدولة ، أو إقامة سلطة موازية لسلطتها الرسمية ، فلا تكون هناك دولة قوية ولا نظام محكم ، وعليه فلا ينبغي أن تصنف المساجد ، هذه مساجد أنصار السنة ، وتلك مساجد الجمعية الشرعية ، وأخرى للدعوة السلفية ، وإنما هي جهة واحدة تشرف على جميع مساجد مصر ، وهي وزارة الأوقاف ، يقول الحق سبحانه : ” وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا” (الجن:18) ، ومن هنا كانت دعوتنا إلى إزالة جميع اللافتات التي ترتبط بالجماعات أو الجمعيات من على واجهات المساجد .

3-  قصر الفتوى على أهلها المتخصصين ، فلا يسمح لغير المتخصصين بالفتوى ، وعليه ندعو إلى تفعيل لجنة الانضباط والقيم التي تقدمنا بمقترح إنشائها إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر .

4-  قصر صدور المجلات الدينية على الجهات المتخصصة بالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف .

          ونؤكد أننا لسنا ضد العمل الاجتماعي والإنساني للجمعيات الوطنية التي تعمل في النور تحت إشراف وزارة التضامن الاجتماعي والجهات المعنية بالدولة ، بل إن من واجبنا الدعوي والوطني في وزارة الأوقاف أن ندعم الدور الاجتماعي والإنساني والطبي والتنموي الذي تقوم به هذه الجمعيات لتقديم خدمة حقيقية للمجتمع والإسهام في تنميته ، لكننا في الوقت نفسه نؤكد أننا في وزارة الأوقاف لن نسمح لهذه الجمعيات أن تقتحم مجال الدعوة المُسنَد شرعًا وقانونًا إلى الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ، وأننا سنقاوم بكل قوة وحسم أي محاولات لهذه الجمعيات وقياداتها لاقتحام المساجد دعويًا أو اختراقها فكريًا .

مصــر التـي نـريـدهــا

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 –

        مصر التي نريدها هي مصر التي يشعر فيها كل مواطن بأمنه الاجتماعي ، والاقتصادي ، والنفسي ، مصر الرائدة في أمتها العربية ، وأمتها الإسلامية ، وفي محيطها الإقليمي ، هي مصر المؤثرة في صنع السياسات التي يحسب لها حسابها في المنتديات والمحافل الدولية ، هي مصر التي تمد يد العون لعمقها الإفريقي ، وتكون صمام أمان لعمقها العربي، هي التي تكون معقد الأمل لشبابها ، مصر الوسطية والاعتدال ، مصر السماحة ، مصر الحضارة ، مصر العدالة ، مصر الحرية المنضبطة وضوابط القانون بضوابط الإيمان بالله ( عزّ وجلّ ) ، وضوابط المصلحة العليا للوطن ، مصر العمل والإنتاج، مصر الإرادة السياسية الصلبة القوية المستقلة غير التابعة في قرارها السياسي لأي جهة ، سوى ما تمليه عليها مصلحة أبنائها ، ومصلحة أمنها القومي ، ومصلحة أمتها العربية ، وحتى نصل إلى هذه الآمال التي نسعى إليها ينبغي أن نقوم بخطوات عملية سريعة وغير نمطية ولا تقليدية على أرض الواقع ، من أهمها :

1- ثورة في العمل والإنتاج .

     فالأمم التي لا تملك قوتها وغذاءها ودواءها وسلاحها لاتملك كلمتها ولا استقلال قرارها السياسي ، فأي إصلاح سياسي أو اجتماعي لابد له من قوة اقتصادية تسانده بقوة ، كما أن بناء الأمن القومي ، وأمن الوطن داخليًا وخارجيًا ، يحتاج إلى موارد اقتصادية في عالم لا يعرف العواطف ، وإنما تحكمه في الغالب الأعم المصالح والمكاسب ، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بمزيد من الجهد والعرق ، والعمل والإنتاج ، وعلينا أن نأخذ بأقصى الأسباب المتاحة ، وأن يبذل كل منا أقصى جهده لإتقان عمله وأدائه على الوجه الأكمل ، فإننا لفي حاجة ملحة إلى جهود كبيرة وعاجلة في ترسيخ ثقافة العمل وأهميته للفرد والمجتمع .

2- ثورة إدارية .

     وحتى نصحح منظومة العمل فلابد من ضوابط حازمة تُعين الأفراد على إصلاح أوضاعهم وتصحيح مسارهم العملي ، ولن يكون ذلك إلا بأمور منها تفعيل مبدأ الثواب والعقاب ، وأن تكون الأجور والمكافآت والحوافز مرتبطة بالإنجاز والإنتاج وتحقيق الأرباح ، إضافة إلى تمكين الكفاءات الوطنية ، وتقديم الكفاءة على أي ولاءات أيّا كان نوع هذه الولاءات ، وهذا مبدأ شرعي ووطني ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ , فَقَدْ خَانَ اللهَ , وَرَسُولَهُ , وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ” ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) :  “من ولّى من أمر المسلمين شيئا فولّى رجلا وهو يجد أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ” .

3- ثورة في الأخلاق .

      لا يمكن لأي حضارة أن تُبنَى بلا أخلاق ، وأي حضارة تقوم بعيدًا عن الأخلاق تحمل عوامل سقوطها قبل قيامها ، ومآلها إلى الزوال والاندثار ، فالأخلاق ليست رفاهية ، وإنما هي صمام أمان الأمم والمجتمعات ، فالصدق ، والأمانة ، والوفاء ، والتكافل ، واحترام الآخر ، وسائر الأخلاق لا غنى عنها لأي أمة أو مجتمع ، وهي من القيم التي أجمعت عليها سائر الشرائع السماوية ، فلم تنسخ في أي ملة من الملل أو دين من الأديان ، ولذا لخص نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) هدف رسالته فقال : ” إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ ” ، فمع أهمية العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج لم يقل ( صلى الله عليه وسلم ) : بُعثت لأُعلّم الناس الصلاة أو الصيام أو الحج على أهمية ذلك في حياة المسلم ، إنما ركز ( صلى الله عليه وسلم ) على عنصر الأخلاق ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ” إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا ” ، ويقول الشاعر :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

4- العدالة الكاملة .

        فلا شك أن العدل ميزان الملك ، وأن الله ( عزّ وجلّ ) ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة ، ولا ينصر الأمة الظالمة ولوكانت مؤمنة ، وكتب أحد الولاة إلى سيدنا عمر بن الخطاب أن اللصوص قد كثروا في المدينة ، فكتب إليها سيدنا عمر (رضي الله عنه) : أن حصّنها بالعدل، وعندما جاء رسول كسرى ملك فارس إلى سيدنا عمر ( رضي الله عنه ) ووجده نائمًا آمنًا تحت ظل شجرة ، قال قولته المشهورة : حكمت فعدلت فآمنت فنمت يا عمر .

      ومن أهم ألوان العدل العدالة الاجتماعية الحقيقية التي تعني بالفقراء والمحتاجين والمهمّشين ، فتراعي الطبقات الأقل دخلا والأكثر احتياجًا ، وليس العدالة فقط في توفير الدعم المادي والعيني أو النقدي ، وإنما تكون العدالة في الحصول على فرص متكافئة في التعليم ، والتوظيف ، والصحة ، والعمل على توفير بنية أساسية قوية في المرافق العامة من الطرق والكباري والكهرباء والصرف الصحي مع عدالة التوزيع الجغرافي في هذه الخدمات ، وهو ما نُؤمّل أن نراه واقعًا ملموسًا على أرض الواقع .

مخاطر انتشار الإلحاد (1)

mokhtar-gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

       الدين قوام الحياة الطبيعية وعمادها ، والحياة بلا دين حياة بلا قيم ، بلا ضوابط ، بلا أخلاق ، والدين هو العمود الفقري لضبط مسار البشرية على الطريق القويم ، ولا يمكن للقوانين الوضعية والأعراف والتقاليد وحدها مهما كانت دقتها أن تضبط حركة الإنسان في الكون مالم يكن لهذا الإنسان ارتباط وثيق بخالقه ، وقد قال أحد الحكماء : من الصعب بل ربما كان من المستبعد أو المستحيل أن نخصص لكل إنسان شرطيًا أو حارسًا يحرسه أو مراقبًا يراقبه ، وحتى لو خصصنا لكل إنسان شرطيًا يحرسه أو مراقبًا يراقبه ، فالحارس قد يحتاج إلى من يحرسه، والمراقب قد يحتاج إلى من يراقبه ، ولكن من السهل أن نربي في كل إنسان ضميرًا حيًّا ينبض بالحق ويدفع إليه ، راقبناه أو لم نراقبه ، لأنه يراقب من لا تأخذه سنة ولا نوم ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ”  ( البقرة :255) .

       وقد أجمعت الشرائع السماوية على ما فيه خير البشرية ، وما يؤدي إلى سلامة النفس والمال والعرض ، وقيم : العدل ، والمساواة ، والصدق ، والأمانة ، والحلم ، والصفح ، وحفظ العهود ، وأداء الأمانات ، وصلة الأرحام ، وحق الجوار ، وبر الوالدين ، وحرمة مال اليتيم ، وقد جمع القرآن الكريم القيم والمشتركات التي أجمعت عليها جميع الشرائع السماوية ، في قوله تعالى : ” قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ  ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ  وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ۖ وَبِعَهْدِاللَّهِ أَوْفُوا  ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ  وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” الأنعام (151-153).

        فهذه المعاني كما قال ابن عباس وغيره من أهل العلم : لم تنسخ في أي شريعة سماوية ، بل هي أصل مشترك في جميع الكتب والديانات والشرائع المنزلة من الله ( عز وجل ) ، لأنها في جملتها وعبر مراحل نزولها المختلفة كانت تعمل على تحقيق قيم التعايش السلمي بين بني البشر جميعًا ، وهو من أهم المعاني السامية للأديان كلها .

        وفي الآيات الكونية ما يؤكد على وجود الخالق وعظمته ، وأن لهذا الكون ربًا عظيمًا ، سواء ما ذكر من هذه الآيات على سبيل الإعجاز أم على سبيل التحدي ، يقول الحق سبحانه : ” خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ  ” ( لقمان : 10-11 ).

        ثم يتحدى البشر جميعًا أن يأتي أحد منهم بشيء من هذا ولو أن يخلقوا ذبابًا ، فيقول سبحانه: ” إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ” (الحج : 73-74 ) .

        ثم يتحدث القرآن الكريم عن رحلة خلق الإنسان في إعجاز مبهر مازال الطب الحديث رغم كل جوانب ومظاهر التقدم العلمي يقف منبهرًا أمام عظمة ومراحل هذا الخلق ، فيقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ” ( المؤمنون : 12-14) .

        وفي مجال التحدي الكوني تأتي آية مبهرة مازال التحدي بها قائمًا وسيظل قائمًا إلى يوم القيامة ، وهو ما ورد في قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود بن كنعان : ” إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ” ( البقرة : 285 ) .

       على أن للإلحاد مفاسد وشرورًا لا تُحصى ولا تُعد على الفرد والمجتمع والأمم والشعوب ، منها : اختلال القيم وانتشار الجريمة وتفكك الأسرة والمجتمع والخواء والاضطراب النفسي ، وتفشي ظواهر خطيرة كالانتحار ، والشذوذ ، والاكتئاب النفسي ، وهو ما نفصله في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى .

أسس الحوار الحضاري

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

– 

    ابتداءً نؤكد أن مؤتمر ” الحضارات في خدمة الإنسانية ” الذي شاركنا في افتتاحه وبعض ندواته بالعاصمة المنامة بدولة البحرين الشقيقة يُعد نقطة مضيئة ولبنة قوية في ترسيخ أسس الحوار وتقوية أواصره .

     ولا شك أن المراكز والمعاهد والمنتديات والمؤتمرات المتعلقة بالحوار بين الحضارات صارت ظاهرة تنم عن شدة الوعي بأهمية الحوار وخطورة الصدام ، غير أنها – وإن كانت تسهم في تخفيف حدة التوتر  – إلا أنها لم تؤت أكلها المنشود على أرض الواقع ، فثمارها لما تنضج بعد .

     ولا شك – أيضًا – أننا ينبغي أن نعظم دور المراكز والمعاهد المعنية بالحوار بين الأديان والثقافات والحضارات ، وأن نعمل على الإفادة من التوصيات التي تنتهي إليها البحوث والمنتديات والمؤتمرات المتعلقة بهذا الشأن ، وأن نبني ذلك على مرتكزات محددة وأسس واضحة للحوار .

ومن أهم هذه الأسس :

1- تحكيم لغة العقل و رغبة جميع الأطراف في نبذ العنف والكراهية والتطرف والإرهاب ، إيمانًا بأن قضية الصراع ليس فيها رابح مطلق أو خاسر مطلق ، وأن عواقب الصراع والعنف والتطرف وخيمة على الإنسانية جمعاء ، وأنه لا بديل للإنسانية عن البحث في القواسم والمصالح المشتركة ، ونقاط الالتقاء لما فيه خير البشرية بعيدًا عن الحروب والصراعات والقتل والاقتتال والتخريب والتدمير .

2- السعي إلى التعارف ، وطريق الانفتاح على الثقافات الأخرى ، وليس الانغلاق المحكم الذي يؤدي بنا إلى الخوف من الآخر المجهول ، فتعميق الوعي بالآخر وثقافته ومجريات حياته يجعله بالنسبة لنا أقل غرابة ، ويجعل الحوار معه أكثر يُسرًا وأسهل مأتى وتناولا .

     وقد حثنا الإسلام على هذا التعارف والسعي إليه فقال سبحانه : ” وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ” ، ويقولون مَن جَهَل شيئًا عاداه ، وإذا كان الحكم على الشيء فرعًا عن تصوره كما يقول المناطقة فلابد أن نتعرف على ما لدى الآخر من قيم ومثل وثقافات ، وأن نحلل ذلك تحليلا جيدًا محايدًا ومنصفًا قبل الحكم له أو عليه ، وألا تكون لدينا أحكام وقوالب جاهزة مسبقة في الحكم على الآخرين .

     وهو ما تنبه إليه شيوخ الأزهر الشريف عبر تاريخه الطويل ، فكتب الشيخ محمد عرفه في مجلة الأزهر عام 1946م : يجب أن يفهم الغرب الإسلام ، وأن يفهم الإسلام مدينة الغرب ، فإنهما إذا تفاهما زال ما بينهما من سوء ظن ، وأمكن أن يعيشا معًا متعاونين ، يؤدي كل منهما نصيبه من خدمة الإنسانية ، كما ينبغي على العلماء المسلمين أن يبنوا مدينة الغرب على حقيقتها ليحل التعارف محل التناكر ، ويحل السلام محل الخصام .

3- أن تكون لدى جميع الأطراف الرغبة الحقيقية في إعلاء القيم المشتركة وتجنب جميع مظاهر الأنانية والاستعلاء ، يقول فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها في افتتاح مؤتمر “الحضارات في خدمة الإنسانية” بالعاصمة البحرينية المنامة : لقد كان المسلمون منصفين لأصحاب الحضارات الأخرى إلى أبعد الحدود ، حتى وإن خالفوهم الرأي وعارضوهم فيه ، وقد بلغ من إنصاف المسلمين أنهم كانوا يقبلون الحق من غيرهم ويشكرونهم عليه ، ويتحفظون على ما يخالف الحق ويعذرونهم فيه ، يقول الفيلسوف المسلم ابن رشد محددًا منهجه   في الأخذ من ثقافة اليونان وغيرهم: ” يجب علينا أن ننظر في الذي قالوه وما أثبتوه في كتبهم ، فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم، وسُررنا به ، وشكرناهم عليه ، وما كان منها غير موافق للحق نبّهنا عليه وحذّرنا منه ، وعذرناهم .

     ولا شك أن التعالي والاستعلاء من جانب الغرب قد أضاعا على العالم فُرصًا كبرى للتلاقُح والتثاقُف بين حضارة الغرب وحضارات الشرق ، والتي هي أعرق من حضارة الغرب ، وأكثر منها عقلانية وواقعية ، وكان بإمكانها – لو تخلّى الغرب عن سياسة الاستعلاء – أن تُنقذ العالم من حروب القرن الماضي ، وما خلّفته من كوارث وخراب ودمار ، بل ومن الحروب التي تتربّص به اليوم من جديد .

     هذا التعاون أو التعارف بين الحضارات ، والذي أضاعه الغرب ، وكان مصدر أسى وندم عند عقلائه وحكمائه تَنبّه إليه شيوخ الأزهر منذ أربعينيات القرن الماضي، ودعوا إليه ، وإلى نشر  ثقافة التسامح لصالح البشرية كلها .

4- التركيز على الإفادة من النافع والمفيد ، وغض الطرف عن خصوصيات الآخر الثقافية التي لا تتفق مع قيمنا وحضارتنا ، في ضوء الاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب ، من غير أن يحاول الغرب أن يفرض قيمه وأنماط حياته الخاصة على الشرق ، ولا أن يحاول الشرق حمل الغرب حملا على مفردات حضارته وثقافته وقيمه وتراثه ، بل على الجميع أن يُعلي من شأن القيم المشتركة من حرمة الدماء والأعراض والأموال ، والحرص على الأمانة والصدق والوفاء وما أجمعت عليه الشرائع السماوية والقيم الإنسانية ، فيبحث الجميع عن المتفق عليه ، ويعذُر بعضهم بعضًا في المختلف فيه .