مقالات

حيّ على العمل

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

       في شهر رمضان وما يسبقه من أيام وليال ، ودروس وعبر ، يتفنن أكثر الدعاة في العناوين الجذابة ، والنقاط الهامة ، وهي كذلك ، بل إن تناولها يُعد أمرًا هامًّا ، على شاكلة : رمضان شهر القرآن ، رمضان شهر الجود والكرم ، رمضان شهر الصبر ، رمضان شهر الرحمة ، رمضان شهر البر والصلة ، رمضان شهر الدعاء والإجابة ، وهو كذلك في كل ما ذكر ، غير أن هناك جانبًا هامًّا من الجوانب قد يُفهم على غير وجهه الصحيح ، أو لا يكون فيه التطبيق على مستوى الفهم ، حيث يركن بعض الناس إلى الراحة والكسل ، أو التفرغ الكامل طوال الشهر للعبادة على حساب العمل ، أو التقصير في الواجب المهني أو الوظيفي ، أو إرجاء الأعمال إلى ما بعد رمضان ، فيكون التأجيل والتسويف والترحيل ، أو شغل الوقت المخصص للعمل وخدمة الناس بمزيد من الصلاة وقراءة القرآن في ساعات العمل الرسمية ، حتى لو كان ذلك على حساب قضاء حوائج الناس أو تعطيلها ، أو حمل بعض الناس على الحضور إلى المصلحة الواحدة اليوم تلو الآخر تلو الذي يليه .

        ونؤكد أن الإسلام قد وازن بين حاجة الروح والجسد دون أن تطغى إحداهما على الأخرى ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون ” .

        فالعمل قد يكون فرض عين ، وقد يكون فرض كفاية ، وقد يكون مندوبًا أو مستحبًا أو مباحًا ، وهو محمود على كل حال طالما أنه في مجال التنمية والإنتاج ، لا الهدم والتخريب ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) في الحث على العمل : ” من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له ” ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ” مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. ” ، ونبي الله داود (عليه السلام ) كما أخبر عنه نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ، ولم يمنعه صيامه من العمل ، بل العمل الشاق في صناعة الحديد ، حيث يقول الحق سبحانه: ” وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ” .

        وإذا كان من أخص صفات الصائم المراقبة لله عز وجل فإن ذلك يقتضي مراقبة الله عز وجل في الوفاء بحق العمل ، فالذي يراقب صلاتك وصيامك وإمساكك عن الطعام والشراب هو هو من يراقب وفاءك بحق العمل أو تفلتك منه وتقصيرك في حقه .

        وإذا كان من أهم ما يجب أن يحرص عليه الصائم أكل الحلال واستجابة الدعاء ، فعليه أن يدرك أنه إذا أخذ الأجر ولم يؤد حق العمل فإنه إنما يأكل سحتا وحرامًا ، لأنه يكون قد أخذ أجرًا بلا عمل ، أو أخل بالعقد والعهد والشروط التي يتطلبها العمل ، سواء أكان ذلك عملاً حكوميًا أم خاصًا ، على أن حرمة المال العام أشد ، لأنه حق لأفراد الشعب جميعًا ، وهم سيختصمون من يفتأت على حقهم أمام الله عز وجل يوم القيامة .

         وإذا كان رب العزة لا يقبل صدقة من غلول فإن أهل العلم بل إن أي عاقل يدرك أنه إذا أتعب نفسه بالجوع والعطش ثم أفطر على الحرام الخبيث فما انتفع بصلاة ولا صيام ولا دعاء ولا حج ، لأن نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ”  كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ” .

         ومن هنا يأتي هذا الإنذار المبكر لجميع الهيئات والمؤسسات التي تعد خطتها لشهر رمضان ، وبعضها يعمد إلى تخفيض العمل أو جعله نصف وقت ، وكثير منها يرجئ البرامج الهامة إلى ما بعد رمضان ، ويقول لك : ها نحن مقبلون على رمضان فاجعل هذا الأمر أو ذاك إلى ما بعد العيد ، وبعضهم قد يصدمك بقوله : وهل هذا وقته ، إذا عرضت عليه أمرًا يتطلب جهدًا كبيرًا أو تركيز اً في العمل ، وكان الصيام الذي ينبغي أن يدفع إلى مزيد من النشاط والعمل صار يدفع البعض إلى الخلود إلى الراحة والكسل .

        رمضان شهر العزيمة وشهر الإرادة ، وينبغي لتلك العزيمة القوية والإرادة الفولاذية التي تقهر الجوع والعطش ، بل تقهر سائر الشهوات والموبقات والخصال الذميمة أن تقهر البطالة والكسل ، كما ينبغي أن تقهر العادات السيئة ، وبخاصة لدى المدخنين أو المتعاطين أو المدمنين ، فهذه فرصتهم للإقلاع عن هذه العادات السيئة والأوبئة والسموم  المدمرة القاتلة .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار :
نائب خارج البرلمان

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

  مخطئ من يظن أن خدمة الوطن تنحصر تحت قبة البرلمان وحدها دون سواها , وإلا فإذا كان ما بين خمسمائة أو ستمائة نائب لهم كل الاحترام والتقدير سيكونون تحت قبة البرلمان , فهل هؤلاء وحدهم من سيخدمون قضايا وطنهم ؟ أو أن غيرهم قد يكون شريكًا لهم في هذا الشرف ؟ فقد يكون هناك وطنيون آخرون أكثر همّة وحماسًا وقدرة وعطاء في خدمة وطنهم , فخدمة الوطن شرف على كل حال وفي كل موضع .

  وإذا كان التنافس تنافسًا لخدمة الوطن فلن يكون صراعًا غير شريف أبدًا , فالغاية لدى الوطنيين لا يمكن أن تبرر الوسيلة , ومخطئ شديد الخطأ من يعتقد أن الوطنية تنحصر فيه دون سواه , أو أن خدمة الوطن تكون من منظوره وحده دون منظور غيره , فحمل الناس حملا على طريقة واحدة أو مذهب واحد في الحياة أمر غير ممكن , لاختلاف طبائع الناس , وسنة الله في التنوع , يقول الحق سبحانه : ” وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ” ( الحج : 40 ).

   وليس ذلك مدعاة للتقاعس عن خدمة الوطن ولا لصرف أحد من الوطنيين عن نبل مقصده , وإنما هي دعوة للتنافس الشريف , وإلا فإن الفلاح في حقله , والعامل في مصنعه , والمحترف في حرفته , والمعلم في مدرسته أو معهده , والطبيب في مشفاه , والعالم في مجاله وميدانه , والإعلامي وآلته , قلمًا كانت أم آلة تصوير أم ريشة رسام أو جملة فنان , قد لا يكون واحدًا من هؤلاء أقل أثرًا , بل قد يكون أكثر تأثيرًا في عالم الوجود ودنيا الناس من أصحاب الاستجوابات وطلبات الإحاطة .

  كما أن مجالات العمل الثقافي والتنويري والاجتماعي والإنتاجي لا تقل أثرًا ولا أهمية عن العمل السياسي بل تزيد , فنحن في حاجة إلى جهد كل عالم وعامل , وفي حاجة أشد أن يكون الناس جميعًا من العاملين المنتجين كل في ميدانه دون حاجة أن يكون المجتمع كله من محترفي السياسة , وإن كان الإلمام منها بطرفٍ أمرًا لا مفر منه .

  وأخص بجانب أكبر من هذا الحديث العلماء والدعاة والمفكرين , وأؤكد أن حاجة المجتمع إلى علمهم وفكرهم وثقافتهم وقلمهم ولسانهم وبيانهم أكثر من حاجته إلى نيابتهم عنه تحت قبة البرلمان , وخاصة أن ما يعرف بتسييس الدين أو تجربة الإسلام السياسي كانت شديدة المرارة , بحيث لا يمكن أن يمحى أثرها المر بسرعة من الذاكرة المصرية أو العربية أو حتى العالمية بسهولة أو بهذه السرعة المتوقعة من بعض من يراهنون على فقدان الذاكرة العربية أو ضعفها .

  ولا أظن أن فصيلا سياسيًا يمكن أن يفصل كيانه السياسي عن الدعوي أو يدَّعي أنه لن يوظف الدين لخدمة أغراضه السياسية , ويظن أن الناس ستصدقه بهذه السذاجة , بل عليه أن يثبت يقينًا أنه لن يكرر التجارب المرة في خداع العامة باسم الدين , وأنه لن يسوقها صراعًا جديدًا بين الإيمان والكفر , وأنه لن يكرر غزوة الصناديق , أو أن الصناديق قالت للدين نعم وقالت للكفر لا , وأنه لن يعمد إلى استخدام ما تحت يده من الدعوة استخدامًا انتخابيًا , وأنه لن يقسم المجتمع إلى فسطاطين من جديد , حتى وصل الصراع والانقسام إلى الأسرة الواحدة , فصار الأب في جانب والابن في جانب مقابل أو مضاد , وأحد الزوجين في معسكر الإيمان المزعوم والآخر محسوبًا على المعسكر المرمي بالكفر أو الفسق أو الخيانة .

   إن الدلائل والعلامات ستكون فارقة بين من يبحث عن التمثيل والمشاركة وخدمة الوطن به أو بغيره , من داخل الحكومة أو من خارجها , من تحت القبة أو من أي موقع آخر , وبين من يبحث من جديد أو في ثوب جديد عن مغالبة دينية جديدة , وإن قنّعها بألف قناع وقناع , في ظل العودة من جديد إلى الحديث عن غلبة على الأرض , وأن الآخرين لا وزن لهم ولا ثقل , في استعلاء مقيت لم يعد الشعب المصري ولا العربي يتقبله أو يتحمله .

  أما المشاركة فلا أحد ينكرها على أحد , وإلا لدخلنا في دوائر من الإقصاء والإقصاء المضاد , والصراع الذي لا ينتهي , غير أن محاولات التمترس بالأهل والعشير مرة أخرى من طوائف تنطلق في أي مجتمع من منطلق طائفي أو مذهبي أو أيدلوجي يتجاوز الأرضية الوطنية المحضة أو تحاول القفز فوقها , فإن عاقبته ستكون غير محمودة , وسترتد أول ما ترتد على من يتمترس بها ويظنها طوق نجاته , لكنها قد تفتح أبواب صراعات لا تحتمل , وترتد ببعض المجتمعات إلى نقطة الصفر , وإن كنا نعجب لأقوام كانوا يرون المشاركة في الانتخابات من المحرمات والممنوعات , ثم صاروا يرونها من أوجب الواجبات , والتخلف عنها خيانة للدين وتضييعًا له .

 ومع ذلك نرى أهمية المشاركة وندعو إليها ونحث عليها ونراها حقًا للوطنيين جميعًا على أرضية وطنية مشتركة , ونحذر من المصارعة والطائفية المقيتة وتوظيف الدين من جديد لخدمة المصالح الانتخابية .

  وأؤكد أن تقسيم أي مجتمع الآن على هويات دينية أو مذهبية أو طائفية أمر في غاية الخطورة , ولا يمكن أن يمحو هذه الخطورة بعض الإجراءات الشكلية لاستيفاء بعض الأمور الإدارية أو الإجرائية التي توهم بتحقيق التنوع لتمرير مشروعات لا يمكن لها أن تمر إلا باستيفاء هذه الشكليات , فيتم استيفاؤها من باب الضرورة وبفتوى أن الضرورات تبيح المحظورات , غير أننا نريد أن يكون الإيمان بالتنوع وقبول الآخر حقيقة لا شكلا , إيمانًا بالتنوع وليس احتيالا عليه, وصدق الحق سبحانه وتعالى إذ يقول : ” وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ..” ( هود : 118، 119 ) .

 

توكُّـــل لا تواكـــل
أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

    قد يكون التنظير للمصطلحات العلمية والفكرية والدعوية والإيمانية سهلاً عند بعض العلماء والمثقفين ، وقد يتجرأ على ذلك أنصاف و أشباه المثقفين وفــق محصولهم الثقافي والمعرفي ، لكنَّ القضية الحقيقية تكمن في مستوى الوعي بالمصطلح ومستوى تطبيقه.

   فالتوكل على الله عز وجل يقع في منطقة وسط بين الشطط في الأسباب  والتعلق  المطلق بها  والتواكل القائم على إهمال الأسباب أو تعطيلها أو تهميشها ، فهو قائم على الأخذ بالأسباب  بقوة وجدية، وهمة وعزيمة، وتفويض أمر النتائج لله – عز وجل، ففي قول الحق سبحانه وتعالى :-  ” وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ” ، يقول أهل العلم : إن ” مَّا  ” هنا غائية ، أي أعدوا  لهم أقصى ما تملكون وما تستطيعون من أسباب  القوة ، فإذا أخذتم بهذه الأسباب في أقصى درجاتها ما عليكم بعد ذلك إلا أن تفوضوا أمر النتائج إلى الله عز وجل .

  ونرى أن الناس في هذه القضية ثلاثة أقسام :

    فريق عطّل الأسباب ، ولم يحسن التوكل ، وإنما تواكل وتكاسل ، فهؤلاء نقول لهم ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : ” لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني ، وقد علمتم أن السماء لا تمطر  ذهباً  ولا فضة “ ، كما نذكرهم  بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ” لو توكلتم على الله عز وجل حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروحُ بطاناً ” أي تذهب شديدة الجوع وتعود ممتلئة البطون ، فهي تعمل وتتحرك وتأخذ بالأسباب ، تغدو وتروح ، ولا  تجمد في مكانها وأعشاشها وتقول : اللهم ارزقني أو أمطر عليَّ حبَّك ورزقك .

    وممّا يُدعم قضية الأخذ بالأسباب ، قوله تعالى : ” هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ” ، وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : خيركم من يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود – عليه السلام – كان يأكل من عمل يده ” ، وقوله (صلى الله عليه وسلـم ): “من بات كالاًّ من عمل يده بات مغفوراً له ”  .

     وفي قوله تعالى لمريمعليها السلام –  وهي نفساء : ” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً إشارة واضحة إلى أهمية الأخذ بالأسباب ، وإلا فما عسى أن  تفعل نُفساء ضعيفة في جذع نخلة راسخة قوية ، لقد كان من الممكن عقلاً وواقعاً أن يؤتى لها بالتمر على طبق من ذهب دون عناء أو تعب ، ولكن كما قال الشاعر:

ألـم تـر أن  الله قـال لمــريــــم

وهزي إليك الجذع تساقط الرطب

ولو شاء أن تجنيه من غير هزة

جـنـتــه ولكـــن كل شيء له سبب

     أما الفريق الثاني فقد أسرف في اعتماده على الأسباب ، ظانًا أو متوهمًا أن الأسباب تؤدي بطبيعتها إلى النتائج ، غير مدرك أن للكون خالقا قادرًا حكيمًا يقول للشيء كن فيكون ، يجري أسبابه حيث يريد ، ويوقف جريانها حيث يريد ،” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ” غير أنه سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا .

    وأما الفريق الثالث فهو من شرح الله صدره للإسلام علمًا وفقهًا وفهمًا وتطبيقًا ، فأخذ بالأسباب بقوة ، مفوضًا أمره في النتائج إلى الله عز وجل، راضيًا بها ، مدركًا أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وما أصابه لم يكن ليخطئه.

     وكان سيدنا عراك بن مالك يأتي إلى المسجد يوم الجمعة مبكراً للصلاة ، فإذا قضيت الصلاة انصرف ووقف على باب المسجد قائلاً : ” اللهم إني قد أجبت دعوتك ، وأديت فريضتك ، وانطلقت كما أمرتني فارزقني من فضلك الكريم” استجابة عملية وتطبيقية لقوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ” .

     إننا نريد شعبًا متوكلاً آخذًا بالأسباب لا متواكلاً مهملاً لها ، نريد فهمًا لحقيقة التوكل ، نريد مزيدًا من العمل والإنتاج ، نريد أن نسابق الزمن    لنستدرك ما فات ، وندرك من سبق ، ونسابق من ينافس ، ونحقق الكفاية و الرخاء لأنفسنا ولأوطاننا في الدنيا ، ومرضاة ربنا عز وجل في الدنيا والآخرة ، بالامتثال لأمره وشرعته ، مؤكدين أن من رحمة الله عز وجل بنا أنه يُحاسبنا على الأخذ بالأسباب لا على تحقيق النتائج ، فإن وصلنا إلى ما نريد وما نعمل له فذلك فضل الله وتوفيقه ، وإن كانت الأخرى لقينا الله عز وجل ومعنا العذر.

   كما ينبغي أن نبني حركة حياتنا الآخذة بالأسباب في إطار الرؤية العقدية والإيمانية الصحيحة التي لا تنفك ولا تنفصل عن حقيقة التوكل الصحيح الذي  عمل القرآن الكريم على ترسيخه في النفوس ترسيخًا يحميها من كثير من الأمراض العصرية كالتوتر والقلق والاكتئاب والسعي في أسباب غير مشروعة ، لأن ما قدر كان ، وليس للإنسان في النهاية إلا ما كتب له ، والله عز وجل إذا أراد أمرًا هيأ له أسبابه ويسره على صاحبه ، يقول سبحانه: ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ  حَسْبُهُ “ ، ويقول سبحانه : ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً “، ويقول سبحانه : ” مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” ، ويقول سبحانه: ” وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ” , فمفاتيح خزائن الدنيا وما فيها عنده وحده دون سواه ، فلنحسن التوجه إليه والاعتماد عليه ، إنه نعم المولى ونعم النصير.

وثيقة الخطاب الديني

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      يأتي التفكير في إخراج وثيقة وطنية لوضع آليات ومنطلقات التجديد في مجالات الفكر والثقافة والخطاب الديني باعتباره أحد أهم مكونات البناء العقلي والفكري والثقافي للإنسان ، بغية الوقوف على أرضية وطنية وفكرية مشتركة تكبح جماح التطرف والتطرف المضاد ، تراعي مصالح الإنسان والأوطان بعيدًا عن كل ألوان الشطط والغلو .

       ومع إيماننا العميق بأهمية تبني خطاب ديني وسطي ، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والتشدد والغلو ، والتكفير والتفجير ، واللعب بعقول الشباب وعواطف العامة ، وإيمان أشد بمدى تأثير هذا الخطاب الوسطي في محاصرة التطرف والإرهاب ، فإننا نؤكد أنه لا يمكن أن يكون الخطاب الديني هو العامل الوحيد في المواجهة وإن كان أهم عامل فيها ، إنما يجب أن يقوم إلى جانبه خطاب علمي وفكري وثقافي وتربوي وإصلاحي موازٍ ، إذ إن المشكلة تكمن في أمور عديدة بعضها يتصل بالخطاب الديني سواء من جهة جنوح بعض المتاجرين به إلى التشدد والغلو ، أم من جهة وقوع بعض المتحدثين باسمه في دائرة الجمود ، أو دائرة السطحية ، أو عدم الإلمام بفقه المقاصد ، أو فقه الأولويات ، أو فقه الواقع ، أو فقه المتاح ، أو فقه الموازنات ، أو حتى الخوف من التجديد ، أو عدم شجاعة الإقدام عليه ، أو عدم القدرة على التخلص من بعض القيود الفكرية أو المذهبية أو المجتمعية المكبلة للفكر المقيدة للإبداع .

      غير أن هناك جوانب أخرى أهم وأخطر تتعلق بنمط التفكير ووسائل التربية وآلية تكوين العقل ، فنجد وللأسف الشديد أن النمط السائد في جميع التنظيمات الدينية وبخاصة السرية منها وعلى وجه أخص تنظيمات الجماعات والطوائف ذات الطابع الأيدلوجي الخاص أو النفعي ، إنما هو نمط العقلية التابعة أو المنسحقة أو المستسلمة أو المنقادة ، وأن الروح السائدة هي روح العقل الجمعي وحركة القطيع الذي يحركه الراعي الأوحد أو أول منطلق من أفراد القطيع الأقوياء ، دون أن يسأل باقي القطيع نفسه لماذا يتحرك ؟ وفي أي اتجاه يسير ؟ ولماذا هذا الاتجاه دون سواه ، حتى لو كان اتجاها إلى الهلكة والدمار ؟ وهو ما نلمسه واقعا في حركة هذا الشباب المخدوع المغرر به والمنسحق التابع المنقاد دون إعمال للعقل أو الفكر ، حيث يجري هذا النمط من الشباب خلف قيادات نفعية انتهازية تستغل غياب الوعي الكافي أو غياب الوعي أصلا لدى هؤلاء الشباب لتدفع بهم في دروب ومسالك التهلكة في العمليات الانتحارية والتفجيرية والتخريبية دون وازع من دين أو خلق كريم أو أصول مرعية أو ضمير إنساني حي .

        وحتى تتغير عقلية القطيع هذه وعقلية التبعية إلى عقلية فاحصة ناقدة واعية مميزة ينبغي على جهات متعددة أن تعيد النظر في وسائلها وأدواتها ومنطلقاتها ، فإذا أردت أن تحدث نقلة نوعية في أي مجال من المجالات فإنك لا يمكن أن تحدثها بنفس أدواتك ووسائلك القديمة ، بل يجب أن تفكر في وسائل وأدوات مبتكرة وغير تقليدية ، ومن هنا يأتي انعقاد ملتقى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الوطني يوم الاثنين المقبل في الخامس والعشرين من مايو الجاري لنناقش معا سياسيين ، وكتاب ، ومفكرين ، وأدباء ، ومبدعين ، وتربويين ، وعلماء دين ، وعلماء نفس ، وعلماء اجتماع ، وإعلاميين ، كل فيما يخصه آلية الخروج من دوائر الجمود والتخلف والتطرف والعقلية التابعة ، ونعمل معا على إعادة تشكيل وتكوين البناء الفكري والعقلي والثقافي لشبابنا ، وبخاصة هذا الشباب اليافع الذي تخطفته أو اختطفته يد الغدر والتشدد والإرهاب ، وألا يلقي أحد منّا بكل التهم أو التبعة على الآخر ، فليس الوقت وقت كيل الاتهامات والاتهامات المضادة ، أو وقت غسيل الأيدي وإبراء الذمم من التقصير ، فقد لا يسعفنا الوقت ، بل قد يداهمنا بما لا نحتمل من المصائب الأنكى الأشد ونحن ما نزال على أبواب العتاب والعتاب المضاد والتخوين والتخوين المضاد والتأنيب والتأنيب المضاد ، إنما علينا جميعا ، بل على كل واحد منا بعينه أن يضع يده في يد الآخرين على أرضية وطنية صلبة راسخة ، وثقة متبادلة ، وروح وثابة ، وعقول خلاقه مبدعة ، وتفكير خارج الصندوق أو خارج الإطار النمطي التقليدي ، لنبني معا مستقبلنا المشرق بإعادة تشكيل العقل المصري ، بل العربي ، بل الإنساني ، رجاء تحقيق الاستقرار والرفاهية والرقي لوطننا ولأمتنا وللعالم كله والإنسانية جمعاء ، ذلك أن الإرهاب الأسود الغاشم صار يضرب الجميع بلا رحمة ولا هوادة ولا استثناء .

       وإذا كانت وحدة الصف مطلبا على كل حال ، لأن يد الله مع الجماعة ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، فإن العمل على وحدة الصف على المستوى الوطني والقومي والإنساني لمواجهة مخاطر الإرهاب صار مطلبا دينيا ووطنيا وإنسانيا ، كل وفق ما يمليه عليه دينه أو خلقه أو ضميره أو إنسانيته ، لا يتخلف عن هذه المواجهة الحتمية إلا منسلخ من هذه الصفات الأربع مجتمعة .