مقالات

أعداء الدولة الوطنية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     لا شك أن ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية والعمل على إعلاء قيمتها والتمسك الشديد بها في عالمنا العربي يشكل أملا كبيرًا ومحورًا هامًا لدى كل الوطنيين الشرفاء ، كما يشكل هاجسًا ومعوقًا رئيسيًا للأطماع الاستعمارية ، وصدمة كبرى للمستعمرين الجدد وأعوانهم وأذنابهم , وأن الإيمان بالأوطان وحسن الانتماء لها يمد الوطنيين الشرفاء بزاد لا نظير له في الدفاع عنها ، وعن أرضها وعرضها ، وسمائها وترابها ، وعزتها وكرامتها , وخيراتها ومقدراتها , ومقومات وجودها واستمرارها .

      ولا شك أيضا أن أعداء الأمة والاستعماريين الجدد يبذلون أقصى ما في وسعهم لإضعاف الروح الوطنية وتمزيقها حتى يتمكنوا من تنفيذ مخططاتهم , ويسعون لاجتذاب الخونة والعملاء للوصول من خلالهم إلى تحقيق ما يريدون , وكما قال الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري الملقب بـ ” متنبي القرن العشرين ” :

ولقد رأى المستعمِرونَ فرائساً

منَّا ، وألفَوْا كلبَ صيـدٍ سائبـــــا

فتعهَّدوهُ فراحَ طوعَ بَنانِهـــــــمْ

يَبْـرُونَ أنيابـــــاً لــــــه ومَخالبــــا

مستأجَرِينَ يُخرِّبونَ دِيارَهُــــــمْ

ويُكافأونَ على الخرابِ رواتبـــــــا

       والذي لا خلاف عليه بين أهل العلم المعتبرين ممن يُعتد بعلمهم ورأيهم أن حب الوطن من الإيمان , وأن مصالح الأوطان لا تتعارض مع مصالح الأديان , لأن الأوطان هي وعاء الأديان , يقول الشاعر العماني أبو مسلم الرواحي المعروف بـ ” حسان عمان ” :

يا للرجال احفظوا أوطــــان ملتكـــم

فما لكم بعد خذل الدين أوطان

يا للرجال احفظوا أحساب مجدكم

إن لم تكن فيكم للدين أشجــان

       وعندما أُخرج نبينا (صلى الله عليه وسلم) من مكة نظر إليها قائلا : ” والله يا مكة إنك لأحب بلاد الله إلىّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ” , ولما أُمر بالتوجه في صلاته إلى بيت المقدس كان يحب أن يكون هذا الشرف العظيم لمكة المكرمة التي ولد ونشأ بها ، وتقلب في ربوعها وجبالها ووديانها , وتعلقت نفسه وروحه بها ، حيث بيت الله الحرام وحرمه الآمن ، وكان يقلب وجهه في السماء رجاء أن يرزق التحول إليها , حتى أكرمه الله (عز وجل) وكرمه بقوله تعالى : ” قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ..” (البقرة:144) , ولما دخلها فاتحًا منتصرًا جمع أهلها , وقال لهم : يا أهل مكة ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا أخ كريم ، وابن أخ كريم , فقال (صلى الله عليه وسلم) : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ (عليه السلام) : ” لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  ” .

      لكننا للأسف الشديد ابتلينا بأناس وجماعات تتاجر بدينها وأوطانها ومستعدة لأن تبيع أنفسها حتى للشيطان في سبيل خداع ووهم يرسمه لها المستعمرون الجدد , ويزينه لها جنهم وشياطينهم ، ” شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ..” ، فهم ما بين عميل خائن يبحث عن ثراء فاحش أو سلطة خاضعة خانعة ذليلة تابعة , ومنتفعين لا يرون سوى ما تحت أقدامهم وما يحقق شهواتهم وملذاتهم وإن باعوا في سبيل ذلك دينهم ووطنهم وعرضهم وكرامتهم .

       والذي لا شك فيه أن جماعة الإخوان , ومن يدور في فلكها من الجماعات الإرهابية , وما انبثق عنها من تنظيمات إجرامية كداعش وأخواتها , ومن تضم هذه الجماعات من مرتزقة جاءوا من كل حدب وصوب تحت إغراء المال أو النساء أو وهم السلطة والثراء متسترين بعباءة الدين , كل هؤلاء ومن كان على شاكلتهم وبلا استثناء لا يؤمنون بوطن ولا دولة وطنية , إنما يوهمون أتباعهم أن الدين لا وطن له , وأن أرض الله كلها وطن واحد ينبغي أن يستظل بظل دولة الخلافة ، وأن لهم في تنظيمهم الدولي المأوى والملاذ الذي قد لا توفره لهم الأوطان , فيهدمون كل قوعد الوطنية الصحيحة , ويؤثرن مصالح التنظيم ومن يستأجرونهم أو يستخدمونهم أو يمولونهم على كل معاني الوطنية السامية , فهم مستعدون لأن يكونوا جواسيس لهذا التنظيم المزعوم المستخدم من قبل قوى الشر والظلام لتفتيت وتمزيق دولنا العربية والإسلامية من خلال هذه التنظيمات المريبة التي لا تؤمن بوطن .

      ولا يختلف عن هؤلاء في عدائهم للدولة الوطنية كل التنظيمات العرقية والطائفية والمذهبية الموجهة المُسيّسة التي يكون ولاؤها خارج أوطانها , وكذلك الملحدون والماسونيون والبهائيون وسائر التنظيمات التي تُحركها قوى استعمارية أو إمبريالية عالمية .

     ولا مخرج لمنطقتنا وأمتنا من هذه الوباءات والابتلاءات سوى الإيمان بالدولة الوطنية والعمل على إعلاء قيمتها , والتعامل على أساس من الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطنين بعضهم وبعض وبين المواطنين والدولة , فيكون ولاء المصريين جميعًا لوطنهم , وولاء السودانيين جميعًا لوطنهم , وكذلك السعوديون ، والكويتيون , والإمارتيون , والبحرينيون , والمغاربة , واليمنيون , والأردنيون ، يكون ولاؤهم جميعا لأوطانهم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وطوائفهم وأيدولوجياتهم , يؤمنون جميعًا بقيمة الوطن الذي يظلهم , يحافظون على أرضهم وترابه , يعطونه بقدر ما يعطيهم أو ما ينتظرون أن يعطيهم , ثم تكون العلاقات بعد ذلك بين الدول في ضوء الاحترام المتبادل والعهود والمواثيق الدولية وعدم تدخل أي دولة في الشئون الداخلية للدول الأخرى , أو محاولة استقطاب حزب , أو فصيل , أو طائفة  , أو جماعة منها , وإلا لدخلنا في دائرة من الاستقطاب والاستقطاب المضاد لا تنتهي إلا بإنهاك قوانا جميعًا , وهو عين ما يرمي إليه أعداؤنا لضرب بعضنا ببعض وإنهاك قوى كل منا بالآخر , ويبقى هو الرابح الوحيد دون خسائر بل بمكاسب بيع سلاحه وتجريبه فينا وفي بني جلدتنا وإخوتنا في الإسلام أو العروبة أو النسب أو الجوار , فلنستفق قبل فوات الأوان , حتى لا نندم حين لا ينفع الندم , على حد قول الشاعر  :

ولقد نصحتهم بمنعرج اللوى               فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

الأصوات الشاذة والدعوات الهدامة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

      لا شك أن الحياء شعبة من شُعب الإيمان ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ” ، وهو خير كله ، والحياء لا يأتي إلا بخير ، وهو قاسم مشترك بين الديانات السماوية والنبوات ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ” ، والتحلي بالحياء دليل على سلامة الحس الإنساني وصفائه .

      والحياء من القيم الدينية ، والقيم الأخلاقية ، والقيم الإنسانية ، وهو أقسام : الحياء من الله ، والحياء من الناس ، والحياء من النفس ، فالحياء من الله يقتضي حسن المراقبة لله عز وجل في السر والعلن ، والحياء من الناس يقتضي أن يتحلى صاحبه بالمروءة ، وعدم الإقدام على ما يخدش الحياء قولاً أو فعلاً ، سواء فيما يتصل بالشرف والنزاهة ، أم بالذمة المالية ، أم بالمظهر العام ، وقد عد كثير من الفقهاء المروءة وهي تجنب ما لا يحمد فعله شرطًا من شروط العدالة التي لا تقبل شهادة من يفتقدها .

      وهناك الحياء من النفس ، وهو عبارة عن كرم في النفس والطبع ، يجعل صاحبه متحليًا بالمروءة والقيم في سره وعلنه ، بغض النظر عن درجة تدينه ، فهناك أمور لو لم يرد بها دين لتحلى بها أصحاب الطباع السليمة من العفة والطهارة ونظافة اليد ، أو قل ونظافة الظاهر والباطن .

      وقد ظهرت في أيامنا الأخيرة بعض الأصوات الشاذة والدعوات الهدامة التي تدعو بلا حياء ولا خجل إلى الفحشاء ،  ورب العزة عز وجل يقول في كتابه العزيز : ” إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا …” .

      ومن الدعوات الهدامة تلك الدعوات التي تدعو إلى خلع الحجاب أو التي ترى أن ممارسة الزنا قبل الزواج أمر شخصي وحرية شخصية ، مما حدا بالقطاع الديني بوزارة الأوقاف المصرية إلى إصدار بيان هام يؤكد فيه أن تلك الدعوات الإباحية والشاذة الهدامة إنما هي خروج على حدود اللياقة والحياء ، وعلى قيمنا الدينية والأخلاقية ، وعاداتنا وتقاليدنا المصرية الأصيلة ، وهي دعوات يرفضها الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه ، لأنه تربى على العفة والطهارة ، ولا يقر الإباحية والشذوذ الجنسي ولا الفكري ولا الانفلات الأخلاقي ، ولا يمكن أن يجني أصحاب هذه الدعوات سوى الاحتقار والازدراء من عموم الشعب المصري .

      كما أن هذه الدعوات تشكل خطرًا بالغًا على أمننا القومي ، لأنها تعد أكبر وأهم وقود للتطرف والإرهاب ، وتعطيه ذريعة لوصف المجتمع بما ليس فيه ولا يمكن أن يقره ولا يرتضيه ، على أن الأفكار الشاذة لا تعبر إلا عن شذوذ أصحابها ، وأنهم استثناء شاذ ومنفلت في مجتمع محترم يحترم الدين والأخلاق والقيم والتقاليد المرعية .

      وإذا كانت الإحصائيات الصادرة عن مراكز لها وزنها ومصداقيتها تؤكد أن الشعب المصري من أكثر شعوب العالم تدينًا إن لم يكن أكثرها على الإطلاق ، فإن مثل هذه الظواهر الاستثنائية الشاذة لا يمكن أن تنال من تدينه ولا من تمسكه بدينه ، لكنها قد تضع نقطة سوداء في وجهه الحضاري الناصع تحتاج من الوطنيين المخلصين الانشغال بإزالتها ومعالجة آثارها في الداخل والخارج في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جهود كبيرة للتعمير والبناء بدل أن نستنفد الجهد كله في مواجهة الهدامين , سواء أكان ذلك صادرًا منهم بقصد أم بدون وعي ، وتوّج ذلك بخطبة الجمعة اليوم 8 / 5 / 2015م عن موضوع ” الحياء خير كله ” ، التي تؤكد أن الحياء معيار الأخلاق الحسنة وعلامتها ؛ بل هو رأس مكارم الأخلاق ، كما يقول النبي (صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ): ” إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا ، وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ ” وعن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها ) قالت : (رأس مكارم الأخلاق الحياء) .

     فالحياء جامع لكل خصال الخير ، يدفع الإنسان إلى فعل المحاسن ويبعده عن القبائح ، ما اتصف به مسلمٌ إلا حاز الخير الكثير، وابتعد به عن الشر المستطير ، ونال به الثواب العظيم ، وصدق النَّبِىِّ (صلى الله عليه وسلم) حيث قال : ” الْحَيَاءُ لاَ يأتي إِلاَّ بِخَيْرٍ” .

      بل إن الحياء يرتبط بالإيمان ، فإذا غاب الحياء غاب الإيمان ، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ” الحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا ، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ ” .

     فمن الحياء أن يحرص المسلم على سمعته ، فلا يقول أو يفعل ما يلوث سمعته ، ويعرضه للسخرية والأقاويل المغرضة ، وكذلك : محافظة المرأة المسلمة على كرامتها وحشمتها ، ومراقبة ربها ، وحفظها حقَ زوجها ، والبعد عن مسالك الريبة ومواطن الرذيلة ، فحياء المرأة هو سياجها وحصنها وحماها الذي تحمي به شرفها ، وتصون به عرضها ، وتحفظ به سمعتها وكرامتها .

       أما ضعف الحياء في نفوس الناس فيؤدي إلى انتهاك الحرمات ، والخوض في أعراض الناس وأنسابهم ، فكم من كلمة أوقعت صاحبها في الإثم  ؟! وكم من نظرة محرمة أردت صاحبها ؟! ، وهي مقدمة لفعل الفواحش ، من أجل ذلك سد الإسلام الباب المؤدي إلى الزنا ، فقال تعالى : ” وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ” .

        والذي حدا ببعض الناس إلى هذا المستوى المذموم هو ذهاب الحياء من الله عز وجل ، فمن لم يكن له حياءٌ انغمس في الفواحش والمنكرات .

التجديد مرة أخرى

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     سيظل الحديث عن تجديد الخطاب الدينى مفتوحًا وفضفاضًا حتى نتمكن من وضع ضوابط تقرب على أقل تقدير مفاهيم التجديد ومساحته ومجالاته ورجاله وأهله ، وإن كان قد بدا يتبلور  لدينا رؤية تتلخص فى أن التجديد إنما يكون فى مستجدات العصر من القضايا المستحدثة أو تلك التى يخضع الحكم فيها لظروف الزمان والمكان والأحوال ، وهذا التجديد ليس بدعًا فى الدين ، فقد أسس الإمام الشافعى رحمه الله لمذهبه فى العراق ، فلما انتقل إلى مصر ورأى بها ما رأى من تغيير  طبائع الناس وظروف حياتهم عدل عن بعض آرائه الفقهية التى أفتى بها فى العراق إلى رؤية تتناسب والبيئة الجديدة التى وفد إليها ، فعرفت آراؤه الفقهية التى أفتى بها وبنى عليها أسس مذهبه فى العراق بالمذهب القديم ، وعرفت آراؤه الفقهية التى أفتى بها فى مصر واستكمل بها أصول مذهبه بالمذهب الجديد .

    فماذا لو عاش الشافعى (رحمه الله) إلى يومنا هذا ورأى ما نرى من تغير الزمان والمكان والطبائع مع مستجدات العصر ومستحدثاته وتغير موازين القوى فيه ؟

    ونؤكد أن هذا التجديد يعنى الخروج من دائرة الجمود وتقديس غير المقدس إلى آفاق أوسع وأرحب فى الفقه والثقافة والرؤى ، مع الحفاظ على ثوابت الدين وأصوله وقواعده الراسخة المستقرة فى وجدان الأمة مما تواتر عند أهل العلم والاختصاص وتلقته الأمة عبر تاريخها الطويل بالارتياح والقبول فصار معلومًا أو أشبه بالمعلوم من الدين بالضرورة مع توافر أدلته الشرعية الصحيحة الثابتة المعتمدة عند أهل العلم والاختصاص وصار الاعتداء عليه أو النيل منه اعتداء على عقيدة الأمة وتاريخها وحضارتها وكيانها المستقر مما يشكل خطرًا على تماسك بنيتها ونسيجها المجتمعي ، كتلك الدعوات المغرضة الآثمة الداعية إلى خلع الحجاب تارة ، وإلى اعتبار ممارسة الجنس قبل الزواج بدون ضابط شرعى ولا قانونى حرية شخصية  مما يعد شذوذا فى الفكر والثقافة والطرح والتناول وخروجا على قيم المجتمع وأخلاقه وعاداته وتقاليده ، حتى وإن اختلف معتقدهم أو تنوعت مشاربهم العلمية والثقافية والفكرية والأيدولوجية ، لأن الشذوذ الإنسانى ترفضه الفطرة السوية ، ” فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ” (الروم: 30) .

     وكأنموذج راق للتجديد فى الفكر والرؤية والطرح والتناول ومراعاة ظروف العصر وطبيعته ومستجداته، أطرح أنموذجًا هادئًا هادفًا بلا صخب أو ضجيج ، حيث التقيت أثناء سفرى إلى دولة الإمارات العربية الشقيقة لحضور منتدى تعزيز السلم فى المجتمعات المسلمة بالأستاذ الدكتور/  محمد إبراهيم الحفناوى أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف وتناقشنا نقاشًا علميًا موسعًا حول بعض القضايا العصرية والمستجدات المتعلقة بقضية الحج ، ثم أهدانى فضيلته نسخة من كتابه ( زاد المسافر إلى الحج والعمرة ) ودفع إليّ معه ببعض قصاصات ورقية موثقة لما تناقشنا فيه حول قضية من أهم قضايا الحج التي يكثر الجدل فيها سنويا ، وهي قضية ترك المبيت بالمزدلفة والنزول إلى مكة لطواف الإفاضة ، فقد ذكر الدكتور الحفناوى نقلا عن هداية السالك إلى المذاهب الأربعة فى المناسك للإمام العلامة عز الدين بن جماعة المتوفى سنة 767 ه 1051 م ما يلى ” لو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف للإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بمزدلفة لسبب الطواف لا شئ عليه كما قال الشافعية لأنه اشتغل بركن ” ، ثم يقول ابن جماعة فى كتابه هداية السالك ” ومن مر بمزدلفة ولم ينزل بها فعليه دم وإن نزل بها ثم دفع منها فى أول الليل أو فى وسطه أو فى آخره وترك الوقوف مع الإمام أجزأه ولا دم عليه ” .

     ونقل الدكتور الحفناوى قول المالكية ” زمان الوقوف فى أى جزء من أجزاء الليل بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين وتناول شئ من الأكل والشرب ” فماذا لو عاش ابن جماعة ومن قال من المالكية بالرأي المذكور إلى زماننا هذا ورأوا ما نرى من الزحام والمشقة والتعب والنصب وقصور الهمم ، وعليه قال الشيخ الحفناوى إن المبيت بمزدلفة لا يوجد إجماع على أنه واجب ، حيث قال بعض الفقهاء إنه سنة ، وعليه من ترك المبيت بمزدلفة فلا شيء عليه ولا سيما إذا كان ذلك لمرض أو ضعف أو كبر سن .

     ولايعنى ذلك على الإطلاق أننا أو أن أحدا  من هؤلاء  الفقهاء يدعو إلى ترك المبيت بمزدلفة ،غير أننا لا نريد أن نشق على الناس فى أمر عبادتهم ، والدين قام على دفع المشقة ورفع الحرج ، والأمر على السعة ، فمن قدر على المبيت بمزدلفة ثم انصرف بعد صلاة الصبح إلى المشعر الحرام ثم انطلق قبل طلوع الشمس إلى منى  فقد أصاب السنة على وجهها الأكمل متى قوي على ذلك وتيسر له ، ومن أخذ برأي القائلين بأن الوجوب يتحقق بالبقاء فى المزدلفة على قدر صلاة العشاءين وتناول شيء من الطعام والشراب فلا حرج عليه ، وهو قول يتفق مع روح الشريعة المبنية على اليسر خاصة مع الأعداد الغفيرة للحجاج فى هذا العصر ، إذ لو لم يفت بهذا لشققنا على الناس كثيرًا ، لكن إن قلنا بجواز ارتحال الناس أفواجا من أول الليل إلى آخره يتبع بعضهم بعضًا فسنسهم فى رفع الحرج عنهم ونكون قد طبقنا قوله تعالى : ” وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ” ، وقوله تعالى : ” يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”.

     وبالكتاب وفيما تناقشنا فيه نماذج أخرى لهذا الفكر المستنير مما قد يتسع له حديث آخر أو موقف آخر يتسع لتفصيلات علمية لا مجال لها فى مثل هذا المقال الذى أردنا أن  نضرب من خلاله أنموذجًا تطبيقيًا يؤكد أن العقلية الأزهرية قادرة على استيعاب المستجدات وحمل لواء التجديد لا احتكاره .

رسائل من الخرطوم

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن الراوبط التي تربط الشعبين المصرى والسودانى هى روابط عميقة ووثيقة تدعمها أواصر الدين والجنس واللغة ، والتاريخ الطويل الممتد امتداد نهر النيل فى زمانه ومكانه ، مما يجعل كلا الشعبين امتدادا طبيعيا وعمقا استراتجيا للآخر ، أو قل : إنك أمام شعب واحد يعيش على ضفاف نهر واحد نصفه فى مصر ونصفه الآخر فى السودان ، فضلا عما بين الشعبين من النسب والمصاهرة والجوار وماء النيل ومواجهة التحديات والمصير المشترك وحاجة كل منهما للآخر .

        ومن خلال قراءتى للواقع العربى أدرك أنه لا يوجد خيار آخر أمام الأمة العربية لمواجهة التحديات سوى وحدة الصف والعمل العربى المشترك فى جميع المجالات ، كما أدرك أن الأمة العربية قادرة بوحدة صفها أن تشكل رقما صعبا لا يمكن تجاهله فى المحافل السياسية أو التكتلات الاقتصادية أو المنتديات الحقوقية والثقافية والفكرية الدولية ، وهى الوحدة التى دعا إليها القرآن الكريم ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” (آل عمران : 103-105).

       وينهانا الحق سبحانه وتعالى عن الفرقة التي هي سبب الفشل والضعف والمذلة والهوان ، بل ذهاب الدول وتفتيت كيانها واستئصال شأفتها ، حيث يقول سبحانه وتعالى : ” وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ” (الأنفال : 46) .

       وأؤكد أن مصر مازالت تملك رصيدا كبيرا من التقدير والاحترام والريادة فى عالمها العربى والإسلامى ، وأن النظرة إليها هى إما نظرة إلى الوالد الحانى أو الأخ الأكبر الشقيق ، ولا شك أن هذا له ثمنه وضريبته ، وأنه يلقى على عواتقنا جميعا أمانة ثقيلة يجب وبلا تردد أن نكون أهلا لها وعلى قدر المسئولية فيها ، وألا نخذل أحدا من أشقائنا وخاصة فى لحظات احتياجه إلينا ، وأن نكون دائما فى مقدمة المدافعين عن الأمة العربية وحقوقها وقضاياها العادلة ، وأن ندرك أن بقاء أى دولة عربية قوية مرهون بأمة عربية قوية متماسكة وموحدة تعرف طريقها وأولوياتها وولاءتها وسبل عزها وقوتها وتقدمها ورقيها ، ويدرك أبناؤها جميعا أنهم يمتلكون من مقومات العزة والقوة ما يجعلهم مجتمعين فى مصاف الأمم الراقية المتقدمة لو أحسنوا ترتيب أوراقهم واستخدام أدواتهم وتنسيق مواقفهم وتمسكوا بوحدة صفهم .

      وأؤكد أن الدور الدينى الوسطى والثقافى المستنير القادر على نشر سماحة الإسلام وبيان أوجه عظمته وحضارته وسعة أفقه المنقطعة النظير فى تحقيق وترسيخ أسس التعايش السلمى بين البشر فى جميع أنحاء العالم لم يعد مطلبا عربيا ولا إسلاميا فحسب ، بل صار مطلبا وأملا دوليا وعالميا ، وينظر العالم كله فى ذلك إلى مصر بأزهرها الشريف على أنها ربان السفينة وقطب الرحى ، فعلى كل مثقف مصرى واع وكل عالم أزهرى وسطى فقيه أن يدرك حجم وعظم هذه المسئولية وتلك الأمانة التى أرى أنها تجاوزت فرض الكفاية إلى فرض العين ، فالخطر على الأمة العربية والإسلامية والفكر الإسلامى جد جسيم ، وأستشعر أننا أمام قوى ظلام غاشم لا ترحم الضعفاء بل لا تحترمهم ، وربما لا تعترف بآدميتهم ولا إنسانيتهم .

      وأرى أننا نملك الآن القدرة والقوة والإرادة لكن ينقصنا أن نترجم كل ذلك إلى عمل على أرض الواقع ، وأن نضع أيدينا فى أيدى أشقائنا وهم بلا أدنى شك مرحبون بنا لأن حاجة بعضنا إلى بعض متبادلة ومتساوية ليس فيها صغير وكبير ، بل نحن أمام واقع إما أن نكون معا وإما ألا نكون أصلا ، على أننى على ثقة فى الله عز وجل أننا سنكون معا على قدر المسئولية .

      وإننا لعلى عهد مع الله ( عز وجل) أن نعمل لذلك ما حيينا مخلصين لله وللوطن ، فإن وصلنا إلى ما نريد من مرضاته وتحقيق أمل أمتنا فينا فذلك فضل الله وله الحمد والمنة أولا وآخرا ، وإن كانت الأخرى لا قدر الله فإننا نكون قد أعذرنا لأنفسنا ، كما أنني على أمل كبير في ألا يتأخر أحد من أهل العلم أو الفكر أو الثقافة أو يتردد في أداء واجبه الشرعي والوطني تجاه وطنه وأمتهفي مرحلة فارقة من تاريخهما ، أو أن يؤجل عمل اليوم إلى الغد ، فالمرحلة لا تحتمل تسويفا ولا تأجيلا ولا تأخرا ولا تراخيا ، إذ لا نملك رفاهية الوقت فى عالم لا يرحم المتقاعسين ، وأمة تنتظر منا الكثير لإنقاذها من براثن التشدد والغلو ، واقتلاع الإرهاب الأسود الذي يتهددها من جذوره ، وصد موجات الإلحاد والدعوات الهدامة والأصوات الداعية إلى التحلل أو الشذوذ ، والتي تشكل الوجه الآخر للتطرف ، وما ذلك على الله بعزيز .