مقالات

القرار الصعب والرجل الشجاع

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     لقد فكرت كثيرًا قبل كتابة هذا المقال وأخذ من وقتي عدة أيام قبل الشروع فيه بما لم يأخذه أي مقال آخر ، لأنه في دائرة صعبة ، وأنا أدرك ابتداء أن إرضاء جميع الناس غاية لا تدرك ، ذلك أن هذا المقال يتعلق بشيخي وبيتي ، أما شيخي فهو فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ، وأما بيتي الذى أعتز بالانتساب إليه فهو الأزهر الشريف بكل مؤسساته .

     ولا يستطيع أحدٌ أن يجادل أو يناقش في صلابة المواقف الوطنية لفضيلة الإمام الأكبر وشجاعته النادرة في اللحظات الحاسمة ، وأهمها انحيازه إلى الإرادة الوطنية والشعبية  الكاسحة وخيارات الشعب المصري في 30 يونيو 2013 م ، حيث بادر فضيلته بلا تردد أو خوف أو توجس إلى مباركة اختيار الشعب المصري لخارطة الطريق نحو مستقبل ديمقراطي حقيقي للشعب المصري في مواجهة الصلف والتعنت والإقصاء الإخواني الذي لفظه الشعب المصري وهبّ هبّة رجل واحد للثورة عليه .

     وألمس في فضيلته شجاعة غير عادية في نظراته ورؤاه وتوجهاته الإصلاحية في كل ما يتصل بالأزهر وشئونه ومؤسساته ومناهجه ، وإنني لأشْرُف بانتمائي إلي مدرسته العقلية ومنهجه الرشيد في التفكير .

     أما حديثي عن الأزهر ما له وما عليه فهذا بيت القصيد ، فليس من الممكن أو المعقول أن نقول ليس في الإمكان أبدع مما كان ، أو أن نحاول فرض بعض الفتاوى والآراء التي ناسبت زمانها ومكانها وأحوالها – فيما يقبل الخلاف ولا يمس ثوابت الشرع- على جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال .

     وعند الحديث عن التجديد ورجاله لابد أن أؤكد على أمرين :

     الأول : أن العظائم كفؤها العظماء ، وقد قال أحد الناس لابن عباس (رضي الله عنهما) : إن لي عندك حاجة صغيرة ، فقال له : إذن فاطلب لها رجلاً صغيرًا ، ويقول المتنبي :

على قدر أهل العزم تأتي العزائــــم                    وتأتي علـى قدر الكرام المكـــارم

وتعظـم في عيـن الصغيـر صغارهـــا                    وتصغـر في عين العظيم العظائـم

    الأمر الآخر : هو أن حبنا للأزهر وحرصنا عليه هو ما يدفعنا إلي النقد الذاتي الموضوعي ، وإلى محاولات التجديد والإصلاح المستمرة ، وقد ذكرتُ سابقًا أننا عندما عرضنا على فضيلة الإمام الأكبر مسمى لجنة النظر في المناهج الأزهرية تحت عنوان : ” لجنة تطوير التعليم بالأزهر الشريف ” ، أصر فضيلته على تسميتها ” لجنة إصلاح التعليم ” ، وقال فضيلته سمّوا الأشياء بمسمياتها ، نريده إصلاحا فعليًا وحقيقيًا وواقعيًا .

     ويقول هاشم الرفاعي في وصف رجال الأزهر وضرورة النقد الذاتي من داخل أروقته :

كـلا ولا اتَخِـذوا الشريعــة متجـــــرا

ما قامــروا بالدين في سبـل الهـــوى

 لا يسمحــون بأن يباع ويشتــــــرى

عاشــــوا أئمـــــة دينهــــم وحمـــاتـــه

     ثم يقول :

مـن أن أقـول الحـق فيه وأجهـرا

   ليـــس التعصـــب للأبــــوة مانعــــــى

     ونحن لا نستطيع أن ننكر أننا في حاجة إلى المراجعة والتنقيح والتطوير والإصلاح كما قال فضيلة الإمام ، سواء في المناهج ، أم في إعادة النظر في اللوائح والقوانين ، أم في المدخلات والمخرجات التعليمية ، أم في أحوال وأوضاع جامعة الأزهر وطلابها , وأكتفي في هذا المقال بالحديث عن أمرين اثنين : هما المناهج والجامعة .

      أما المناهج فبعضها على الأقل يحتاج إلى جراحة سريعة في بعض الموضوعات والجزئيات , على أن فضيلة الإمام الأكبر صار يرأس جلسات إصلاح التعليم بنفسه , وقد أجمعنا في الأسبوع الماضي في لجنة إصلاح التعليم على ضرورة حذف بعض الموضوعات والجزئيات التي كتبت في ظروف معينة وناسبت عصرها وزمانها وبيئتها , ولم يعد طرحها هو الأولى أو الأنسب في ظل الظروف والتحديات التي نعيشها , ويسابق فضيلة الإمام الزمن ونسابقه معه في محاولة لإنجاز هذا العمل أو بعضه على الأقل قبل بداية العام الدراسي الحالي  2014 / 2015م ، فما لا يدرك كله لا يترك كله .

       وأما أمر الجامعة فقد شهدت مع فضيلة الإمام الأكبر واحدًا من أهم الاجتماعات في تاريخ جامعة الأزهر بحضور القائم بأعمال رئيس الجامعة , أ.د/ محمد عبد الشافي وثلاثة من السادة النواب , وربما لم يشهد أي لقاء من قبل ما شهده هذا اللقاء من المصارحة ومواجهة الواقع , والاتفاق على ضرورة مواجهة المتشددين والمنتمين تنظيميًا إلى جماعة الإخوان , ومن انضموا إلى ما يسمى زورًا وبهتانًا بعلماء ضد الانقلاب ، وهم جميعًا معروفون بأسمائهم ومواقعهم ، إذ ينبغي التعامل معهم بكل شجاعة وحسم ، وأرى ضرورة إقصائهم قبل بداية العام الدراسي الحالي عن المواقع القيادية المؤثرة بالجامعة ماداموا يدينون لتلك الجماعة الإرهابية بالولاء .

      وإننا لنؤمل أن يكون زملاؤنا في قيادة الجامعة على قدر شجاعة الإمام الأكبر في اتخاذ القرارات المناسبة , حيث يحرص فضيلته على التوجيه , ويترك اتخاذ القرار لكل مسئول في موقعه , ليحمل كل إنسان مسئوليته أمام الله وأمام الوطن وأمام التاريخ وأمام ضميره وحسه الوطني .

حتمية القضاء على الإرهاب

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

        إذا أردنا أن نقضي على الإرهاب فلابد أن نضع خطة محكمة لمواجهته , وأن نقف على حجم التحديات وطبيعة التحالفات الإرهابية ، وليس شرطًا في هذه التحالفات أن تكون مكتوبة أو موقعة أو معلنة , ولكنها قد تكون ضمنية في ضوء ما يحقق أهداف جماعات وقوى الظلام والإرهاب ومن يدعمها أو يستخدمها لتحقيق مصالحه .

        ولا شك أن الأيام تكشف يومًا بعد يوم لونًا من التحالف والتنسيق بين الجماعات الإرهابية , وعلى رأسها تنظيم داعش الذي يعيث فسادًا في العراق والشام , وتنظيم الإخوان الدولي الذي هو على أتم استعداد لأن يهلك الحرث والنسل لتحقيق مآربه السلطوية ومطامعه الدنيوية , على أنه يتخذ من مصر هدفًا رئيسًا , ومن قطر  وتركيا منطلقًا وغطاء ، لأنه يدرك أن نهاية التنظيم في مصر تعني نهايته في مشارق الأرض ومغاربها ,-* كما يدرك داعمو الإرهاب أن صمود مصر في مواجهة قوى الشر والإرهاب والتخريب والتدمير يعني إفشال مخططهم في تقسيم المنطقة والاستيلاء على نفطها وخيراتها ومقدراتها وإنهاك جيوشها ، حتى يكون جيش العدو الصهيوني المستفيد الأول من تفتيت أمتنا العربية وتمزيق كيانها هو الجيش الأقوى الذي لايقهر كما كان يقال عنه قبل أن يكسر الجيش المصري شوكته ويذل كبرياءه في حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973م .

            ففي الوقت الذي تعلن فيه داعش عن جرائمها المتتابعة ، تعلن بعض قيادات الإخوان تباعًا عن دعوتها للإرهاب والعنف والتخريب والتدمير ، وأخرها ما ذكره أحمد المغير أحد أهم رجالات خيرت الشاطر من أن الإرهاب فرض والاغتيالات سُنّة ، وما وجهه محمد الصغير من قطر إلى المتظاهرين بدق عنق من يقف في طريقهم ، وبقصد أو بدون قصد نطق عضو مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور داريل عيسى بما يفيد الربط بين داعش والإخوان في ممارسة الإرهاب وتأثير كل منهما على خيارات شعوب المنطقة ، بما يثير القلق والمخاوف تجاه ما يحدث فيها من أعمال إرهابية .

           وقد ذكرتُ أكثر من مرة أن داعش والإخوان تخوضان حربًا بالوكالة لصالح القوى الاستعمارية الجديدة التي تغير جلدها وثيابها ، وتستخدم الخونة والعملاء و المأجورين لتنفيذ أهدافها ومخططاتها على يد المتاجرين بالدين ، والدين منهم ومن أفعالهم الإجرامية براء ، بل أكدنا أن هذه الأعمال لا علاقة لها بالإنسانية أو الآدامية فضلا عن الإسلام .

ولكن كما قال الشاعر :

أنا لا ألوم المستبـد                              إذا تجــاوز أو تعـــدى

فسبيلـه أن يستبد                             وشأننـا أن نستعــدا

        وهذه المواجهة الحتمية تتطلب إجراءات هامة وعاجلة في الداخل والخارج على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول .

1- أن يهب العلماء والمثقفون والمفكرون هبة رجل واحد في نفس واحد لكشف زيف هذه الجماعات الإرهابية والانتحارية الضالة ، وبيان عمالتها لتحقيق مصالح من يدعمونها ويمولونها ويقفون خلفها .

2- سرعة التنسيق بين قيادات الدول المستهدفة ، وعلى رأسها : مصر ، والسعودية ، والكويت ، والإمارات العربية المتحدة ، لتكوين رؤية استراتيجية غير تقليدية لمواجهة تحديات الإرهاب وقوى الاستعمار التي تدعمه ، وإن تظاهرت هذه القوى بغير ذلك أو غيرت جلدها ألف مرة ومرة ، فالمؤمن لا يَخدع ولا يُخدع ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب يقول : لست بالخب ولكن الخب لا يخدعنا .

3- أن يدرك الجميع شعوبًا وحكومات حتمية المصير المشترك ، وقد ارتفع مستوى الوعي بذلك إلى درجة تدفع إلى الأمل ، لكنها تحتاج إلى مزيد من الشجاعة والجرأة في التعاون والتنسيق بصورة غير تقليدية تتناسب وطبيعة المرحلة وحجم التحديات التي تواجه منطقتنا العربية وبخاصة دولها الكبرى والمؤثرة .

      لكن من الإنصاف أن نشيد بالتحركات الإيجابية في هذا الاتجاه .

      أولها : ما ذكره السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي من أن أمن مصر من أمن أمتها العربية ، وأمن العرب من أمن مصر ، وأن أمن دول الخليج العربي خط أحمر ، وقد أكدتُ أكثر من مرة أن هناك دلائل كثيرة على استقلال الإرادة الوطنية والقرار الوطني المصري ، منها هذه التصريحات ، ومنها إعطاء إشارة البدء في المشروعات الوطنية والاقتصادية الكبرى ، وعلى رأسها مشروع قناة السويس .

      ثانيها: ما ذكره خادم الحرمين الشريفين في أكثر من موقف ، ومن أهم ما قال : أن من يقف إلى جانب مصر اليوم ستقف إلى جانبه غدًا ، ومن لم يقف إلى جانب مصر الآن فلن يجد من يقف إلى جانبه غدًا ، مع وقوف المملكة العربية السعودية بكل كيانها إلى جانب شقيقتها مصر في مواجهة الإرهاب والتحديات .

        ثالثها : تصريحات قيادات دولة الإمارات في المناسبات المختلفة ، وهي تصريحات تؤيدها المواقف ، بما ينم عن وعي هذه القيادات بطبيعة المرحلة وطبيعة التحديات ، وآخرها تصريحات الفريق ضاحي خلفان التي ذكر فيها أن مصر تهون في سبيل عزتها الدماء ، فما بالك بالأموال ، ويؤكد أنه إذا وقفت مصر على قدميها فسوف تسير الأمة إلى الأمام ، وأنه سيندم كل من وقف ضد الشعب المصري وقواته المسلحة الباسلة ، وهو كلام يستحق التحية والتقدير .

        وذلك إضافة إلى ما سمعته بنفسي أثناء صحبتي لفضيلة الإمام الأكبر في زيارته لدولتي الكويت والبحرين الشقيقتين من تصريحات إيجابية واعية من أمير دولة الكويت سمو الشيخ / صباح الأحمد الجابر الصباح ، وملك البحرين سمو الشيخ / حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة بما يكشف أيضًا عن رؤية ثاقبة وإدراك كبير لطبيعة التحديات ، مع حس عربي ووطني كبير سواء تجاه مصر أم تجاه قضايا الأمة العربية ، مما يدفع إلى مزيد من الأمل .

      وإذ نؤكد أن الشعب المصري كله ملتف حول قيادته السياسية ، وهو مستعد للتضحية في سبيل وطنه وفي سبيل أمته العربية بالنفس والنفيس ، فإننا نكرر التأكيد بأن الأمر يتطلب وقفة عربية جماعية على مستوى المخاطر والتحديات ، وأن الإرهاب سيأكل من يدعمه إن اليوم وإن غدًا ، وإن غدًا لناظره قريب .

حضارتان وملحمة وبداية عصر جديد

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      لا يدرك كثير من المصريين خصوصية الحضارة المصرية التى تستمد خصوصيتها من حضارتين عظيمتين , الأولى تبحر في أعماق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف عام , وما ظهر منها أبهر العالم , وما خفي منها أضعاف ما ظهر ، وأحد أهم عجائب الدنيا السبع ينتمي إلى هذه الحضارة , والحضارة الأخرى تضرب بجذور راسخة تمتد لأكثر من ألف وأربعمائة عام في أعماق وقلب التاريخ , ولها خصائص لا تداينها أي حضارة أخرى , فلم تعرف الإنسانية عبر تاريخها حضارة استوعبت كل الحضارات التي سبقتها , وحافظت عليها , وتفاعلت معها , وهذبتها , وأخذت منها النافع والمفيد , وأصّلت ورسّخت فقه التعايش السلمي بين بني البشر جميعًا على أسس إنسانية خالصة , وعلى قدم المساواة الإنسانية , مثل حضارتنا الإسلامية السمحاء .

      فحضارتنا مزيج مستمد من هاتين الحضارتين العملاقتين , فهي حضارة بناء وعمارة للكون , وحضارة إرادة وتحدٍ للصعاب, حضارة تربي أبناءها على أنهم لا يعرفون اليأس ولا المستحيل ، فهي حضارة متجددة تجدد نفسها بنفسها ، وتعي قول نبينا (صلي الله علية وسلم) : ” يبعث الله (عز وجل) لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها ” .

     على أننا نفهم المجدد فهما واسعا شاملا ، فقد يكون عالما فقيها ، وقد يكون ملكا عادلا ، وقد يكون مؤسسة دينية أوعلمية أوتشريعية ،  وقد يكون قطرًا من أقطارها  ، فربما وصلت هذه الأمة فى بعض مراحلها إلى درجة من السكون أو الضعف يمكن أن يتوهم أعداؤها فيها أنها قد استكانت أو صارت جثة هامدة لا حراك فيها ، غير أنها في كل مرة تفاجئ الجميع بحراك غير متوقع ، ويأتي من يجدد لها دينها وحياتها وحيويتها .

        وقد قُلت يوما ما لو أن أعداء هذه الأمة استفرغوا كل ما في جعبتهم من أسلحة ذرية ونووية وكيماوية وبيولوجية وسلطوها على الأمة الإسلامية ، فسيخرج من تحت أنقاض كل هذا كله من يحمل لواء هذه الحضارة من جديد .

      لكن الحفاظ على هذه الحضارة والبناء عليها يتطلب أن نكون على قلب رجل واحد، وأن نقف وقفة رجل واحد ، وأن نعي حجم التحديات التي تحيط بنا في الداخل والخارج ، وأن نكون على قدر المسئولية ، وعلى استعداد للتضحيات ، وأن نقدم المصلحة العامة على أي مصلحة شخصية أو حزبية أو فئوية خاصة ، كما أن ذلك يتطلب منا جميعًا الإيمان بحق الوطن ، وأن مصلحته جزء من صلب ديننا وعقيدتنا ، لأن مصر هي القلب النابض للعروبة والسلام ، وهي درع الأمة وسيفها وصمام أمانها ، وأن قوة الاقتصاد ودعمه مطلب شرعي ووطني ، لأن الأمم التي لا تملك طعامها وغذاءها وكساءها ودواءها وسلامها لا تملك كلمتها ، ولا سبيل إلى اقتصاد قوي إلا بالعمل والإنتاج والجهد والعرق ، وهو ما ندعو إليه ونعده من واجبات الوقت ، وحق الوطن ،  وتلبية نداء الشرع .

ملحمة وطنية جديدة :

        لكن الذي يبعثه على الأمل هو ما لمسته من روح وطنية عالية متدفقة ، وبخاصة لدى الشباب المصري الذي يسعى لصنع ملحمة وطنية جديدة ، برغبته الجارفة في المشاركة في حفر المجرى الملاحي الثاني لقناة السويس ، ففي يوم واحد التقيت صباحًا بشباب الجامعات في معهد إعداد القادة بحلوان وفي وجود الزميل العزيز معالي وزير التعليم العالي أ.د/ سيد عبد الخالق ، وكان هناك شعور وطني جارف ، ورغبة ملحة من الطلاب في المشاركة في حفر القناة بأي وسيلة من وسائل المشاركة ، وفي اليوم نفسه التقيت ممثلين لشباب الأئمة والخطباء بوزارة الأوقاف ولديهم نفس الرغبة التي لا تقل حماسًا عن رغبة شباب الجامعات ، ثم جاءت زيارة فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر للمشروع لتضفي إلى بعديه الوطني والاقتصادي بعدًا شرعيًا ، ولها دلالات ، منها:

     الأولى : اصطحابه لمجموعة من علماء الأزهر ومجموعة أخرى من طلابه في المراحل التعليمية المختلفة ، بما يرمز إلى أن هذا المشروع هو مشروع الحاضر والمستقبل معًا .

      الأخرى : دعوة فضيلته الصريحة والواضحة لجميع المصريين إلى الإسهام بقوة في هذا المشروع ، وشراء شهادات الاستثمار المخصصة له ، مما يقطع الجدل ويحسم الخلاف حول حكم هذه الشهادات .

     والذي لا شك فيه أن إطلاق السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي إشارة البدء في هذا المشروع هي خطوة كبيرة على طريق استقلال الإرادة الوطنية ، وتجردها من أي تبعية للشرق أو للغرب ، وانطلاقة نحو عصر المشروعات الكبرى ، تعيد إلينا شيئًا من عبق الماضي وأمجاده ، بداية من بناء الأهرامات ، إلى بناء السد العالي ، إلى العبور الأول لقناة السويس 1973م ، ثم إلى هذا العبور الثاني والأهم لهذه القناة ، وهو عبور التنمية والبناء واستقلال الإرادة الوطنية .

الخطاب الديني وثلاث معضلات كبرى

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        لا شك أن الخطاب الديني قد صار حديث الساعة ، حديث المثقفين ، حديث العامة والخاصة ، ولا شك أن ذلك كله يأتي نتيجة لما أصاب هذا الخطاب في السنوات الأخيرة من سطو وتسلّق عليه ، أو محاولات لاختطافه ، أو المتاجرة به ، وما تبع ذلك من استخدام الدين من قبل أدعيائه المتاجرين به غطاء لعمالتهم وأعمالهم المشبوهة ضد أوطانهم في أعمال عنف أو تخريب ، بل تجاوز الأمر ذلك إلى أعمال قتالية تهدف بأسلوب مباشر وصريح وفج إلى إسقاط دولهم وأوطانهم ، وتفتيتها وتمزيقها ، وتحويلها إلى بؤر وجماعات متصارعة تصارعًا لا يرجى الخلاص منه في القريب العاجل إلا برحمة من الله (عزّ وجل) ، ويقظة منّا جميعًا ، أفرادًا ودولاً ، وإدراكًا لحجم المخططات والمؤامرات التي تستهدف أمتنا ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص .

       ولا ينكر أحد أن حجم الإجرام والتخريب الذي يقوم به بعض المنتسبين إلى الجماعات والتيارات التي تتخذ من الدين ستارًا وشعارًا قد فاق كل التصورات ، وتجاوز كل معاني الإنسانية إلى درجة يوصف معها من يقوم بهذا الإفساد والتخريب بالخيانة للدين والوطن معًا ، مما جعل بعض الكتّاب يتجاوز باتهامه المخربين والمفسدين إلى الخطاب الديني نفسه ، ما بين عاقل يفرق بين الغث والثمين ، وآخر يعمم الأحكام بلا إنصاف ولا رويّة، لأن الفتنة أحيانًا تجعل الحليم حيران .

      وأرى أن الخطاب الديني تكتنفه ثلاث معضلات كبرى ، الأولى : هي معضلة الجمود ، من هؤلاء المنغلقين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أن باب الاجتهاد قد أغلق ، و أن الأمة لم ولن تلد مجتهدًا بعد ، وأنها عقمت عقمًا لا براء منه ، متناسيين أو متجاهلين أن الله ( عز وجل ) لم يخص بالعلم ولا بالفقه قومًا دون قوم ، أو زمانًا دون زمان ، وأن الخير في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى يوم القيامة .

       المعضلة الثانية : معضلة الخوف من الإسلام ، أو ما يعرف بـ ” الإسلام فوبيا ” ، مما يجعل بعض هؤلاء المتخوفين يظن خطأ أن علاج التشدد إنما يكون بالذهاب إلى النقيض الآخر ، مما يعود بنا إلى عقود من الصراع حدث فيها خلط كبير بين مواجهة التطرف وأهمية التدين ، حيث توهم بعض المتخوفين من الإسلام أن محاربة التطرف تقتضي وتستلزم تجفيف منابع التدين ، فاصطدموا بالفطرة الإنسانية ، ” فطرة الله التي فطر الناس عليها ” ، ونسوا أن أفضل طريق لمواجهة التطرف هي نشر سماحة الأديان ، وتحصين الناس وبخاصة الناشئة والشباب بصحيح الدين ، وأنك لا تستطيع أن تقضي على التطرف من جذوره إلا إذا عملت بنفس القدر والنسبة على مواجهة التسيب والانحلال والإلحاد الذي صار موجهًا لخلخلة مجتمعاتنا شأن التشدد سواء بسواء ، ومن هنا كان وعي الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ووزارة الشباب والرياضة بخطورة الإلحاد والتسيب ، فأطلقت وزارتا الأوقاف والشباب مبادرة مشتركة لمواجهة الإلحاد تحت عنوان ” بالعقل كده ” ، إيمانًا منهما بخطورة الإلحاد على أمن الوطن واستقراره ونسيجه الاجتماعي .

       وفي هذا نؤكد أن المساس بثوابت العقيدة والتجرؤ عليها وإنكار ما استقر منها في وجدان الأمة لا يخدم سوى قوى التطرف والإرهاب وخاصة في ظل الظروف التي نمر بها ، لأن الجماعات المتطرفة تستغل مثل هذه السقطات لترويج شائعات التفريط في الثوابت مما ينبغي التنبه له والحذر منه ، فإذا أردنا أن نقضي على التشدد من جذوره فلابد أن نقضي على التسيب من جذوره ، فلكل فعل رد فعل مساو له في النسبة ومضاد له في الاتجاه.

       المعضلة الثالثة : هي الخوف من التجديد أو التجاوز فيه ، فلا شك أن التجديد يحتاج إلى شجاعة وجرأة محسوبة ، وحسن تقدير للأمور في آن واحد ، كما أنه يحتاج من صاحبه إلى إخلاص النيّة لله بما يعينه على حسن الفهم وعلى تحمل النقد والسهام اللاذعة .

       ولكي نقطع الطريق على أي مزايدات فإنني أؤكد على الثوابت والأمور التالية :

1-    أن ما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة ، وما أجمعت عليه الأمة وصار معلومًا من الدين بالضرورة كأصول العقائد وفرائض الإسلام من وجوب الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، كل ذلك لا مجال للخلاف فيه ، فهي أمور توقيفية لا تتغير بتغيّر الزمان ولا المكان و الأحوال ، فمجال الاجتهاد هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي الثبوت والدلالة .

2-  مع تقديرنا الكامل لآراء الأئمة المجتهدين فإننا ندرك أن بعض الفتاوى ناسبت عصرها وزمانها ، أو مكانها ، أو أحوال المستفتين ، وأن ما كان راجحًا في عصر وفق ما اقتضته المصلحة في ذلك العصر قد يكون مرجوحًا في عصر آخر إذا تغير وجه المصلحة فيه ، وأن المفتى به في عصر معين ، وفي بيئة معينة ، وفي ظل ظروف معينة ، قد يصبح غيره أولى منه في الإفتاء به إذا تغيّر العصر ، أو تغيّرت البيئة ، أو تغيّرت الظروف ، ما دام ذلك كله في ضوء الدليل الشرعي المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة .

3-  أننا نؤمن بالرأي والرأي الآخر ، وبإمكانية تعدد الصواب في بعض القضايا الخلافيّة، في ضوء تعدد ظروف الفتوى وملابساتها ومقدماتها ، وإذا كان بعض سلفنا الصالح قد قال : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ، فإننا نذهب أبعد من ذلك فنقول : إن كلا الرأيين قد يكونان على صواب ، غير أن أحدهما راجح والآخر مرجوح ، فنأخذ بما نراه راجحًا مع عدم تخطئتنا لما نراه مرجوحًا ، ما دام صاحبه أهلا للاجتهاد ، ولرأيه حظ من النظر والدليل الشرعي المعتبر ، فالأقوال الراجحة ليست معصومة ، والأقوال المرجوحة ليست مهدرة ولا مهدومة .

4-  أن تسارع وتيرة الحياة العصرية في شتى الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية ، إضافة إلى التقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيّرات السياسية ، كل ذلك يحتم على العلماء والفقهاء إعادة النظر في ضوء كل هذه المتغيّرات ، ويعلم الجميع أن الإقدام على هذا الأمر ليس سهلا ولا يسيرًا ، ويحتاج إلى جهود ضخمة من الأفراد والمؤسسات ، غير أننا في النهاية لابد أن ننطلق إلى الأمام ، وأن نأخذ زمام المبادرة للخروج من دائرة الجمود .

       مع التأكيد مرة أخرى أن هذا التجديد ينبغي ألا يتجاوز ثوابت الشرع ، وأن ينضبط بميزاني الشرع والعقل ، وألا يترك نهبًا لغير المؤهلين وغير المتخصصين أو المتطاولين الذين يريدون هدم الثوابت تحت دعوى التجديد، فالميزان دقيق ، والمرحلة في غاية الدقة والخطورة ، لما يكتنفها من تحديات في الداخل والخارج ، فالمتخصص المؤهل إذا اجتهد فأخطأ له أجر ، وإن اجتهد فأصاب فله أجران ، الأول لاجتهاده والآخر لإصابته ، أما من تجرأ على الفتوى بغير علم ، فإن أصاب فعليه وزر ، وإن أخطأ فعليه وزران ، الأول لاقتحامه ما ليس له بأهل ، والآخر لما يترتب على خطئه من آثار كان المجتمع والدين معًا في غنى عنها ، في ظل أوقات تحتاج إلى من يبني لا من يهدم .