مقالات

لهذا تقدم الغرب (1)

mokhtar-gomaa

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

      لا شك أن الحكمة هي ضالة المؤمن ، يبحث عنها ، ويجتهد في طلبها ، ويسند الفضل فيها إلى أهله ، وأننا لابد أن ننظر في تجارب الآخرين ، فنأخذ منها النافع والمفيد ، ونطرح ما سوى ذلك ، ولا ينبغي أن نكابر فنزعم بالقول دون العمل أننا خير الأمم وسادة البشر ، ناسين أو متناسين أن سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وسلم) قد حذرنا من كثرة كغثاء السيل لا غناء فيها ، وأن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان يقول : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، وكان يقول في شأن العجم : والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل لهم أولى بمحمد (صلى الله عليه وسلم) منا يوم القيامة .

      وإذا نظرنا نظرة متأملة فاحصة متأنية في سر تقدم الغرب وجدنا أسبابًا كثيرة ، وأن هذا التقدم لم يكن عفويًا أو وليد الصدفة ، إنما كان نتاج جهد وعمل شاق ودءوب .

أهم الأسباب :

    1-  تقديس العمل وقيمته ، فكل ما دعا إليه الإسلام من تقديس العمل والحث عليه تراه واقعًا ملموسًا في حياة الأمم الراقية والمتقدمة ، ولا مجال للمحاباة أو المجاملة في مجال العمل .

          لكننا للأسف الشديد تجاهلنا قيمنا الإسلامية ، وأصبح متوسط إنتاج الفرد لدينا لا يقاس ولا يقارن بالمستويات العالمية ، على أن الشخص نفسه إذا سافر إلى دولة أخرى رأيناه يؤدي عمله على الصورة المطلوبة ، وكأنه ليس ذلك الشخص الذي كان يعمل في بلده ، في حين أنه لو عمل بهذا الجد في أي مكان كان لوجد بركة في ماله حتى لو كان قليلا ، لكنها ثقافة تسري هنا أو هناك ، وصدق الشيخ الإمام محمد عبده حين قال ذهبت إلى أوربا فرأيت إسلامًا بلا مسلمين ، وجئت إلى مصر فرأيت مسلمين بلا إسلام .

            ولا سبيل إلى النهضة والرقي إلا بالعمل الجاد ، وليس بمجرد العمل بل بإتقانه ، وهذا نبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول: ” إن الله (عز وجل) يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إذا قامت الساعة وفي يد أحكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ” ، وقد أمرنا الله ( عز وجل ) بالسعي والعمل ، فقال سبحانه وتعالى : “… فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ” (الملك : 15) .

       2-  تقديس قيمة الوقت :

          لقد أعلى الإسلام من شأن الوقت وقيمته فأقسم الحق سبحانه وتعالى به في أكثر من موضع في كتابه العزيز ، حيث يقول سبحانه : ” والعصر ” ، ” والفجر وليال عشر ” ، ” والضحى والليل إذا سجى ” ، ” والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها ” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” لا تزول قدم عبد حتى يُسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ” .

           ومع ذلك كله لا نقدر للوقت قدره ولا نعرف له قيمته ، ولا نلتزم بدقة المواعيد التي أُمرنا بالالتزام بها ، ونتسامح في الفسحة فيها بلا حدود ، بل إن بعضنا لا يكاد يكترث بالمواعيد التي يحددها ولو راجعته أو ناقشته لضاق بك ذرعًا .

           غير أن كل المعاني الراقية السامية التي أمرنا الإسلام أن نلتزم بها تراها واقعًا ملموسًا مطبقًا بمنتهى الدقة والحرفية لدى أكثر الغربيين ، وعندما أقول أكثرهم أقول ذلك على سبيل الاحتياط فحسب ، لكن كل من تعاملت معهم في رحلتي إلى باريس كانوا أكثر انضباطًا من عقارب الساعة كما يقولون ، كما أن تقديرهم للوقت الذي يحتاجونه لإنجاز أعمالهم صار مدروسًا ومحددًا بمنتهى الدقة والحرفية والمهنية التي تثير الدهشة والإعجاب لنا ، غير أن الذي يثير الدهشة لديهم هو ألا تكون كذلك ، فقد صار هذا الالتزام طبعًا فيهم .

      3-  احترام الآخر وثقافته وخصوصيته أيًّا كانت هذه الثقافة وتلك الخصوصية ، وتشعر أن هناك امتلاءً فكريًا وثقافيًا يحول بين الإنسان وبين الفضول أو التلصص على الآخرين أو محاولة اختراق خصوصياتهم أو الخوض في تفاصيل حياتهم أو حتى عموميتها ، وهذا هو منهجنا الإسلامي  الذي غفلنا عنه ، ألم يقل نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” وقديمًا قالوا من تدخل فيما لا يعنيه سمع ملا يرضيه .

 وللحديث بقية في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى

والله لا يحــب الفســــاد

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     يقول الحق سبحانه : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ” ، ويقول سبحانه وتعالى: ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ  “.

صور الفساد:

      لا شك أن للفساد صورًا عديدة بعضها أخلاقي ، وبعضها فكري ، وبعضها إداري ، وبعضها مالي ، والفساد هو الفساد أيّا كان لونه أو شكله ” وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ” ، والنفس السوية لا تقبله ، والأمم السوية تحاربه، وتعمل بأقصى طاقتها للقضاء عليها .

      فمن الفساد الأخلاقي الكذب ، والخداع ، والمراوغة ، والخيانة ، والغدر ، ونقض العهود ، والأيمان الكاذبة ، وانعدام المروءة ، وذهاب الحياء أو ضعفه أو خدشه ، وإلا فما هذا الذي يحدث من تلك الجرائم الغريبة على مجتمعنا الشاذة على ثقافتنا ؟ بما لا يمكن للمجتمع أن يتقبله من التحرش الجنسي ، والاعتداء على براءة بعض الأطفال ، وهذه وإن كانت حالات فردية إلا  أن تكرارها ينذر بالخطر ، ويحتاج إلى تكاتف جهود علماء الدين ، وعلماء النفس ، وعلماء الاجتماع ، وعلماء التربية ، وسائر مؤسسات المجتمع المعنية بالأخلاق والقيم واستقامة المجتمع على طريق الجادة .

      ويكفي هنا أن أشير إلى أن الإسلام قد جعل الحياء شعبة من الإيمان وجزءًا لا يتجزأ منه ، فقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” الحياء بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ” .

       ولم يُعلِ الإسلام – بعد عنايته بالعقيدة الصحيحة السليمة – من قدر شيئ مثلما أعلى من قدر وقيمة الأخلاق ، يلخص نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) الهدف الرئيس لرسالته ، فيقول (صلى الله عليه وسلم ) : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” ، وسئل ( صلى الله عليه وسلم ) : ما أكثر ما يدخل الجنة يا رسول الله ؟ فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ” حسن الخلق ” .

 

الفساد الإداري :

      ويتركز في المجاملات ، والولاءات ، بتقديم الولاء على الكفاءة ، على أن الدول لا تنهض ولا تتقدم إلا بتقديم الكفاءات وإعطائها حقها من العدالة ما دامت هذه الكفاءة تتسم بالوطنية وطهارة اليد ، وهو ما أكّده المنهج الإسلامي في كتاب ربنا وسنة نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان يوسف عليه السلام : ” قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ” ، ويقول لسان ابنة شعيب ( عليه السلام ) : ” قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” من ولي من أمر المسلمين شيئا ، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله ” .

الفساد المالي:

      وهو الفساد الذي ضرب بجذوره في المجتمع لعقود كثيرة ، ويحتاج استئصاله لتضافر جميع المؤسسات الرقابية ، والدينية ، والفكرية ، والتربوية ، والتعليمية ، مع ضرورة الرقابة الدائمة ، والمتابعة المستمرة ، مؤكدين أن المتابعة لا تعني الشك ، وأن الثقة مهما كان قدرها لا تعني عدم المتابعة أو المراقبة .

        و علينا أن نذّكر بحرمة المال العام والخاص دون أن نَكِلّ أو نَمِلّ ، وهو موضوع خطبة الجمعة الموحد اليوم 21 / 4 / 2014م ، فقد حذّر الإسلام من المال الحرام ، فقال سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ” كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ” .

من بلاغة التراكيب

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     1- في قوله تعالى : ” فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ” (سورة النور : 36،37،38) .

       أولًا : في قوله تعالى : ” لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ ” جاء ذكر البيع بعد ذكر التجارة من باب ذكر الخاص بعد العام ، فما قيمة هذا التخصيص ؟

       لا شك في أن التجارة بيع وشراء ، وأن الربح عند البيع متحقق ناجز ، وعند الشراء متوقع أو مظنون لا يتم ولا يتحقق إلا عند البيع ، وقد يعرض للسلعة تلف أو كساد سوق أو تغير أحوال ونحو ذلك ، فلا يلزم من نفي إلهاء الشراء الذي هو قسيم البيع نفي إلهاء البيع ، في حين أن من ترك المكسب المتيقن كان ترك المظنون عليه أيسر ، فالتعبير القرآني بذكر البيع بعد التجارة يفيد شدة إقبالهم على الله بحيث لا يشغلهم عنه شيء ولو كان ربحًا متحققًا في أيديهم .

       ثانيًا : في قوله تعالى : ” وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ”  آثر النص القرآني التعبير بلفظ القيام دون الوقوف لأمرين :

      أحدهما : أن القيام يقتضي الثبات والتمهل ، أو الإقامة ونحوها ، يقال : أقام فلان بالمكان إذا لبث فيه واتخذه وطنًا ، وهذا يعني أن القائم للصلاة أو المقيم لها ينبغي أن يعطيها حقها من السكينة والطمأنينة .

       الآخر : أن القيام من معانيه العزم ، والمحافظة ، والاهتمام بالأمر ، يقال : قام فلان للأمر إذا تهيأ له واستعد ، وشمر عن ساعد الجد لقضائه ، والإسلام لا يريدها مجرد ركعات خاطفة ، إنما يريدها عبادة تنبع من عقيدة صادقة ، فتؤتي ثمرتها في إصلاح صاحبها ، فتقوم سلوكه ، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر ، وهذا لا يتأتّى إلا ممن تهيأ واستعد وأخذ الأمر بجد وعزيمة .

      وهنا يتوافق سياق النص مع سياقه القرآني الذي آثر لفظ القيام ومشتقاته دون لفظ الوقوف في جميع المواضع أو الآيات التي تحدثت عن الصلاة وإقامتها ، فقال سبحانه : ” وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ… ” (البقرة : 277 ) ، ” وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ … ” (البقرة : 3) ، ” لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ… ” (إبراهيم : 37) ، ” وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ … ” (البقرة : 43) ، ” قُمِ اللَّيْلَ … ” (المزمل : 2) ، ” سُجَّدًا وَقِيَامًا …” (الفرقان : 64) ، ” وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ … ” (النساء : 162) ، إلى غير ذلك من المواضع .

       ثالثًا : أكدت هذه الآية أن الذين يعمرون بيوت الله يذكرونه ويسبحونه هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وهو ما أكدته – أيضًا – آية التوبة بأسلوب القصر ” إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ” (التوبة : 18) .

       وهو ما يؤكد التئام النسق القرآني ، وانسجام بعضه مع بعض ، وتفسيره بعضه لبعض ، وتقوية هذا المعنى لذلك ، وارتباطه به ، وإن تباعدت مواضع السور أو الآيات .

       رابعًا : لما كان فعل هؤلاء الرجال متميزًا في إخلاصهم لله ، وتركهم المكاسب الدنيوية ابتغاء رضوانه ، كان عطاء الله لهم خاصًا ومتميزًا ، فإنه سيجزيهم أحسن ما عملوا ، ويزيدهم من فضله ، وفي التذييل بقوله تعالى : ” وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ” ما يوحي بأن الله سيعطيهم عطاء لا حدود له ، أو سيرزقهم بما لم يكن في حسابهم ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

    2- في قوله تعالى : ” وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ” (الأنعام : 100 ) ليس بخافٍ أن لتقديم الشركاء حُسنًا وروعةً ومأخذًا من القلوب لا تجد شيئًا منه إن أخّرت فقلت : وجعلوا الجنَّ شركاء لله ، وذلك لأنك لو قدمت فقلت : وجعلوا الجنَّ شركاء لله ، لكان الإنكار منصبًا على أن يكون الجن   شركاء لله ، أمّا لو قلت : وجعلوا شركاء لله الجن ، لكان الإنكار مؤكدًا مرتين :

       الأولى: إنكار اتخاذ أي شريك مع الله ( عز وجل ) من الجن أو من غيرهم .

       والأخرى : إنكار أن يكون الجنَّ شركاء لله من باب ذكر الخاص بعد العام ، لشدة تعلقهم بالجنَّ ورهبتهم منه .

     وهذا المعنى أقوى وأبلغ وأقطع في نفي أي شريك لله ( عز وجل ) سواء من الجن أم من غيرهم .

     وإذا تيقن الإنسان أنه لا شريك لله ( عز وجل ) لا من الجنَّ ولا من غيره اتجه قلبه وعقله إلى الله وحده ، فلا يخاف إلا من الله ( عز وجل ) ، ولا يعتمد إلا عليه ، فلا يغش ، ولا يكذب ، ولا يخادع ، لثقته ، أن الأمور كلها بيد الله وحده ، وأن ما أصابه لم يكن ليخطأه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، يقول الحق سبحانه : ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ” (يس : 82) .

من بلاغة القرآن الكريم فى قصة إبراهيم عليه السلام

mokhtar-gomaa

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

     القرآن الكريم معجزة الإسلام الكبرى، وآيته المبهرة إلى يوم الدين،(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:41،42)،  فمعجزة القرآن الكريم قد عمت الثقلين، ولزوم الحجة بها قائم إلى يوم الدين، يقول سبحانه: (وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ) (البقرة:23).

      وهذه بعض ووجوه الإعجاز البيانى فى قصة إبراهيم عليه السلام:

     (أ) – فى قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام (الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء:78-82).

    جاء التراكيب التالية (الَّذِى خَلَقَنِى)، (الَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ) (الَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى) بدون ضمير الفصل «هو» فى حين جاءت التراكيب: (فَهُوَ يَهْدِينِ)، و (هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ)، (فَهُوَ يَشْفِينِ) مشتملة على ضمير الفصل «هو»، وذلك لأن الأفعال الأولى المتمثلة فى الخلق والإماتة والإحياء ومغفرة الذنوب لا يجادل فيها أحد، بل إن أكثر الناس على التسليم المطلق فيها لله عز وجل، أما فيما يتصل بالرزق المعبر عنه بالإطعام والسقيا، والشفاء، والهداية إلى الصراط المستقيم، فمما يغفل فيه كثير من الخلق عن الاعتماد على خالقهم، وتهتز عند بعضهم قضية التسليم المطلق فيه، فتجد منهم من يخادع أو ينافق أو يغش ظنا منه أن ذلك قد يجلب له نفعا فى الرزق، ناسيا أنه لن تموت نفس حتى تستوفى أجلها ورزقها، كما أن بعض الناس قد يذهب فى مسألة التداوى إلى بعض الدجالين والعرافين والمشعوذين، فلما كان الحال عند بعض الناس فى هذه الأمور ينقصه اليقين المطلق فى الله عز وجل جاءت هذه الأفعال مؤكدة بضمير الفصل ليقول النص القرآنى: إن رب الخلق، والإحياء والإماتة، هو رب الهداية والإطعام والسقيا والشفاء، فكما أنه لن تموت نفس حتى تستوفى أجلها ورزقها، فليس من الإيمان واليقين أن تفوض الأمر إليه هنا ولا تفوضه إليه هناك، فهو وحده القادر على كل ذلك، والأمر كله له (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (يس:82).

     (ب) فى قوله تعالى: (قَالَ بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَاسْأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) (الأنبياء:63).

     أ- قال: (فَاسْأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) ولم يقل فاسألوهم إن كانوا يسمعون، لأن المعاند هنا يمكن أن يجادل فى قضية السماع، فيقول لك إن هذه الآلهة تسمع بل ترى لكنها لا تريد أن تجيب الآن، لكنه لا يستطيع أن يحاجك فيقول إنها تنطق، ومن هنا طلب منهم إبراهيم دليلاً لا سبيل إلى وصولهم إليه، وهو نطق هذه الآلهة إن كانت تنفع أو تضر، وبما أنها لا تستطيع أن تنطق، ولا يستطيع أحد أن يمارى فى ذلك، فإن عجزها صار بينا وصار حمقهم فى عبادتها أبين منه.

    ب- فى قوله تعالى: (قَالَ بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم) يقف الكسائى على (فَعَلَهُ)،  ويجعل الفاعل مقدرًا أى فعله من فعله، وعليه يكون المعنى فعله من فعله فلا تنشغلوا بالفاعل إنما عليكم أن تفكروا فى عجز أصنامكم التى لم تستطع أن تدفع عن نفسها، ثم استأنف فقال: (كَبِيرُهُم هَذَا فَاسْأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ).

    وقال بعض المفسرين إنما علّق النص القرآنى فعل كبيرهم على نطقهم أى فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم وجعل جملة (فَاسْأَلُوهُم) جملة اعتراضية.

    وقال بعض المفسرين إن إبراهيم عليه السلام سلك فى هذا الآية مسلكاً تعريفيا يؤدى إلى مقصده الذى هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه، بإسناد الفعل إلى كبيرهم إن كان ينطق، لينتهى من هذه المحاجة إلى تسليمهم بعجز آلهتهم (لَقَد عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ) (الأنبياء:65).

    (ج) فى قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء:69-71).

    فى جوابهم على قوله: (مَا تَعْبُدُونَ) كان يكفى أن يقولوا (نَعْبُدُ أَصْنَاماً) لكنهم أطنبوا فى الحديث فزادوا (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) وهذا دليل على تبجحهم فى ضلالهم، فهم لا يعبدون فقط هذه الأصنام، إنما يعكفون على عبادتها، وكان ذلك إمعانا منهم فى التعنت وإشعارا لإبراهيم عليه السلام بعدم نيتهم الاستجابة له أو الانصراف عن عبادة هذه الأصنام.