مقالات

جودة المنتج البشري

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

         لا شك أن الإسلام دين العمل والإتقان, يقول الحق سبحانه وتعالى : ” فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ” (الملك : 15) , ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورًا له ” (الطبراني) , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ” (البخاري) , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ” (رواه أحمد), ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” (البيهقي) , ويقول الحق سبحانه : ” إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ” (الكهف : 30) .

       والذي لا شك فيه أيضا أن الأخذ بمعايير الجودة صار أمرًا لا غنى للمؤسسات العلمية  والتعليمية والاقتصادية عنه في ظل أهمية تصنيفات مؤسسات الجودة العالمية سواء أكانت تلك المؤسسات منصفة أم منحازة, غير أن الذي لا غنى ولا محيص عنه هو حاجتنا الحقيقية إلى الجودة والإتقان, والتأكيد على أنهما من المعاني التي أكد عليها ديننا الحنيف والتي نؤمل أن تتحول إلى سمة وطنية وسلوكية وعملية وتطبيقية , بحيث يصبح الإتقان نمط حياة وسمة عامة للمنتج المصري , الذي كان له يوما ما تاريخ مشرف , وكانت عبارة ” صنع في مصر ” لبعض المنتجات تحظى بتقدير عالمي ولا سيما في مجالات الفكر والثقافة وبعض الصادرات الزراعية والصناعية في مجال المنسوجات , وكان العامل المصري موضع إبهار وبخاصة في منطقتنا العربية , التي كان لنا فيها وفي عمقنا الإفريقي كل التقدير والاحترام , وكانت لنا ريادة علمية وفكرية وثقافية ذات إبهار وتقدير.

       وندرك أيضا أنه ليس الفتى من يقول كان أبي, إنما الفتى من يعبر عن وجوده ويكون امتدادًا صالحًا لأصوله, على حد قول الشاعر :

                نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونصنع مثل ما صنعوا

وكما قال الشاعر الجاهلي عامر بن الطفيل :

فما سودتني عامر عن وراثة

أبى الله أن أسمو بأم ولا أبِ

وأقول :

ومن يك ذا حسب كريم ومحتد

وليس له عمل فذاك بلاء

       والنقاد يؤكدون أن شرف الوالد يكون عارًا و مذلة للولد الناقص الذي يقصر عن رتبة أبيه, لأن إضاعته لمجد الآباء دليل ضعف وهوان وانكسار ، فمجد الآباء لا يكون عزًا إلا لمن يواصل المسيرة , على حد قول زهير :

وما يك من خير أتوه فإنما

توارثه آباء آبائهم قبله

وكما قال السموءل بن عادياء :

إذا مات منا سيد قام سيد

قئول لما قال الكرام فعول

ويقول الآخر :

نجوم سماء كلما غار كوكب

بدا كوكب تأوى إليه كواكبه

       على أنني أؤكد أننا في حاجة ملحة إلى أن يكون الإنتاج ثقافة حتى يصبح سمة, وأن يستشعر الجميع أن العمل شرف, وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما رأى رجلاً منقطعًا إلى المسجد, وسأل من ينفق عليه, قالوا: أخوه, فقال (صلى الله عليه وسلم) : أخوه أفضل عند الله منه , وأكد ( صلى الله عليه وسلم ) أن اليد العليا المنفقة المتصدقة خير من اليد السفلى الممتدة الآخذة .

       ولن نملك كامل إرادتنا , ولن تكون كلمتنا من رأسنا حتى تكون لقمتنا من فأسنا كما قال فضيلة الشيخ / محمد متولي الشعراوي (رحمه الله) , وكان الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول :

لحمل الصخر من قمم الجبــــــال

أحـب إليّ من منن الرجــــال

يقول الناس لي في الكسب عيب

فقلت العيب في ذل السؤال

على أن قليلا من الصبر والتعب في سبيل الوصول إلى الإتقان يتبعه كثير من التنمية والازدهار والرخاء في الدنيا ومرضاة الله في الدنيا والآخرة ، فينبغي أن نعمل على إجادة منتجنا البشري ، والتعليمي ، والفكري ، والاقتصادي ، وصولا إلى درجة الإتقان الشامل الذي لا غنى عنه للأمم والشعوب التي تريد أن تكون في مصاف الأمم الراقية المتقدمة .

ضحايا الفكر الظلامي

Mokhtar9

أ.د/ محمد ختار جمعة
وزير الأوقاف

      لقد تتابعت علينا وتتابع أحداث جد مؤسفة ، من حادث سيدني بأستراليا ، إلى حادث مدرسة أبناء الجنود العسكريين بباكستان ، إلى الهجوم الإرهابي الداعشي على مقر المجلة الفرنسية ، إلى ذبح داعش لأحد قادتها المدخنين ، إلى الاعتداء المتكرر على أبناء الجيش والشرطة الساهرين على أمن الوطن واستقراره ، المدافعين عن الدين والوطن والأرض والعرض وحمى الأمة كلها ، ممن وقعوا ضحايا الفكر الظلامي أيا كان مصدره ودين من يقوم به ، ومع أننا أكدنا مرارًا أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له ، وأن محاولة ربط الإرهاب بالإسلام هي محاولة ظالمة وجائرة وغير منصفة على الإطلاق ، فإننا إنما نؤكد على موقف الإسلام الثابت الرافض لكل ألوان الإرهاب وسفك الدماء ، ونحاول أن نلقي الضوء على بعض الحلول التي يمكن أن تسهم في القضاء على الإرهاب الغاشم أو محاصرته والتضييق عليه مرحليا على أقل تقدير .

       فنؤكد ابتداء أن الإسلام كان صريحا وواضحا في التأكيد على حرمة الدماء ، فقال الحق سبحانه : ” أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ” (المائدة : 32) ، وقال سبحانه : ” وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” (البقرة : 204-205) ، وما شدد الإسلام على شيئ مثل تشديده على حرمة الدماء ، فلا يزال المرء في فسحة من دينه مالم يصيب دما حراما ، ويقول  سبحانه ” وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ” (النساء : 93) ، ثم تكشف الآية التي تليها عن واقع كأنما تصور به واقعنا الذي نعيشه ، وكأنها أنزلت لأجله ، حيث يقول سبحانه وتعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ..” (النساء : 94) ، إذ تكشف الآية عن طبيعة من يتهمون غيرهم بالكفر ، لا لشيئ إلا ابتغاء تحقيق مصالح ومنافع دنيوية ، فيبدأون بتكفير خصومهم حتى يستحلوا قتلهم ودماءهم ، وعليه يعدون نساءهم سبايا وأموالهم غنائم ، وهو عين ما يفعله إرهابيو ذلك التنظيم الإرهابي المسمى ” داعش ” وأمثالهم ، حيث يكفرون من عاداهم ويعدونهم مرتدين يستبيحون دماءهم وأموالهم ويتخذون نساءهم سبايا يبيعونهن في سوق النخاسة والعبيد .

      ولا شك أن هذا الفكر الظلامي قد نما وترعرع في بيئات متشددة غذته واحتضنته وربته اتخذت من تكفير المخالف منهجا ، حتى صار التكفير لها سمة بارزة ، وأهملت استخدام العقل ، فضلّ بها السبيل حين عطلته ، وأسلمت قيادة لأناس مأجورين أو عملاء أو خونة ، كما قال الشاعر العراقي محمد المهدي الجواهري :

ولقد رأى المستعمرون فرائسا

منا وألفوا كلـب صيـــــد سائبـــا

فتعهدوه فراح طوع بنانهــــــم

يبـــــــرون أنيابـــــا له ومخالبــــا

مستأجرين يخربون بيوتهـــــم

ويكافأون على الخراب رواتبا

وللقضاء على هذا الفكر الظلامي لا بد من أمور أهمها :

1-  على مستوى التفكير واعمال العقل نؤكد على أهمية ثقافة التفكير في سائر جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والإدارية , والخروج من دائرة القوالب الجاهزة والأنماط الجامدة إلى رؤية تتسم بالفكر وإعمال العقل,وعلينا جميعًا أن نعمل على تحريك هذا الجمود من خلال العمل على نشر ثقافة التفكير من خلال الصالونات والمنتديات والحلقات النقاشية التي نعد صالون الأوقاف الثقافي واحدًا منها أو من بواكيرها وأهمها في المرحلة الراهنة .

      فقد تبنى منهج الجمود والتكفير والتخوين والإخراج من الدين أناس لا علم لهم ولا فقه , ولا هم من المجتهدين ولا حتى من أهل الاختصاص أو دارسي العلوم الشرعية من مظانها المعتبرة إذ يسرفون في التكفير , غير مدركين لا فكرًا ولا شرعًا أن ما يحمل على الإيمان من وجه معتبر وعلى الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ينبغي أن نحمله على الإيمان لا على الكفر ما دام له وجه معتبر عند أهل العلم المعتبرين يدخل في الإيمان ويخرج من الكفر , وأنه لايخرج الإنسان من الإسلام إلا جحد ما أدخله فيه وهو النطق بالشهادتين ، وفي مناظرة بين الإمامين الجليلين الشافعي وأحمد حدثت مناظرة في شأن تارك الصلاة يكفر أو لايكفر , فقال الإمام أحمد: يكفر , وقال الشافعي : لا يكفر , وبعد طول نقاش قال الشافعي لأحمد : الكافر إذا أراد أن يسلم فماذا يصنع ؟ قال أحمد : يأتي بالشهادتين، فقال الشافعي : الرجل ملازم لهذا القول لم يفارقه منذ ولدته أمه , ويقول نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) : ” من قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا ارتد عليه ” (صحيح مسلم ) , فلنحذر من الإسراع في التكفير أو الوقوع فيه دون علم أو بينة وحجة قاطعة يحكم بها القاضي لا عامة الناس ولا آحادهم .

2-  على المستوى الوطني ، لا بد من تضافر جهود سائر مؤسسات الدولة الدينية من الأزهر ، والأوقاف، ودار الإفتاء ، والكنيسة ، والمؤسسات الثقافية ، والشبابية ، والتعليمية ، والاجتماعية ، والحزبية ، والمدنية، كل في مجاله وميدانه ، مع العمل الجاد الدءوب للقضاء على البطالة والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية ، واحتضان الشباب ، والأخذ بأيديهم إلى طريق الرشاد ، لأن النفس التي لا نشغلها بالحق تشغلنا بالباطل ، ومن لم يشغل بالنافع شغل بما يضر ، وقد تلقيتُ أمس دعوة أسعدتني من رئيس المجلس القومي للمرأة حول مؤتمر ” هي والإرهاب ” ، وتخصيص محور هام حول : ” تضافر جهود المجتمع لمواجهة الإرهاب ” ، مما يؤكد أن هبة مجتمعية قادمة لمواجهة التيارات الظلامية .

3-  على المستوى القومي والعالمي لا بد من تضافر الجهود ، وتكوين جبهة عربية وإسلامية وعالمية صلبة قوية صادقة تضم أحرار العالم الحقيقيين وحكماءه ومنصفيه لمواجهة هذا الفكر الغاشم قبل أن يأكل الأخضر واليابس في هجمة عابرة للقارات متجاوزة للحدود لا تبقي ولا تذر .

هل وصلت الرسالة ؟

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية للكاتدرائية لتهنئة المصريين بها هي دعوة صريحة لوحدة الصف المصري ، فمصر للمصريين جميعًا ، المصريين وكفى دون أي إضافات أو تصنيفات أخرى ، فلن يتقدم شعب وهو منقسم عرقيًا أو طائفيا أو مذهبيا ، إنما تتقدم الشعوب وتنهض وترقى بوحدة أبنائها وبمقدار ما يكون بينهم من لحمة ووفاق وبر وصلة .

        وقد دار حديث بيني وبين معالي وزير المالية الدكتور هاني دميان حول احتفال الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه بذكرى مولد الرسولين الأخوين محمد وعيسى عليهما السلام ، وحول إنشاء المكتبة الوطنية من مؤلفات المنصفين من الكُتّاب المسلمين والمسيحيين التي ترسّخ روح الوطنية والانتماء ، وتدعم قيم العمل والإنتاج ، وتدعو إلى نشر قيم التسامح والتعايش السلمي المشترك ، فقال الزميل العزيز : لا نقول مؤلفات المسلمين ومؤلفات المسيحيين ، إنما نقول مؤلفات المصريين ، فالوطنية هي القاسم المشترك الذي ينبغي أن نبني عليه جميعًا ، وما أن التقيت بالأنبا أرميا أثناء زيارة الكاتدرائية في صحبة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر ، وما أن عرضت عليه الفكرة حتى لقيت منه ترحابًا كبيرًا ، وأبدى رغبة صادقة في التعاون والعمل المشترك ، واتفقنا على أن تضم المكتبة الكتب والمؤلفات التي تجمع ولا تفرق ، وتكون موضع قبول وإجماع من المصريين جميعًا .

       نعم يا سيادة الرئيس لقد لخصت كل هذه المعاني وزدت عليها في زيارتك التاريخية للكاتدرائية التي قرأها الشعب المصري كله قراءة واعية ، نؤمل أن تؤتي ثمارها في العلاقة التي تطمح أن يكون عليها أبناء الوطن وأشقاؤه من الود والوفاق والتعاون المثمر في سبيل نهضته ورقيه ، نقتسم العرق وتحدي الصعاب كما نقتسم لقمة العيش والارتواء بماء النيل وعبق الحضارة المصرية السمحة .

        وليست هذه هي الرسالة الأولى التي تلقاها المصريون بالقبول ، إنما إلى جانبها رسائل أخرى أكدنا أنها قد وصلت ولامست شغاف القلوب ، وأصابت موضعها ، وحركت ما كان بالنفوس هائجًا أو كامنًا ، ومن أهم هذه الرسائل رسالتكم في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ، فقد تلقتها المؤسسة الدينية كلها وعلى رأسها الأزهر الشريف في ظل القيادة الحكيمة للإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر بالترحاب والقبول ، وعملنا جميعًا في وزارة الأوقاف ودار الإفتاء ومجمع البحوث وقطاع المعاهد الأزهرية تحت مظلة الأزهر الشريف وشيخه الكريم على تحويلها إلى برامج عمل ، كان من أبرزها وأخصها في وزارة الأوقاف المصرية ما يأتي :

1- مواصلة صالون الأوقاف الثقافي لنشاطه العلمي واختيار موضوعاته بدقة وعناية تتسق مع دعوة سيادتكم لتجديد الفكر الإسلامي في انفتاح عقلي ومعرفي يؤمن بإعادة النظر في أمور ظلت في حكم المُسلّمات لقرون طويلة ، حيث جاءت في ظروف ناسبت عصرها وزمانها وبيئتها ، وأصبح تغير الزمان والمكان والحال يتطلب رؤية جديدة ، حيث أكدنا على سبيل المثال في صالون الأوقاف الثالث حول : ” نظم الحكم والمتاجرة بقضية الخلافة ” أن كل حكم يسعى لتحقيق العدل والقضاء على الفساد ، ويعمل على تحقيق مصالح الناس وقضاء حوائجهم من شئون المعيشة والصحة والتعليم وما لا تقوم حياتهم إلا به من البنية التحتية من ماء وكهرباء وطرق، ولا يحول بينهم وبين أداء شعائرهم ، ولا يتصادم مع ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، فهو حكم رشيد مرضي عند الله وعند الناس ، فالعبرة بالغايات والمقاصد وليست بمجرد الأسماء والشكليات ، وإلا فليقل لنا المتشبثون بشكل نظام الحكم دون جوهره ، كيف يقرأون ما تكتبه بعض كتب التاريخ عن الخليفة العباسي الأول أبي عبد الله السفاح الذي لقب بالسفاح لكثرة ما سفك من الدماء حيث كان يتم قتل الأمويين على مجرد الهوية القبلية، وكيف استساغ هؤلاء أن يجمعوا للرجل بين لقبي الخليفة والسفاح في آن واحد ؟

      نعم نحن في حاجة إلى إعادة قراءة التراث وإلى تنقيحه وتيسيره في ضوء الحفاظ على الثوابت وما هو قطعي الثبوت والدلالة ، وما هو معلوم من الدين بالضرورة ، مع الخروج من دائرة القوالب الجامدة والأنماط السائدة في التفكير والمناقشة والمعالجة .

2- وإلى جانب هذا الصالون الثقافي يأتي المؤتمر العام الرابع والعشرون للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي يقام نهاية فبراير المقبل حول “عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه : طريق التصحيح”، وتأسيس منتدى السماحة والوسطية ، وملتقى شباب الأئمة ، وتأسيس مركز المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للغات والترجمة ليكون لسان حال الأوقاف الناطق في العالم كله ، هذا إلى جانب الإعلان عن مسابقة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف حول موضوعي : ” تجديد الفكر الديني بين النظرية والتطبيق : الوسائل والآليات ” ، ” وتنقيح التراث وتيسيره وإعادة قراءته : بين الواقع والمأمول ” ، وبهذا نستطيع أن نقول : إن الرسالة قد وصلت واضحة جلية يا سيادة الرئيس .

في ذكرى المولدين

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      يمر الشعب المصري والأمة العربية بمناسبتين هامتين متداخلتين هما ذكرى مولد الحبيب محمد بن عبد الله  (صلى الله عليه وسلم) الذي بعثه ربه رحمة للعالمين ، فقال سبحانه وتعالى : ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ” (الأنبياء : 107) ، وقدوم العام الميلادي الجديد ، لتتداخل أفراح المصريين جميعًا مسلمين ومسيحيين بذكرى ميلاد الرسولين الأخوين محمد وعيسى (عليهما السلام) ، فيتبادل الجميع التهاني مما يؤصل للروح الوطنية ويعود بالروح المصرية إلى طبعها الأصيل من التسامح وفقه التعايش وقبول الآخر ، وهو ما أصَّله ديننا الحنيف ورسولنا الكريم عند بناء دولة المدينة ، حيث تعد وثيقة المدينة أفضل وثيقة بشرية في تاريخ الإنسانية تُرسّخ فقه التعايش السلمي بين البشر ، حيث أكد نبينا (صلى الله عليه وسلم) ، أن يهود بني عوف، ويهود بني النجار، ويهود بني الحارث، ويهود بني ساعدة، ويهود بني جشم، ويهود بني الأوس، ويهود بني ثعلبة، مع المؤمنين أمة، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأنَّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وأن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأن من خرج منهم فهو آمن، ومن قعد بالمدينة فهو آمن، إلا من ظلم أو أثم ، وأن الله (عز وجل) جارٌ لمن بَر واتقى، ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، (السيرة النبوية لابن هشام) .

      فأي إنسانية، وأي حضارة، وأي رقي، وأي تعايش سلمي، أو تقدير لمفاهيم الإنسانية يمكن أن يرقى إلى ما كان من تسامح رسول الله وإنصافه، ألا ترى إلى قوله (صلى الله عليه وسلم): «لليهود دينهم»، قبل أن يقول: «للمسلمين دينهم»، ليكون في أعلى درجات الإنصاف والتسامح، والتأكيد على حرية المعتقد؛ إذ لا يوجد في الإسلام قتل على مجرد الهوية أو المعتقد ، فعندما رأى النبي امرأة مقتولة في الحرب قال مستنكراً: «من قتلها؟ ما كانت هذه لتقاتل»، وبعث رجلاً فقال: «قُلْ لخالد لا يَقتُلنَّ امرأةً ولا عَسيفًا» (أبو داود في سننه) .

       فالأديان جميعا جاءت لصالح الإنسان ، وهناك مشتركات إنسانية بين البشر جميعًا عملت جميع الأديان على احترامها وترسيخها ، وقد ذكر ابن عباس وغيره أن الشرائع السماوية قد أجمعت عليها ولم تختلف في ملة من الملل أو شريعة من الشرائع السماوية ، وهي ما ورد في قوله تعالى : ” قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ                       تَعْقِلُونَ *‏ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” .

      فقد أجمعت الشرائع السماوية على جملة كبيرة من القيم والمبادئ الإنسانية ، من أهمها: حفظ النفس البشرية قال تعالى:  ” أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً “.

      ولهذا قدَّر نبينا صلى الله عليه وسلم للنفس الإنسانية حرمتها، فلما مرت عليه جنازة يهودي وقف لها، فقيل له : إنها جنازة يهودي ، فقال صلى الله عليه وسلم: أليست نفساً ؟!.

       ومن القيم التي أجمعت عليها الشرائع السماوية كلها: العدل، والتسامح، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة ، والصدق في الأقوال والأفعال ، وبر الوالدين ، وحرمة مال اليتيم ، ومراعاة حق الجوار،والكلمة الطيبة، وذلك لأن مصدر التشريع السماوي واحد، ولهذا قال نبينا  (صلى الله عليه وسلم) :- ” الأنبياء إخوة لعلَّات أممهم شتى ودينهم واحد ” ، فقد تختلف الشرائع في العبادات وطريقة أدائها وفق طبيعة الزمان والمكان، لكن الأخلاق والقيم الإنسانية التي تكون أساساً  للتعايش  لم تختلف في أي شريعة  من الشرائع، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت ” .

       وأروني أي شريعة من الشرائع  أباحت قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أو أباحت عقوق الوالدين ، أو أكل السحت، أو أكل مال اليتيم ، أو أكل حق العامل أو الأجير ، وأروني أي شريعة أباحت الكذب ، أو الغدر، أو الخيانة، أو خُلف العهد، أو مقابلة الحسنة بالسيئة .

         بل على العكس فإن جميع الشرائع السماوية قد اتفقت وأجمعت على هذه القيم الإنسانية السامية، من خرج عليها فإنه لم يخرج على مقتضى الأديان فحسب، وإنما يخرج على مقتضى الإنسانية وينسلخ من آدميته ومن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها . .