مقالات

صناعة الغش وضرورة الحسم

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن كلمة الغش , ولفظ الغشاشين , وسُبَّة ” الغشاش” , مما ينفر منه الطبع السليم , ويأباه الخُلق الكريم , فضلاً عن رفض جميع الأديان وتحريمها له .

      وقد أكد ديننا الحنيف على حرمة الغش , فقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “من غشنا فليس منا ” , وفي رواية : ” من غش أمتي فليس منى ” , وفي رواية : ” من غش فليس منى ” , وفي هذه الرواية الأخيرة التي وردت في صحيح مسلم بحذف المفعول ما يؤكد على عموم حرمة الغش .

     وكنت أحاور بعض طلاب الثانوية العامة أكثر من مرة , وأؤكد لهم أن قسمة المرء وحظه في الحياة لا يرتبطان بمسمى الشهادة أو نوعها , وإنما يرتبطان بعد فضل الله – عز وجل- وتوفيقه بمدى اجتهاد الإنسان وجده ومستوى تحصيله وفهمه وتطبيقه .

       والتوعية بمخاطر الغش ينبغي أن تكون إيمانية , وثقافية , وتربوية , ومجتمعية , فمن الجانب الإيماني نؤكد أن ما عند الله (عز وجل) لا يمكن أن ينال بمعصيته .

      وبما أننا مع بدايات الشهر الكريم ينبغي أن نعمل على تقوية حسن المراقبة لله (عز وجل) , فالذي يراقب صومك وصلاتك وإمساكك عن الطعام والشراب هو من يراقب جميع حركاتك وسكناتك وسائر تصرفاتك , وهنا نذكر قصتين هادفتين لحسن المراقبة , الأولى : لهذه الفتاة التي طلبت منها أمها أن تمزج اللبن بالماء ، فقالت لها : يا أماه أو ما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اليوم ? قالت : وما كان من عزمته يا بنية? قالت : إنه أمر مناديه فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء ، فقالت لها : يا بنية قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء ، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر ، فقالت الصبيَّة لأمها : يا أُمَّاه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء ، كل ذلك وأمير المؤمنين يستمع، وقد سره أمانة الفتاة ، وضميرها الحي ، فاختارها زوجة لابنه عاصم ، وكان من ذريتها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) .

      والأخرى : ما كان من ذلك الراعي الذي قال له عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : بعني شاة من هذه الغنم ، فقال : إني مملوك وهذه الغنم لسيدي ، فقال عمر: – اختبارا له- قل لسيدك أكلها الذئب ، فقال الراعي: إذا قلت لسيدي هذا ؟ فماذا أقول لربي يوم القيامة ؟ فبكى عمر بن الخطاب ، واشترى هذا العبد من سيده وأعتقه ، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة ، وأرجو أن تعتقك في الآخرة .

      وينبغي أن تتضافر جهود سائر المؤسسات الدينية , والتربوية , والتعليمية , والثقافية , والإعلامية , والأمنية في مواجهة جميع ظواهر الغش , وفي جميع اتجاهاته ، سواء أكان غشًا في الامتحانات , أم غشًا في الصناعات , أم غشًا في الزراعات , أم غشًا في التجارات , فالغش كله داء فتاك بعقول المجتمعات وباقتصادها وبأخلاقها .

      على أن الصامت على الغش أو المشارك فيه لا بد أن يكتوي بناره , وإذا صار الغش ثقافة ومر دون محاسبة فإن الأمر سيكون جد خطير .

      وقد هالني ما اطلعت عليه من وسائل الغش ، فعلى سبيل المثال لا الحصر في جانب واحد , وهو الغش في الامتحانات , صار ذلك صناعة وتجارة , ما بين ساعات غبية , ونظارات متلصصة , وأقلام مسمومة , وأغطية رأس مدمرة للعقل والمخ , وكروت فيزا كارت مقلدة , وسماعات أذن وصل الأمر إلى زراعتها داخل أذن بعض الطلاب والطالبات , ومواقع تواصل مجرمة منحرفة , مما يتطلب سرعة النظر في استصدار قانون حاسم لتشديد العقوبة على جريمة الغش والغشاشين , وأرى أن تصل إلى حد التجريم .

      وإلى جانب تجريم الغش التعليمي , فلا يقل عنه خطورة من يتاجر بأقوات الناس سواء في مجال الزراعات أم الصناعات التي تضر بصحة المواطن أو تدمرها على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل , من خلال تجريم تداول واستخدام المبيدات المسرطنة والإضافات الصناعية المحظورة التي تفتك بصحة البشر , وتقتلهم عن عمد وقصد , بغية التربح والثراء الفاحش .

      وهنا ونحن في رمضان نذكّر بحديث نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ” .

      ولا شك أن الغش إنما هو عمل من أعمال الزور والتدليس بل الإجرام , فكيف بعاقل يمسك عن الطعام والشراب , ثم يفطر على طعام حصل ثمنه من حرام عن طريق الغش والزور والتدليس ؟! فرب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش , ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب , وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به .

كيف تحمي أبناءك من الإرهاب ؟

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

           لا شك أن هذا السؤال قد يُحمل على معنيين ، أحدهما : كيف تحمي أبناءك من أن يصيبهم خطر الإرهاب ؟ والآخر : كيف تحمي أبناءك من أن يكونوا إرهابيين أو أن يكون أحدهم إرهابيا ؟ والسؤالان بينهما علاقة وطيدة ، وهي ما يعرف في اصطلاح المناطقة بالعموم والخصوص المطلق ، فالأول أعم لأنه يشمل الفاعل والمفعول به ، وهما هنا سواء ، والثاني أخص لأن الإرهاب وإن كان لعنة على الفاعل  والمفعول به ، فالطامة في الفاعل أشد عتوا وإجراما منها في المفعول به.

        فلا شك أن خطر الفاعل على نفسه وعلى المجتمع والوطن والأمة وعلى الدين  شديد التدمير ، والإجابة عن السؤال الأول هي الأسهل ، وإن كانت تتطلب التكاتف والتعاون والتنسيق في مواجهة الإرهاب والإرهابيين مواجهة صريحة وواضحة وحاسمة ، لا تردد فيها ، ولا تلون ، ولا مخادعة ، ولا حسابات سوى مراعاة مصلحة الدين والوطن ، على أن تكون المواجهة شاملة : فكرية ، وثقافية ، وعلمية ، وتربوية ، وأسرية وأمنية ، مع قطع جميع الطرق المؤدية إلى الإرهاب من التعنت والتشدد والغلو.

        أما الإجابة عن السؤال الثاني فيما يتصل بحماية  أبنائك وأهلك وذويك من أن تتخطفهم أيدي الإرهابيين ، فيجب عليك أن تراقب سلوك من يعنيك أمره على النحو التالي :

         النظر في أحوال أصحابه وأصدقائه ومرافقيه ، ومن يترددون عليه أو يتردد هو عليهم ، فإن كانوا محسوبين على أيٍّ من جماعات الإسلام السياسي أو من يُعرفون بالانحراف عن طريق الجادَّة ، أو أعمال البلطجة أو المشبوهين ، أو وجدته يميل إلى الاجتماعات السرية  ، أو أخذ الغموض يبدو على تحركاته ، فعليك أن تحسن مراقبته حتى تقف على حقيقة أمره ، وأن تنقذه من براثن الإرهاب قبل فوات الأوان .

         وإن وجدت شيئا من الثراء أو السعة غير الطبيعية أو تغير في طريقة الإنفاق الزائد الذي لا يعد طبيعيا ، فعليك أن تنقّب وأن تبحث في مصدر هذه الأموال .

          وإن كان ابنك يتغيب عن البيت تغيبًا غير معهود من قبل ، وبخاصة إذا تضمن غيابه مبيتا أو خروجا في أوقات غير طبيعية ، فعليك أن تعرف أين ذهب ؟ ومع من ؟ وماذا يصنع في غيابه ؟ وفي هذه الأوقات التي يتغيب فيها بطريقة مريبة أو مقلقة .

          وإذا وجدت تغيرًا طارئا ومفاجئا في سلوكياته وتصرفاته سلبا أو إيجابا ، فعليك أن تبحث في أسباب هذا التغير .

         وإذا وجدت  الولد قد أخذ يكذب ويتمادى  في الكذب ، فاعلم أن عدوى هذه الجماعات التي تستحل الكذب وتؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة قد انتقلت إليه .

         كما يجب عليك أن تقترب من أبنائك وأن تناقشهم في الأمور العامة على أن يكون نقاشك هادئا وهادفا واستكشافيا ، وأن تعطيه الفرصة الكاملة ليعبر عن رأيه دون قهر أو كبت أو حجر على رأيه ، وأن تتحمل منه تحمل الصديق لصديقه أو الخادم لمخدومه حتى تصل من خلال الحوار العاقل معه إلى ما تريد ، حرصا عليه ، وحبًا له ، وأداء لواجبك تجاهه .

           كما يجب عليك أن تكشف لهم عن حقيقة الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي لا تؤمن بوطن ولا دولة وطنية ، وأنها لا تخدم سوى أعداء الدين والوطن , وأنهم عملاء لمن يمولونهم , خونة لدينهم وأوطانهم , يستخدمهم أعداؤنا لإضعاف أمتنا وتمزيقها وتفتيت كيانها من جهة , وتشويه الوجه الحضاري النقي السمح لديننا الحنيف من جهة أخرى .

         ولقد ذكرت مرارًا أن جماعة الإخوان الإرهابية هي الأب الروحي لجميع الجماعات والتنظيمات الإرهابية , وأنها الداعم والممول الرئيس لهذه الجماعات ، وأن أكثر التنظيمات الإرهابية إما أن تكون قد خرجت من رحم الإخوان أو ارتبطت به بأي لون من ألوان الارتباط ، وهو ما أخذت تؤكده تقارير ومقالات وصحف عالمية عديدة .

         والذي ينبغي التأكيد عليه والتنبه له هو أن هذه الجماعات والتنظيمات احترفت الكذب والخداع، واستحلال الدماء والأموال , يلوون أعناق النصوص , ويحرفون الكلم عن مواضعه , يماسحك أحدهم مماسحة الثعبان , ويراوغك كما يراوغك الثعلب , ويقفز منك قفز القُنْفُذْ , يظهرون خلاف ما يبطنون , يعطونك معسول الكلام ومن خلفه السم الزعاف والموت الزؤام , ” .. هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ” (المنافقون : 4) , فهم كما يقول الحق سبحانه : ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ” (البقرة : 204 ، 205) .

        وهناك أمر آخر وهو ضرورة رسم خريطة للتطرف وبيئاته وأسبابه وطرق ووسائل علاجه ، فالذي لا شك فيه أن بعض البيئات خاضعة للتطرف أكثر من البيئات الآخرى ، وأن بعض الجماعات والتنظيمات والجمعيات قد تكون مناخا أكثر خصوبة لإنتاج التطرف ، وهو يحتاج إلى مقال آخر إن شاء الله تعالى.

العلاقات العربية العربية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن السياسة الحكيمة للسيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي قد أعادت مصر إلى وضعها الطبيعي في أمتها العربية وفي المحافل الدولية ، كما أن هذه الحكمة التي يتحلى بها سيادته مع الحكمة التي تتحلى بها القيادات العربية المخلصة قد أسهمت بقوة في إعادة الروح إلى العمل العربي المشترك ، وهو ما تجلى في اللُّحمة العربية في عاصفة الحزم ، وفى العمل على تشكيل قوة عربية مشتركة ، وإلى إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع كثير من الدول التي كان قد أصاب علاقتنا بها شيء من الفتور ، وبخاصة بعد هذا العام الأسود المشئوم لحكم الإخوان الذين كادوا يقطعون أواصر العلاقات التاريخية بين مصر وأشقائها وأصدقائها وحلفائها على حد سواء , نتيجة لغبائهم السياسي من جهة , وانعدام خبرتهم من جهة أخرى .

       ومن خلال ما قمت به  من جولات ولقاءات مع زملائي من أصحاب المعالى وزراء الأوقاف في الدول العربية ومن التقيتهم من العلماء والمفكرين والمسئولين من العالمين العربي والإسلامي ومختلف دول العالم ، وما نلمسه من نضج واضح ورشيد في رسم سياستنا الخارجية ، و ما يواجه المنطقة كلها من تحديات ، أبرزها : شبح التقسيم ، وسيطرة الإرهاب ، والعبث بخيراتها ومقدراتها وعقول شبابها ، أستطيع أن أؤكد أن التربة خصبة ، والأرض ممهدة ، وأن الأساس متين ، لأن ما يتوفر بيننا وبين أشقائنا من العوامل الدافعة إلى وحدة الصف والإحساس بالمصير المشترك ربما لا يتوافر لأي أمة أخرى  أو منطقة أخرى ، فعوامل الدين ، واللغة ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والمصالح المشتركة ، والتحديات ، ومواجهة الإرهاب ، كل ذلك يحتم علينا أن نعمل معًا ، وأن نسعى لتأسيس شراكات اقتصادية وعلمية وفكرية وثقافية وخدمية واسعة ومتنوعة بما يحقق الصالح العام لنا جمعيًا ، ويحفظ لكل دولة خصوصيتها ولا يتدخل في شئونها  الداخلية  ، فالتجارب لا تستنسخ ، والخصوصيات يجب أن تراعى ، في ضوء رؤية واعية وشاملة .

        وفى ظل وجود قيادات سياسية نُِكنُّ لها كل التقدير والاحترام نؤكد أن الأمل كبير ، وأن هذا الأمل لم يعد مجرد أحلام ، إنما يتحول إلى واقع ملموس ، غير أن الوقت والزمن والتحديات والظروف الراهنة تتطلب منا جميعًا مسابقة الزمن  لإنشاء هذه الكيانات الصلبة القائمة على التضامن والعمل المشترك ، فقوة أمتنا في وحدتها ، وهو ما أكد عليه القرآن الكريم في أكثر من موضع حيث يقول سبحانه وتعالى : ـ ” وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” ( آل عمران : 103 ) , ويقول سبحانه وتعالى : ” وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” ( الأنفال : 46 ) , ويقول سبحانه وتعالى : ” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ” ( الأنبياء : 92 ) , ويقول سبحانه وتعالى : ” وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ” ( المؤمنون : 52 ) .

         فلا شك أن وحدة صف الأمة ستكون السر الأكبر في قوتها ونهضتها , وأن التكامل والتنسيق بين دولها سيكون أهم منطلق نحو التنمية الشاملة لكل دول المنطقة بما يعود بالنفع على أبنائها جميعًا , ويحقق لهم متضامين مجتمعين مزيدًا من النهضة والرقي , بما يرضى الله (عز وجل) ، ويحقق مصالح البلاد والعباد , ويرضي الصديق ويغيظ العدا , ويرد كيد المتربصين بالأمة في نحورهم .

         ولا يجب أن يقف الأمر عند جهود الرؤساء المحترمين جميعًا , إنما ينبغي على سائر الأجهزة التنفيذية سرعة التحرك الثنائي والجماعي لتحقيق رغبة القيادة السياسية في كل دولة بوضع أُطُر عملية سريعة وقابلة للتطبيق كل في مجاله وميدانه في ضوء الأهداف الكبرى التي تسعى إلى تحقيق الوحدة المنشودة , ولا سيما في مجالات التكامل الاقتصادي , والفكري , والثقافي , ومواجهة الإرهاب الذي يهدد الجميع دون تفرقة .

          على أنني أؤكد أننا إن أوتينا – لا قدر الله – إنما نؤتى من قبل تفرقنا وتشرذمنا واختلافنا , فقد ذكر بعض المفسرين ورواة الحديث والأثر أنه لما نزل قول الله تعالي : ” قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ” (الأنفال : 65) , قال النبي صلى الله عليه وسلم : “سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة ، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً “, وفي هذا ما يؤكد أن أهم سبب من أسباب ضعف هذة الأمة هو تفرقها واختلاف كلمتها , وأن قوتها في تماسكها ووحدة صفها .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار :
الثعابين تبدل جلودها فاحذروها

m

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

            عندما تغير الثعابين جلودها  فإنها تقوم بعملية فسيولوجية محضة ، ربما لا تقصد فيها إلى التنكر ، أما عندما يغّير ثعابين البشر جلودهم فإن الأمر جد خطير ما لم ننتبه له ، وننبه عليه، ونأخذ حذرنا منه ، لأننا نُلدغ حينئذ إما من مأمن ، وإما من خفاء وتنكر .

      وبعض من يجيدون التلون والخداع ، ويماسحون مماسحة الثعبان ، ويمكرون مكر الثعلب ، ويقفزون قفز القنفذ ، ويتلونون تلون الحرباء ، في صغار وهوان ، وذلة مقيتة ، ونفوس مريضة ، وبعضهم قد يتقن ذلك لدرجة يصعب تمييزها ، بل قد تظهرهم  على عكس ما يبطنون من الحقد والغل  على المجتمع وأهله ، وبعض هؤلاء لا يميزهم إلا أصحاب القلوب البصيرة ، والعقول الواعية ، والفكر المستنير ، وبعضهم قد يستعصى كشفه حتى على هؤلاء ، لأنهم مردوا على النفاق حتى صار لهم طبعًا وسجية ، يستحلون الخيانة والكذب ، لأن من يستحلون دماء مخالفيهم وأموالهم لا يمكن أن يعدوا الكذب عندهم حرامًا وإن تفننوا له في ألف اسم واسم ، وهو ما تنتهجه كل الجماعات الإرهابية وصار منهجًا واضحًا للجماعة الأم المعروفة بجماعة الإخوان ، ولا سيما على مستوى القيادات والمنظرين والأعضاء الرسميين  ومن يسير في ركابهم ممن يعرفون بالموالين الذين استطاعوا خداعهم وغسل عقولهم .

وهذا يتطلب منا ما يأتي :

  • أن نبحث جيدًا في التاريخ الدموي لهذه الجماعة ، وإن كانت قد غيرت بعض استراتيجياتها لبعض الوقت ، فكما قالوا : إنك قد تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت ، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت ، والمؤمن لا يلدغ من جحر واحدٍ مرتين .
  • أن أعداءنا يدركون أنهم لا يستطيعون أن ينفذوا إلى شبابنا إلا عبر وسطاء عملاء خونة من بني جلدتنا يكونون على استعداد لأن يبيعوا أنفسهم حتى للشيطان في سبيل تحقيق مآربهم العاجلة الفانية .

            ولا شك أن كل الدلائل تؤكد على تبادل المصالح بين الإخوان وبعض القوى الاستعمارية التي تتخذهم رأس حربة لتفتيت أمتنا العربية وتمزيق كيانها ، وإلا فما سر هذه المناصرة من بعض هذه القوى لتلك الجماعة التي كانت تعدها بالأمس إرهابية ، أو تعد بعض فصائلها على أقل تقدير في عداد المنظمات الإرهابية وتضع بعض قياداتها على قائمة الإرهاب العالمي أو داعمي الإرهاب على أقل تقدير ؟! وما سر هذه الجنسيات التي كانت تمنح لهذه القيادات ولأبنائهم؟

          ففي الوقت الذي ظل الإخوان يصدعون رءوسنا فيه بادعائهم الخوف على الدين تارة , وحرصهم على الوطن أخرى , وتصوير أمريكا على أنها الشيطان الأكبر , والغرب على أنه العدو الصليبي، متاجرين بذلك , محاولين إحداث أكبر شرخ في عقول الشباب تجاه تقارب الحضارات والعيش الإنساني المشترك , ذلك التعايش الذي نؤمن به ونسعى للتوافق في إطاره , إذ ما لا يمكن ولا يتصور ولا يقبل ولا يطلب , بل ليس من الإسلام ولا من الإنسانية ولا من أي دين ولا عرف أن يعمل دين أو طائفة أو مذهب معين على إبادة الآخرين أو تدميرهم أو التنكيل بهم .

          لقد فوجئنا بهذا الكم الهائل من القيادات الإخوانية التي استولت على أموال العامة والبسطاء والمتبرعين الذين خُدعوا بهم وبشعاراتهم , ليحصلوا من خلالها ومن خلال سفرياتهم المتكررة إلى أوروبا وأمريكا وإثبات ولادة أبنائهم بهذه البلدان على الجنسية الأمريكية أو الأوروبية للاحتماء بها عند اللزوم , فهم كما أكدت مرارًا لا يؤمنون بوطن ولا بدولة وطنية , وإلا فما السر وراء استماتتهم في الحصول على الجنسية الثانية لهم أو لأبنائهم ؟ ولماذا كانت وما زالت هذه الدول تمنحهم وتمنح أبناءهم جنسيتها وهي تعلم من هم , لولا عمالتهم لهذه الدول واستخدامها لهم لتحقيق أغراضهم في المنطقة العربية واتخاذهم رأس حربة لتشويه صورتها من جهة والعمل على تفتيتها وتمزيق كيانها من جهة أخرى ؟!

  • أننا ينبغي أن نهتدي بهدي القرآن الكريم وهدي نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) في التعرف على صفات المنافقين وعلى سوء عاقبتهم لنَحذر ونُحذّر ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في شأن المنافقين : ” وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ” ( البقرة : 14 ) ، على أن دور شياطين الإنس في الإغواء أعتى من وسوسة شياطين الجن ، ولذا قدم النص القرآني ذكر شياطين الإنس ووسوستهم وإضلالهم على ذكر شياطين الجن ووسوستهم وإضلالهم ، فقال سبحانه :” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ” ( الأنعام : 112 ) .

          على أن أخص صفات المنافقين إنما تتمثل في الكذب والخيانة والغدر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) عَنْ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه قَالَ : ” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ” (رواه البخاري) ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ”  أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ , وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ , وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ , وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ، فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا” .

            ومن صفاتهم الفساد والإفساد ، يقول سبحانه : ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ”  (البقرة : 204 :206) .

         على أن المنافقين والمتلونين هم الخطر الداهم على المجتمع وعلى الوطن وعلى الأمم، يقول الحق سبحانه في سورة المنافقون : ” وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ” .