مقالات

المصريون لا يركعون لغير الله

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      الشعب المصري شعب أبيّ ، شديد الإباء ، عزته وكرامته هي أهم ما يملكه ويحافظ عليه ، وهي سمات أصيلة فيه بنتها ورسختها عقيدته الصحيحة على مرّ العصور ، يستوي في ذلك مسلموه ومسيحيوه ، وهذه العقيدة الراسخة رعتها ونمّتها وصقّلتها قواتنا المسلحة الباسلة من خلال تركيزها على رفع الروح المعنوية لأبنائها ، وتأهيلهم وإعدادهم إعدادًا وطنيًا يمتلئ بالعزة والإباء ، والرفعة والشمم ، والثقة في النفس ، ليكونوا على هذا المستوى من عزة النفس سواء استمروا في حياتهم العسكرية أم عادوا إلى حياتهم المدنية ، إيمانًا بالله ، وثقتنا فيه ، ويقيننا بأن الأمر أولاً وأخيرًا بيديه وحده ، إيمانًا عميق لا حدود له ، حيث يقول الحق (عز وجل) عن ذاته العليا : ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ” ( يس : 82 ) ، مع إيماننا الراسخ أيضا العميق بأهمية الأخذ بالأسباب ، في نظرة توكل لا تواكل ، تجمع بين الثقة في الله (عز وجل) وحسن الأخذ بالأسباب .

      ومن رحمة الله (عز وجل) بنا وبخلقه أجمعين أنه ( عز وجل ) لا يحاسبنا إلا على الأخذ بالأسباب أو عدم الأخذ بها ، أما النتائج فمردها إلى فضله وتوفيقه ، وهو القائل في كتابه العزيز وقوله الحق : ” مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” ( فاطر : 2 ) ، ويقول سبحانه : ” وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ” (الأعراف : 96 ) , ويقول سبحانه : ” وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ” ( المائدة : 66 ) .

      نؤمن بأن خزائن الله (عز وجل) ملأى لا تنفد أبدًا , وما هذه الاكتشافات البترولية وبخاصة في مجال الغاز إلا محض منّة وفضل منه سبحانه , بعد الأخذ بالأسباب العلمية من الكشف والبحث والتنقيب , وما الوصول إلى المزيد منها على الله بعزيز.

      مع أننا نؤكد على ما ذكره فضيلة الشيخ / محمد متولي الشعراوي (رحمه الله) حين قال : لن تكون كلمتنا من رأسنا حتى تكون لقمتنا من فأسنا , فالذي لا يملك قوته وطعامه وشرابه وسلاحه لا يمكن أن يملك كلمته أو إرادته , ومن ثمة فلابد من العمل ، ثم العمل ، ثم العمل بجد وهمة ونشاط ، وإحسان وإتقان , لتصبح علامة “صنع في مصر” علامة للجودة الحقيقية , تنافس سائر العلامات الدولية الكبرى بل ينبغي أن تسبقها , فإذا كان غيرنا يعمل بوازع اقتصادي محض , فإننا نعمل بأكثر من وازع ودافع ما بين اقتصادي ووطني وشرعي , فالكل يدفع إلى الإجادة والإتقان , وكان الإمام على بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول :

لحمل الصخر من قمم الجبـــــال

أحـــب إليّ من منن الرجــــــــال

يقول الناس لي في الكسب عيـب

فقلـــت العيـــب فــي ذل السـؤال

      ومع هذا العمل والإتقان فإن الشدائد والأزمات تقتضي التراحم والتكافل , والإيثار لا الأثرة , والروح الجماعية لا النفعية ولا الأنانية , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” (صحيح مسلم) , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فِي الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يومِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُسْلِمٍ ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَاللَّهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ ” (المعجم الأوسط) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : “إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِى الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّى وَأَنَا مِنْهُمْ” (صحيح مسلم).

       على أن إغاثة الملهوف وإسكان من لا مأوى له وإطعام الجائع ومداواة المريض ليست مجرد نوافل ، إنما هي من فروض الكفايات إذا قام بها بعض القوم سقط الإثم عن الجميع ، وإذا لم يقم بها أحد أثم القوم جميعًا ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : “مَنْ كانَ عندَه فَضْلُ ظَهرٍ فلْيَعُدْ به على مَنْ لا ظَهْرَ له، ومَنْ كان عندَه فَضْلُ زادٍ فليعُدْ به على من لا زادَ له” (سنن أبي داود) , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ ” (رواه الطبراني ) .

هوامش انتخابية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

نشر معالي وزير الأوقاف أ.د / محمد مختار جمعة اليوم السبت 7 / 11 / 2015م على موقعه وصفحته مقالا هاما تحت عنوان : ” هوامش انتخابية ” . (للاطلاع على نص المقال يرجى الضغط هنا)

الخلاف الفقهي والسياسي

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       تحدثنا في مقالات متعددة عن العلاقة بين الدين والسياسة , وأكدنا مرارًا على أهمية ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية والبناء الوطني الصلب الذي يسع الجميع على أساس الحقوق والواجبات الوطنية المتبادلة , وعلى عدم المتاجرة بالدين أو استغلاله في المصالح السياسية أو الحزبية .

       والطبعيّ والمفترض والمنتظر أن يعمل العلماء على ما يبني لا ما يهدم , وما يجمع ولا يفرق , وأن يفرقوا بين ما هو ديني شرعي قطعي الثبوت والدلالة , وبين ما هو ظني الدلالة يحتمل الرأي والرأي الآخر , ويُعد الخلاف فيه سعة للأمة , وسعة عليها , وكما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) : ما يسرني أن أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يختلفوا , أي لم يختلفوا في الرأي وفهم النص , لأنهم لو لم يختلفوا لكان ذلك مشقة على الناس , إذ إن أكثر ما يتصل بالمعاملات وتنظيم شئون الناس ونظام حياتهم مما فيه متسع كبير , وقد تختلف الفتوى فيه باختلاف الزمان أو المكان أو الأحوال , فما كان راجحًا في عصر وفق ظروف هذا العصر قد يصبح مرجوحًا إذا تغير الزمان ، وما تكون الفتوى فيه راجحة في مكان ما نظرًا لطبيعة هذا المكان , فإنها قد تصبح مرجوحة إذا تغير المكان أو الحال واستدعى الأمر اجتهادًا جديدًا يجعل المرجوح راجحًا , والراجح مرجوحًا .

      والمنتظر من العلماء والفقهاء والمفكرين العقلاء في كل زمان ومكان أن يكونوا رجال فكر وعقل ، ودعاة أمن وسلام بحق وصدق وإخلاص ، مستحضرين منهج الإسلام في ترسيخ أسس التعايش السلمي بين البشر جميعًا ، مؤثرين المصالح العليا للإنسانية على مصالحهم الشخصية الضيقة ، ولنا في منهج النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي رسخه لأسس التعايش بين أهل المدينة جميعًا على اختلاف أديانهم وأعراقهم وقبائلهم أفضل الأسوة ، وذلك حين أعلن  (صلى الله عليه وسلم) أن المسلمين مع يهود المدينة الذين عددهم النبي (صلى الله عليه وسلم) قبيلة قبيلة ، أمة واحدة ، وجاء الإنصاف الكامل حين قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، كما آخى  (صلى الله عليه وسلم) بين أصحابه على اختلاف أعراقهم وقبائلهم ، مع ما كان بين الأوس والخزرج من إحن وعداوات تاريخية ، وهو ما ذكره الحق سبحانه في قوله تعالى : ” وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” .

      فالأصل أن يقود العلماء التوافق لا أن يقودوا الخلاف ، ولا أن يُزكوا جذوة الشقاق ، ولكن شطط بعض العلماء والمفكرين في الذهاب إلى أقصى الطرف ، وبحث بعضهم عن الشاذ من الآراء ،وربما حب الظهور أحيانًا ، ومجاملته السلطات أحيانًا أخرى ، ومسابقة بعض المحسوبين على العلماء في إذكاء التطلعات التوسعية لبعض الدول وإلباسها ثوب الواجب الديني ، إنما يسهم في بث الفرقة ، وربما تأجيج الفتن على حساب جمع الشمل الذي لا غنى عنه للأمة ، وللمنطقة ، ولتحقيق أمن وسلام العالم ، إن كنا جادين في البحث عن هذا السلام والعمل على تحقيقه ، وتخليص الديني من السياسي ، والمذهبي من التوظيف السياسي للدين أو للمذهبية .

      فبدل أن يكون صوت العلماء هو صوت الحكمة والعقل ووحدة الصف ونبذ الشقاق دائما ، صار صوت بعض المذهبيين المتعصبين منهم غير المدركين لفقه الواقع صوت فرقة وشقاق في بعض الأمور ، وربما كانت الرغبة في إرضاء بعض الحكام ، أو الأهل والعشير ، أو االنصير والأتباع والمريدين ، وراء التشبث ببعض الآراء  أو الفتاوى ، دون النظر في العواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب على تبني الآراء الشاذة أو العصبية العمياء دون إعمال حقيقي للفكر والعقل والمنطق .

      علينا جميعًا أن ندرك أن القضاء على الآخر والمختلف ومحوه من الذاكرة الإنسانية يُعد أمرًا مستحيلا ومخالفا لسنن الله الكونية ، الذي خلق الناس مختلفين ، يقول سبحانه : ” وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ” ، كما أن محاولة محو الآخر أو تقزيمه ستقابل بمحاولة مماثلة ، فيدخل العالم كله في صراعات دينية ومذهبية لا تبقي ولا تذر ، ولا تخلف سوى الخراب والدمار والهدم والإفساد .

       إن الطبيعي أن يكون العلماء أعلام استنارة ، وأعلام سلام ، وأعلام حوار ، وأعلام تقارب ، وأعلام وفاق لا عناوين شقاق ، يجمعون ولا يفرقون ، يبنون ولا يهدمون ، وهو ما يجب أن نسعى جميعًا إليه ، ونعمل على تحقيقه .

       ومن الجدير بالذكر ونسبة الفضل إلى أهله أن اجتماعًا هاما عقد بالرابطة العالمية لخريجي الأزهر برئاسة فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر تناول بعض قضايا الأمة ، وعرض فيه فضيلة  أ.د/ عبد الفضيل القوصي وزير الأوقاف الأسبق لحال العلماء ودورهم وما يجب أن يكون منهم لجمع الشمل، وهو ما ألهمني فكرة هذا المقال .

وزير الأوقاف يحذر من الاستغلال والاحتكار

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

نشر معالي وزير الأوقاف أ.د / محمد مختار جمعة اليوم الخميس 5 / 11 / 2015م على موقعه وصفحته مقالا هاما تحت عنوان : ” همـــوم اقتصـاديـــة ” حذر فيه من الاستغلال والاحتكار وسوء عاقبة المحتكرين . (للاطلاع على نص المقال يرجى الضغط هنا)