مقالات

وداعًا هشام بركات

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

          لقد عرفت الرجل عن قرب ، عرفته قيمة وقامة قضائية وقانونية ووطنية , وعرفته قبل كل ذلك إنسانًا بكل ما تحمله أو تعنيه هذه الكلمة من معان .

           لقد كان الرجل حكيما لا يبحث عن الظهور الإعلامي ولا يسعى إليه , صامدًا كالجبل الأشم الشامخ الذي لا تهزه الريح ولا حتى الأعاصير , يؤمن إيمانًا قويًا لا يخالجه ولا يخالطه ولا يشوبه شك في أن ما أصابه لم يكن ليخطئه , وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه , يؤمن بأن العدالة معصوبة العينين , يؤمن بالله ، ثم بالوطن وبحقه .

        واجه المجرمين والإرهابيين والمتطرفين بشجاعة وثبات وصمود يغبط عليه , لقى ربه بما قدم , قانعًا راضيًا بما قدم , نحسبه كذلك , نحسبه شهيدًا في سبيل دينه من أن يشوهه المجرمون , وفي سبيل وطنه أن يمزق أو يتحطفه الخونة والعملاء , لقى ربه صائمًا , جمع الله له القلوب التي حزنت لفراقه في مشهد قل أن يجمع المصريون على مثله.

          رحل بركات ممسكًا بحبل الدين وحبل الوطن وحبل العدالة ، غير مفرط ولا مضيع للأمانة , وكان على قدر المسئولية .

          عرفته رجلاً عظيمًا , وعرفته إنسانًا وأخًا كريمًا , محبًا للعلماء , شديد الاحترام والتقدير لهم , واعيًا فطنًا , يفرق بين الغث و الثمين , يدرك أن الزيد يذهب جفاء , وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض , لم يكن خبًا أو مخادعًا , لكنه في الوقت نفسه لم يكن أبدًا ليخدعه الخب .

        لم تؤت مصر من قبله , وقف وسهر مرابطًا على الثغر الذي ولاه الله إياه  , بث في زملائه ومعاونيه وتلاميذه روح الوطنية والصمود , كان يدفع بهم إلى الأمام محبًا لهم ، حانيًا عليهم , التقيت به وبهم أكثر من مرة , فكنت أجد أنه رب أسرة قضائية عظيمة , يغمرها الحب والألفة والتفاني في العمل , بث في معاونيه روح التفاني والسهر والدأب , وكان بحق رمانة ميزان في ميدانه.

          على أننا نؤمن بأن مصر نجيبة ولادة , يستعصى على الزمن الصعب أن يكسر إرادتها أو إرادة أبنائها , وعلى الخونة أن يخترقوا صفوف أبنائها الأوفياء , فإذا لقى هشام بركات ربه صابرًا صامدًا محتسبًا , فإن ألف هشام بركات وألف ألف معهم سيكونون على درب الوطنية , وعلى نفس خط الفداء والتضحية والعطاء الذي سلكه , وإنني لعلى يقين من النيابة العامة والقضاء المصري الشامخ والشعب المصري العظيم سيفرز آلاف آلاف الرجال الذين بهم يسر الصديق ويساء العدا.

         وإنني لعلى يقين بأن مصر الغد غير مصر الأمس , وأن مصر بعد استشهاد هشام بركات ستكون شيئًا آخر , شيئًا جديدًا , شعبًا جديدًا , أكثر رفضًا للإرهاب , أفضل شجاعة وجرأة وجسارة وحسمًا في مواجهته , فقد دقت ساعة الصفر , وآن أوان الحسم , ولا مجال للمترددين , أو المرتعشين , أو المتلونين , أو البين بين , أو ممسكي العصا من المنتصف , أو المعولين على تقلب الزمن وتصاريف الدهر  وسرعة تقلب الأحوال , ممن يأكلون على كل الموائد , بلا حياء لا من الله ولا من الناس ولا من النفس , في ذل وقماءة وصغار , ودناء نفس , ونفعية مقيتة، أو تبعية ذليلة , أو خيانة وطنية وعمالة لأعداء الأمة , مما لا يسمن ولا يغني من جوع لا في الدنيا ولا في الآخرة, لأن هؤلاء وإن خدعوا أنفسهم أو خدعوا بعض الناس بعض الوقت , فإنهم لا يمكن أن يخدعوا كل الناس كل الوقت.

          إننا لفي حاجة إلى مزيد من اليقظة , ومزيد من الفطنة , ومزيد من الحسم , ومزيد من العمل , كل في مجاله وميدانه ، لله , وللدين , وللوطن .

        رحم الله هشام بركات رحمة واسعة , وأسكنه فسيح جناته , وحفظ مصر وأهلها من كل سوء ومكروه .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار:
رمضان شهر البر والصلة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      الإسلام دين البر والصلة ، والتراحم والتكافل ، وقد كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، كان أجود بالخير من الريح المرسلة ، وقد أصَّل (صلى الله عليه وسلم) ذلك المنهج قولاً وفعلاً ، فدعا إلى التراحم في أسمى معانيه ، وإلى تفريج الكرب ، والتيسير عن المعسر ، فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ” (صحيح مسلم).

          وقد دعا القرآن الكريم في مواطن عديدة إلى الإنفاق في سبيل الله ، وأكد على عظيم أجر المنفقين ، فقال سبحانه : ” مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ” (البقرة : 245) ، وقال سبحانه : ” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” (البقرة : 261) ، وقال عز وجل: ” الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ” (البقرة : 274) .

          وحذر من سوء عاقبة البخل والبخلاء ، فقال سبحانه: ” .. وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ” (التوبة: 34، 35) ، وقال سبحانه : ” هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ” (محمد : 38) .

        بل ذهب القرآن الكريم إلى أبعد من ذلك فحذر من إتباع الصدقة بالمنِّ أو الأذى فقال سبحانه وتعالى:  ” قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ” (البقرة : 263، 264) .

        وهذه المعاني العظيمة كلها قد أكد عليها نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ( عليه الصلاة والسلام ) : ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم) : ” ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ  فَقْرٍ ” ، وقال (عليه الصلاة والسلام):  حينما سئل :أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ ؟ فَقَالَ : ” أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا أَلاَ وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ “.

          على أن المال  يزيد بالإنفاق ، والنعمة تدوم بالشكر ، يقول الحق سبحانه: ” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ لِلَّهِ عَبَّادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا ، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ ” ، وكان يقول للسيدة عائشة (رضى الله عنها) : ” يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ عز وجل ، فَإِنَّهَا قَلَّمَا نَفَرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ  “.

          وقد عرف التاريخ رجالاً عظامًا في سخاء النفس ، وحب الخير ، وذكر لنا من ذلك قصصًا عديدة وعلى رأس هؤلاء حبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذى كان أكرم الناس جميعًا ، تزاحم عليه الناس يومًا عند مقفله من حنين حتى اضطروه (صلى الله عليه وسلم) من تزاحمهم إلى الميل إلى جانب شجرة عضاة فاختطفت ثوبه ، فقال لهم: (والذي نفسي بيده لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العضاة نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً أبدًا) .

          وما كان من سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل (رضي الله عنهما) عندما أخذ أربعمائة دينار ، فجعلها في صرَّة ، ثمَّ قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح، ثمَّ تمهل ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: وصله الله ورحمه. ثمَّ قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السَّبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل ، وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكَّأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع ، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا ، فاطَّلعت امرأة معاذ وقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا ، ولم يبق في الصرة إلَّا ديناران فنحا بهما إليها ، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر، وقال: إنَّهم إخوة بعضهم مِن بعض.

           ومنها ما يروون من أن عجوزاً جاءت إلى الإمام الليث بن سعد تطلب كأسًا من عسل ، فقال: أعطوها زقًا (وهو وعاء كبير) فقالوا : يا إمام إنما طلبت كأسًا ، فقال : هي طلبت على قدر حاجتها ونحن نعطي على قدر نعم الله عز وجل علينا .

        وها نحن في شهر رمضان الكريم نقول : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، فهذا شهر البركات ، وشهر الرحمات ، وشهر النفحات ، وشهر الإنفاق ، وشهر البر والصلة ، وهو شهر الرحمة ، وشهر العتق من النار ، فطوبى لمن ذاق وعرف ، ففاز وظفر ، وغفرانك اللهم ورحماك لأهل الهداية والرشد.

الأزهر بين الإنصاف والاختطاف

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

لا شك أن الجدل الدائر حول دور الأزهر الشريف ومدى وفائه بحق رسالته التاريخية العظيمة , وقيامه بواجبه تجاه تجديد الخطاب الديني , قد ازداد في الآونة الأخيرة لعوامل عديدة , يأتي في مقدمتها استشراء ظواهر التشدد والتطرف والإرهاب العالمي , وبخاصة هذا الإرهاب المتستر بعباءة الإسلام كذبًا وزورًا وافتراء .

وفي رحلة البحث عن منقذ , أو مواجه , أو حتى شماعة تعلق عليها الأخطاء والخطايا , لينفض بعض من يجب عليهم أن ينتفضوا أيديهم من التقصير , رأى بعض الناس أن يلقوا بالتبعة كل التبعة على تلك المؤسسة العريقة لما عرف عنها أنها كانت دائمًا في مقدمة الصفوف , وموضع الثقة , وأنها متى تحركت تحركًا إيجابيًا أثرت في الأحداث وغيرت مجراها .

ولا شك أن المنصفين لدور هذه المؤسسة العريقة , الحريصين على تقوية أمرها , لوازع ديني أو وطني , مازالوا والحمد لله كثرًا وليسوا قلة , فهم كل وطني غيور على دينه ووطنه , وكل المسلمين الذين نهلوا من علم الأزهر الشريف وتربوا على أيدي رجاله وعلمائه المخلصين , بل وغير المسلمين الذين يدركون أن الأزهر كان ومازال وسيظل بإذن الله تعالى صمام الأمان ورمانة الميزان في الفكر الإسلامي ونشر المنهج الوسطي , وأن الآراء الفردية أو الشاذة لبعض المحسوبين عليه أو المنتسبين إليه لا يعتد بها , ولا يقاس عليها , ولا يمكن أن تشكل قاعدة أو أصلاً .

وأرى أن إصلاح الأزهر قادم , ويسير في الاتجاه الصحيح , وإن كنا نؤمن ونقر أننا في حاجة إلى خطى أسرع وأكثر تقدمًا , وأكثر شجاعة , بما يتواكب مع الرؤية التي يسعى ويتطلع لها فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف , إذ يتطلب الأمر أن نعمل معًا كفريق واحد , ليل نهار , ليس أمامنا سوى هدف واحد , هو : الدين والوطن والأزهر الشريف , محاولين بل جادين في التغلب على نقاط الضعف البشري الذي لا يمكن لأحد إنكاره , أو أن يدعي أنه منه براء , أو أنه في عالم آخر غير عالم البشر وطبيعة البشر التي تحتاج إلى مراجعة ومعالجة دائمة في تجرد واحتساب وإخلاص نية لله عز وجل , في رؤية تجمع ولا تفرق , وتحتضن ولا تقصى , وتحكم على الظاهر ولا تنقب في القلوب والنيات , وتأخذ بمبدأ أن المؤمن إذا سمع خيرًا نشره , وإذا سمع غير ذلك ستره وسعى في إصلاحه لا التشهير بصاحبه .

 فالعدل والتسامح هما ميزان الاعتدال للدول والمؤسسات والهيئات أيا كان أمرها أو تصنيفها , فالمؤسسات العريقة تحتضن أبناءها , تقوّم المعوج , وتصوّب المخطئ, وترشد الضال , في رحمة ومودة , ولا زال أبناء الأزهر يرون في الإمام الأكبر أستاذًا أو أخًا أكبر أو والدًا كريمًا , وهو مؤهل للم الشمل وجمع الكلمة , وليس هناك من ينكر عليه ذلك , أو يفكر في الخروج عليه أو الشرود عنه , بل الجميع يسعون إلى إجابته والتفاني في خدمة مؤسستهم متى طلب إليهم ذلك .

غير أن الأمر جد خطير في محاولات اختطاف دور الأزهر في الداخل والخارج , فالمد الشيعي بإنفاقه الباذخ , وتلك الدول التي تريد أن توظف الإنفاق على الدعوة لبناء أمجاد سياسية على حساب الدور التاريخي للأزهر الشريف من خلال إنفاق مالي باهظ على بناء المساجد والمراكز والمجمعات الإسلامية المذهبية أو السياسية وتمويلها واستخدامها فكريًا وثقافيًا لخدمة أهدافها وأغراضها السياسية , وعلى وجه التحديد الدور التركي , ودول أخرى تحاول , وما لم تكن لنا خطة سريعة وعاجلة ومدروسة وجماعية فإن دور هذه الدول يتنامى , على أننا نملك من الرصيد والثقة والاسم التاريخي ما يؤهلنا للعودة بسرعة شديدة لو أحسنّا التنظيم والتحرك , من خلال : الأزهر الشريف , ووزارة الأوقاف , ودار الإفتاء المصرية , بالتنسيق والترتيب مع وزارة الخارجية وأجهزة الدولة المعنية .

وفي داخل مصر حاول كثير من الإخوان وغيرهم من الجماعات والتنظيمات اختراق الأزهر والسيطرة عليه , وتوظيفه لأفكارهم , أو العمل على إضعافه , لأنه يمثل العقبة الكأداء أمام مشروعاتهم الفكرية , ورؤاهم , سواء تلك التي تعمل على توظيف الدين لأغراض سياسية , أم تلك التي تتبنى أفكارًا متشددة أو تخدم جهات داعمة لأجل مصالحها حتى لو كان على حساب المصلحة الوطنية .

وفي الجهة الأخرى هناك من يحاولون إضعاف الأزهر من خلال محاولات الهدم بالتطاول السافر على ثوابت الدين واتهام الأزهر بأنه سبب الكوارث والتشدد , دون أن تكون لهم أي خبرة لا بالأزهر ولا بالمناهج , ولا بالثابت ولا بالمتغير , في خروج تام عن الموضوعية والمنهجية العلمية في النقد .

 ونؤكد أن الأزهر الشريف يرحب بالنقد الموضوعي البناء , أما الافتراء والافتئات فلا يمكن أن يقبله لا الأزهر ولا غير الأزهر , فشتان بين النقد الموضوعي وبين السب والقذف والسباب الصراح .

وليس معنى ذلك أننا نقول ليس في الإمكان أبدع مما كان , أو أن مؤسستنا العريقة في أحسن أحوالها , أو أنها تقوم بكامل دورها , أو أنها قد أدت كل ما عليها وما يجب أن تقوم به , فإن الطريق شاق وطويل ومضن , والخطر محدق , ويحتاج إلى جهد استثنائي , لأن الظرف استثنائي وخطير , والأمل في الله ثم في الأزهر ورجاله كبير , فهل يمكن أن نبدأ جميعًا في إصلاح الذات , وتجديد النية , وأن نتحلى بحسن الظن , وأن نتخير أكفأ العناصر وأكثرها وطنية وقدرة على الحركة والعطاء , ممن يمتلكون الرؤية الثاقبة , ويتسمون بحسن الفهم وشموله , والقدرة العلمية والثقافية والعقلية على الحوار والمناقشة والتفاعل مع المجتمع وأدواته المختلفة , ممن يؤمنون بالتنوع وقبول الآخر , ويرفضون كل ألوان التشدد والغلو , ويعملون على مواجهة التطرف والإرهاب صراحة  لا ضمنا , ويقسمون على الولاء للدين والوطن والوسطية والاعتدال الذي يؤمن به الأزهر الشريف ويعمل على تأصيله وترسيخه , ويعلنون صراحة براءتهم الكاملة من الانتساب إلى أي جماعات أو جمعيات حزبية أو سياسية وبخاصة تلك المعروفة إما بعدم إيمانها بالدولة  الوطنية , أو التي تتبنى أفكارًا ومناهج متشددة لا يقرها ولا يرتضيها الأزهر الشريف , ولا تتوافق مع مناهجه , وأن يكون ولاء جميع أبناء الأزهر الشريف لدينهم ووطنهم وفكرهم الأزهري الوسطي دون سواه .

رمضان شهر الدعاء والإجابة والإنابة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      إذا كان نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) قد قال : ” ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات , ألا فتعرضوا لها ” , فإن شهر رمضان المبارك من كل عام هو  وبلا أدنى شك شهر النفحات والرحمات والبركات , وهو شهر الدعاء والإجابة والإنابة .

      وفي افتتاح الملتقى الفكري  الذي أقيم بساحة مسجد الإمام الحسين (رضي الله عنه) بمدينة القاهرة ، وفي مستهل لياليه رأيت الوجوه المخبتة , المقبلة على الله عز وجل , الذاكرة له , المصلية على الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم ) ، فأدركت أن أمة هذا حالها في الإقبال على الله (عز وجل) وعلى دينها , وعلى حب رسولها (صلى الله عليه وسلم) لا يمكن أن تخذل أو تضام , أو تفنى أو تذل , ألم يقل نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” أعطاني ربى لهذه الأمة أمانين ” وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ” .

       لقد تفرست الوجوه المحبة لدينها ووطنها التي حضرت الملتقى فأيقنت وبلا أدنى ريبة أو شك أن الكثرة الكاثرة من أبناء هذا الوطن على أتم استعداد للتضحية بكل ما تملك في سبيل دينها و في سبيل وطنها , وفي الدفاع عن نبيها (صلى الله عليه وسلم ) ,  وتذكرت تلك الصحابية التي نعي إليها زوجها وأخوها وأبوها في غزوة أحد , فقالت : ماذا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ؟ , فقالوا : هو بخير , فقالت : لا حتى أنظر إليه , فلما نظرت إليه واطمأنت أنه بخير , قالت : كل مصيبة دونك تهون يا رسول الله .

      وفي غزوة بدر يروي سيدنا عبد الرحمن بن عوف أنه وجد نفسه بين  فتيين حدثين صغيرين , يقول : تمنيت أن أكون بين أفتى منهما ، فإذا الذي عن يميني يسألني : ياعماه أين عدو الله أبو جهل ؟ فقلت : يابني وما شأنك به ؟ فقال : ياعماه سمعت أنه يسب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، والله لئن وقع سوادي في سواده لا أفارقه حتى يزول الأعجل منها , وكان من الفتى الذي عن شمالي مثل ما كان عن الفتى الذي عن يميني , فاستبشرت وعلمت أن النصر قادم لا محالة , ونلاحظ أن الفتى لم يقل حتى أقتل عدو الله وهو في ساحة الحرب , وإنما قال حتى يزول الأعجل منا , فليس المهم أن أهزِمَ أو أُهزم , المهم ألا يُسبَّ رسول الله أو يساء إليه ونحن على قيد الحياة .

      تذكرت ذلك في شهر الإخبات والإنابة ، شهر الدعاء والإجابة ، فقلت علينا ألا نغفل عن الدعاء والابتهال إلى الله عز وجل في هذا الشهر الكريم أن يفرج عنا الكرب ويذهب عنا الغم ، فقد ربط القرآن الكريم بين الصيام والدعاء برباط وثيق ،  ففي ثنايا حديث القرآن الكريم في سورة البقرة عن الصيام وفرضيته وبعض أحكامه يأتي قول الله  تعالى : ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ” ،  ليؤكد على ربط الدعاء بالصيام والصيام بالدعاء ، وعلى أهمية الصيام في إجابة الدعاء ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” للصائم دعوة لا ترد” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” ثلاث لا ترد دعوتهم : الصائم حتى  يفطر ، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يؤوب”.

       وقد قالوا : من رزق الدعاء رزق الإجابة  ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن الله عز وجل حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا خائبتين ” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إن لله (عز وجل) ملكا موكلا بمَن يقول : يا أرحم الراحمين ، يا أرحم الراحمين ، يا أرحم الراحمين ، فإذا قالها العبد ثلاثا قال الملك  الموكل : إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل ) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : ” ما من مسلم يدعو الله (عز وجل) بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث : إما يعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ، قالوا : إذن نكثر  ، قال : ” الله أكثر ” ،  وسمع  النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا ، يَقُولُ : ”  اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ تَلِدْ وَلَمْ تُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُوًا أَحَدٌ . قَالَ : ” لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ”  .

      وقال أحد العلماء الحكماء : عجبت لمن ابتلي بالمرض كيف يغفل عن دعوة أيوب عليه السلام : ” رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ” ، ومن ابتلى بالضيق كيف يغفل عن دعوة يونس عليه السلام ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وعجبتُ لمن ابتُـلي بخوفٍ، كيف يغفل عن قول الله عز وجل : ” حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ” ،  وعجبتُ لمن ابتُـلي بمكرِ الناس ، كيف يغفل عن قوله تعالى : ” وَأُفَوِّضُ أَمْرِ‌ي إِلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ بَصِيرٌ‌ بِالْعِبَادِ ” ؟

     وقد سمى الدعاء في القرآن عبادة في أكثر من موضع ، مما يدل على عظم مكانته ، منها قوله سبحانه : ” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ” وقوله فيما حكاه عن نبيه إبراهيم عليه السلام : ”  وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً  ” ، مما يبين لنا عظم شأن الدعاء وأنه أساس العبودية وروحها ، وعنوان التذلل والخضوع والانكسار لله عز وجل ، والإخبات والإنابة إليه سبحانه وتعالى ، ولهذا حث الله عباده عليه ، وأرشدهم إليه ، ووعدهم الإجابة منة  منه  وكرما .