مقالات

التجارة بالدين والوطنية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      التجارة أنواع أهمها وأفضلها هو التجارة مع الله (عز وجل) ، يقول سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” ، وقد عبر النص القرآني بقوله تعالى : ” تُجَاهِدُونَ ” ، والجهاد غير القتال ، لأن الجهاد الأكبر يكون بالعمل والإنتاج ، وعمارة الكون ، والحرص على مكارم الأخلاق ، وحسن تربية النفس ، وأداء الحقوق والواجبات .

      وإلى جانب هذه التجارة الرابحة هناك تجارة رابحة أخرى هي التجارة الحلال التي تراعي مصالح البلاد والعباد ، وتعمل على توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمع ، وتسهم في دفع اقتصاد البلاد إلى الأمام ، غير أن هناك تجارات موبوءة أو محرمة أو خبيثة أو قذرة كتجارة المخدرات ، التي تستهدف الفتك بشبابنا وأبنائنا وقتل وتدمير قدراتهم الإنتاجية ، وجعلهم عالة على المجتمع بدلا أن يكون إضافة له ، وتجارة السلاح خارج الأطر القانونية ، ذلك السلاح المستخدم في القتل ، والتدمير ، والتهديد ، وترويع الآمنين ، ويلحق بتجارة السلاح كل ما يدخل في حكمه من صناعة المتفجرات وغيرها من كل ما يؤدي إلى القتل أو التشويه أو الإعاقة ، وإلى جانب هاتين التجارتين الموبوءتين هناك لونان من التجارة لا يقلان خطورة بل هما أشد ، هما التجارة بالدين والتجارة بالوطنية .

      أما التجارة بالدين فقد اتخذت أشكالا عديدة ، منها : توظيفه سياسيا لمصالح حزبية ، أو شخصية ، أو انتخابية ، ومخادعة الناس باسم الدين وسمته .

       غير أن الخطر الداهم والسم الناقع يكمن فيمن باعوا أنفسهم للشيطان وأعداء الدين والوطن ، من : الشخصيات، والجماعات ، والتنظيمات المأجورة ، ممن يعملون من خارج  مصر على زعزعة أمن الوطن واستقراره ، واستهداف أمتنا العربية ، والعمل على تفتيت كيانها ، والاستيلاء على نفطها وخيراتها .

     ونؤكد أن ما يقوم به هؤلاء المجرمون من تحريض على أوطانهم يتنافى مع كل القيم الدينية والوطنية والإنسانية، وينبغي على كل وطني مخلص أن يعلن تبرأه من هؤلاء وأفعالهم ، كما نرى أن مد هؤلاء الخونة بأي معلومات عن الوطن وما يدور فيه من أحداث يعد خيانة وطنية تستوجب المساءلة والمحاسبة .

     وأرى ضرورة التحفظ على أي أموال أو ممتلكات لهؤلاء الأشخاص بحكم انتمائهم إلى الجماعة الإرهابية ، فإذا كان الملحق بالشيئ يأخذ حكمه ، فكيف بمن كان عضوا رئيسا عاتيا في الإجرام ضالعا في التحريض على وطنه ؟ كما أرى إصلاح كل ما أفسده أو يفسده أعضاء جماعة الإخوان من أموال الجماعة المتحفظ عليها .

     كما أنني أحذر بشدة من الخلايا النائمة المعروفة بالمتعاطفين, لأنها توفر الغطاء الأدبي لتحرك أعضاء الجماعات الإرهابية, ويؤكد على خطورة تحكم أي منهم في مفاصل الدولة التنفيذية, لأنهم بلا شك يحرصون من داخلهم على إعاقة مسيرة الدولة, ويتمنون تفككها لصالح الجماعات الظلامية الآثمة, ولا فرق بين إن كانوا مقتنعين أو مضللين ، لأن النتيجة واحدة , وهي الخطورة على أمن المجتمع وسلامته.

     وأما فيما يتصل بالمتاجرة بالوطنية أو قضايا الوطن فإني أذكر بعض مما ذكره فضيلة الشيخ/ الشعراوي (رحمه الله) من أن الاستعمار عندما خرج من بلادنا ترك له أعوانا يقولون ما يحب ، ويروجون لما يحب ، ويعملون لما يحب، فالاستعمار وإن كان قد رحل بجيوشه ، فقد بقي برجاله الذين صنعهم على عينه ، على حد قول الجواهري :

ولقد رأى المستعمرون فرائسا

منا وألفـــــوا كلب صيد سائبــا

فتعهدوه فراح طوع بنانهـــــم

يبـــرون أنيابا لـــــه ومخالبـــــــا

مستأجرين يخربون بيوتهـــــم

ويكافأون على الخراب رواتبا

     فهناك من يتاجر بالدم ، وهناك من يتاجر بالحريات ، وهناك من يتاجر بحقوق الإنسان ، ومع أننا أول من يدعو إلى أهمية حفظ الدماء وعدم المساس بحرمتها للناس جميعا دون تفرقة ، ومع إيماننا بالحريات المنضبطة ، ومراعاة حقوق الإنسان في العيش الكريم ، والعدالة ، والحرية ، والكرامة الإنسانية ، فإننا نستنكر بشدة المتاجرة بهذه القضايا على حساب الأمن القومي للوطن ، كما نستنكر ازدواج المعايير الغربية في التعامل مع حقوق الإنسان , ودفاع بعض الأشخاص والجهات والهيئات به عن تصرفات الجماعات الإرهابية التي تشكل خطرًا على أمن وطننا وأمتنا العربية .

     وأرى أنه لابد من اصطفاف وتحرك عربي سريع جدًا للضغط على الدول التي تأوي الجماعات الإرهابية, والتي تتبنى وترعى قنوات فضائية تحث على العبث بأمن منطقتنا ، واتخاذ مواقف حاسمة وموحدة تجاهها, قبل أن يستشري خطر الإرهاب ليعصف لا بأمن المنطقة فحسب , بل بأمن العالم, مؤكدين للمرة المائة أن الإرهاب يأكل من يدعمه والصامتين عليه والمترددين في مواجهته .

وفي الختام أؤكد أن تلك الدول التي ترعى الإرهاب وتأوي قيادات جماعة الإخوان الإرهابية وغيرهم من الإرهابيين الذين يدعون جهارا نهارا إلى العنف والقتل وسفك الدماء ستجني حسرة وندما ، وسينقضون عليها إن اليوم وإن غدا ، وإن غدا لناظره قريب .

وزير الأوقاف يكتب:
الأزهر الذي نريده

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        لاشك أن كل مسلم غيور لدينه يريد أن يرى الأزهر قمة سامقة شامخة وراية خفاقة في سماء العالم كله, ذلك أن الأزهر هو صمام الأمان للفكر الإنساني المستنير المستقيم, أو هكذا ينبغي أن يكون على أقل تقدير.

       لقد مر على مصر أزمان طويلة كان الأزهر فيها أحد أهم مفاتيح علاقاتها الخارجية, وبخاصة في آسيا وأفريقيا وكثير من دول العالم, فحيث ذكرت مصر ذكر الأزهر, وحيث ذكر الأزهر ذكرت مصر, فهما متلازمان شكلا ومضمونًا, اسما وسماحة, وحضارة وتاريخًا, فهو أحد أهم معالمها الفكرية والتاريخية, فلا أظن أن زائرًا في العالم قصد زيارة مصر دون أن يخطر بباله بصورة أو بأخرى أزهرها الشريف .

وهذا ما عبر عنه شاعر العربية الكبير أحمد شوقي, حيث يقول :

قُم في فَمِ الدُنيا وَحَيِّ الأَزهَرا

وَانثُر عَلى سَمعِ الزَمانِ الجَوهَرا

وَاذكُــرهُ بَعدَ المَسجِدَينِ مُعَظِّمًا

لِمَسـاجِــــدِ اللهِ الثَلاثَــــةِ مُكبِــرا

وَاِخشَع مَلِيّاً وَاِقضِ حَــقَّ أَئِمَّـــةٍ

طَلَعوا بِهِ زُهــراً وَماجـــوا أَبحُــرا

لِمَساجِــدِ اللهِ الثَلاثَــــةِ مُكبِــــرا

لِمَســــاجِدِ اللهِ الثَلاثَــــةِ مُكبِـــرا

كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَــــةً

وَأَعَــزَّ سُلطانًــا وَأَفخَــــمَ مَظهَـــرا

زَمَنُ المَخاوِفِ كانَ فيهِ جَنابُهُمْ

حَـــرَمَ الأَمانِ وَكانَ ظِلُّهُمُ الذَرا

ويقول هاشم الرفاعي :

كانوا لمن ظُلموا حصون عدالةٍ

كـانوا الشكيم لمن طغى وتجبَّرا

ما قامروا بالدين في سبل الهوى

كـــلا ولا تَخِذوا الشريعة متجـــرا

عاشوا أئمــــة دينهــــم وحماتـــه

لا يسمحـــون بأن يباع ويشتـرى

ثم انطوت تلك الشموس وإنهـــا

لأشد إيمانًــــا وأطهــــر مئـــــزرا

       تلك أيامه الشامخة الزاهرة ودياره العامرة على مر ما يزيد على ألف عام, لم يتغير خلالها ، ولم يَخُن عهدًا ولم يخذل أمة, ثم تغيرت الظروف وتغير الزمان وتغيرت الأحوال وجدد العالم نفسه تجديدًا متسارعًا كان مطلوبا من الأزهر فيه أن يكون على العهد في الإبداع والتجديد المستمر والقراءة العصرية الواعية لما كتب من حواشٍ وشروح في ظروف ناسبت عصرها وزمانها ومكانها وبيئتها, وأصبح عصرنا الحاضر يحتاج إعادة إنتاج وإخراج لهذا التراث الفكري الإنساني شكلا ومضمونا فيما يحتاج إلى إعادة النظر مع الحفاظ على الثوابت والنصوص المقدسة من كتاب الله (عز وجل) وصحيح سنة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) ، وعدم إهدار ثروتنا المعرفية التراثية الهائلة, إنما النظر فيها تنقيحًا واختيارًا في ضوء ما يترتب عليه عمل لا ما يترتب عليه جدل, وما يتواءم ويتناسب مع المستجدات والقضايا العصرية في إطار إعمال العقل الذي أمرنا الله تعالى بإعماله مع رحابة صدر وسعة أفق تتسع للحوار الحضاري الهادف ولا تعمد إلى أي رفض مسبق للآخر والمختلف, أو الصد حتى عن سماعه فضلا عن مناقشته ومحاولة قبول النافع والمفيد منه والرد على ما يخالف الثوابت والعقل والمنطق بالحكمة والموعظة الحسنة, ومقارنة الحجة بالحجة والفكر بالفكر .

        إن المصريين جميعًا ومعهم السواد الأسود الأعظم من العرب والمسلمين يتمنون أن يعود الأزهر إلى أيام مجده الشامخة, وهو عائد بإذن الله تعالى, ذلك أن الأزهر يسبق المصريين والعرب والمسلمين حيث سافروا وحيث حلوا بسماحته وحمله لواء حضارة الإسلام السمحة وقدرته على استيعاب الآخر, وتأصيله وترسيخه لفقه التعايش السلمي بين البشر جميعًا .

         ولا شك أنه على الرغم من تباين وجهات النظر تجاه ما يحاول الأزهر القيام به من تجديد وإعادة بناء بما يراه البعض خطوات معقولة في اتجاه التجديد ويراه آخرون خطوات بطيئة لا تناسب الآمال المعلقة على الأزهر, فإن أكثر المنصفين يرون أن الأزهر الشريف مهما كان من شأنه فهو أنموذج فريد متفرد إذا ما قيس أمره بأمر المؤسسات الإسلامية في أكثر دول العالم الإسلامي ، وقد حدثني الأخ الزميل معالي الوزير / جابر عصفور حديثًا أخويًا على هامش اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد يوم الخميس 15 / 1 / 2015م أن الأزهر الشريف فيما نتفق فيه معه أو نختلف يظل أنموذجًا للسماحة والوسطية ، وبخاصة إذا ما قيس بما رأى وشاهد في بلدان إسلامية أخرى , وهو نقرره ونؤكده من الأزهر على الرغم من إيماننا بحاجته إلى بذل الجهد في التجديد والتطوير وتنقيح التراث وإعادة قراءته وتيسيره وإخراجه في صورة عصرية فكرًا ولغة وصياغة وطباعة فإنه يظل أبرز أنموذج للإسلام الوسطي السمح في العالم كله, وأنه يملك من الأدوات ما يؤهله لأن يسترد كامل مقوماته العلمية والفكرية التاريخية , وأن يعود أكثر وأفضل مما كان في أزهى عصوره التاريخية وبخاصة في ظل قيادة رئيس يمتلك رؤية دينية وعصرية واضحة سواء لضرورة تجديد الفكر الإسلامي أم لإعلاء شأن الأزهر وترسيخ مكانته وإعطائه ما يستحق أن يكون عليه من المكان والمكانة ليس في مصر وحدها وإنما في العالم كله, ثم في ظل قيادة إمام عالم مفكر مستنير هو الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف, فرئيسنا لديه الأمل في أن يكون الأزهر كسابق عهده أحد أهم مفاتيح سياستنا الخارجية, وأن يكون منارة للفكر الإسلامي الصحيح, وأن يؤدي الدور المنوط به والمنتظر منه في أن يحمل لواء السماحة والوسطية للعالم كله, وأن يصلح ما فسد على يد الجماعات المتشددة والتنظيمات الإرهابية الغاشمة من تشويه لصورة الإسلام والمسلمين .

        وإني شخصيًا لأقدر للسيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي تقديره لمؤسسة الأزهر وحرصه الشديد على تبوئه المكانة التي يستحقها في الداخل والخارج, وأن يأتي إصلاح الأزهر وتطويره من داخله على يد إمامه الأكبر وعلمائه الأجلاء, وأؤمل في ظل القيادة الحكيمة الهادئة العاقلة لشيخنا وإمامنا أ.د / أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف أن أكون أنا وزملائي عند حسن ظن السيد الرئيس, وظن الإمام الأكبر بنا وأمل المجتمع المصري والأمة العربية والعالم الإسلامي وعقلاء العالم وحكمائه فينا, على أن ذلك يتطلب منا جميعًا صدق النية مع الله, ومد جسور التواصل مع المجتمع, ومسارعة  الخطى, لأن تراكمات الزمن كبيرة, وسبق العالم لنا كان كبيرًا, وحجم المآسي والمشكلات في العالم الإسلامي لا تتحمل إضاعة أي جزء من الوقت أو تأخر في اتخاذ أي خطوة إلى الأمام .

         إن إصلاح ما اعوج وما فسد وما حدث من تسميم لأفكار كثير من الشباب, وما يحدث في خريطة العالم الإسلامي من قتل وسفك للدماء وترويع للآمنين, وما نراه من موجات تكفير وتفجير, وميل إلى البطالة والكسل على عكس ما يأمرنا به الإسلام من العمل والإتقان, وما نراه من فاسد الأخلاق على عكس ما يأمرنا به الإسلام من التحلي بكريمها من الصدق الأمانة والوفاء بالعهد وأداء الحقوق والواجبات, والتحلي بالعفة في النظرة والكلمة, والحياء من الله ومن الناس, كل ذلك يجعل الأمانة جد ثقيلة، والمسئولية جد عظيمة, ومع إيماننا بأن الدعوة كالطفل أو كالنبات تنمو نموًا بطيئًا غير ملحوظ حتى تؤتى ثمرتها في الوقت المناسب والمرتقب, فإن المهم أن نبدأ وبأقصى طاقة, وألا نتأخر أو أن ندخر جهدًا أو وسعًا, حسبة لله, ووفاء بحق الدين والوطن, وما ذلك على الله بعزيز ولا مستبعد .

رسائل يكررها الرئيس
فهل من مجيب ؟

 

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

    من خلال رسائل سيادة الرئيس / عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية يمكن أن نستنتج بعض الأولويات المُلحّة والتي تشكل محاور هامة في رؤيته الإصلاحية ، ومن أهم هذه الرسائل :

    محور تجديد الخطاب الديني وتنقيحه مما علق به من شوائب ، أو أراء شاذة وأفكار متطرفة ، أو قصور في الوصول بالرسالة الإسلامية السمحة إلى العالم كله ، أو هذا الانفصام الواضح بين التنظير والتطبيق ، والرسالة الثانية هي مصر التي تحتل المرتبة الأولى في وجدان السيد الرئيس ، وكأني به يسابق الزمن لتسترد عافيتها وريادتها ، وتتبوأ المكانة التي تليق بها عربيا وإسلاميا ودوليا ، وأرى أن هذا المحور يسير سيرا قويا وفي الاتجاه الصحيح ، ويقوم على مرتكزين : تحسين البنية الاقتصادية والأحوال المعيشية للمصريين ، وإعادة رسم سياسة مصر الخارجية بما يخدم الهدف الأكبر المشار إليه ، أما الرسالة الثالثة : فتخص الفقراء والعناية بهم والعمل على تحسين ظروفهم وأحوالهم المعيشية وإعطائهم الأولوية في القوانين والتشريعات وبذل أقصى الجهد لتوفير فرص العمل لهم ولأبنائهم وهو ما نؤمل أن تظهر بوادره ونتائجه في المستقبل القريب بإذن الله تعالى .

     أما لب ما يشغلني ويدخل في دائرة اهتمامي ومجال تخصصي واختصاصي وأشعر أني المخاطب به والمعني بتحويل التنظير فيه إلى تطبيق وإن شاركني آخرون هذا الشعور فهو قضية الخطاب الديني الذي يرى السيد الرئيس – ونرى معه جميعا – أنه لا مجال للخروج من الفوضى التي تعم كثيرًا من دول العالم الإسلامي إلا بتصحيح مساره وتخليصه مما لحق به من أفكار متطرفة ، أو سطحية أو جمود في التناول ، أو ضعف في الرؤية ، أو خوف من اقتحام عالم التجديد ، أو فتور في الهمم أو قصور فيها عن مواكبة ما يستجد من قضايا وأحداث ، وما تتطلبه المرحلة من جهد وعمل شاق مضن ورؤى وحلول غير تقليدية لمواجهة الأفكار والجماعات والتنظيمات المارقة ، وهو ما يحتم الخروج من المكاتب إلى المواجهة الميدانية ، واقتحام الصعاب ، وتحمل المشاق ، وربما الاستعداد لتحمل سهام النقد اللاذع لأن من جدد فقد استهدف وصار غرضا للسهام .

     على أن مواجهة الإرهاب تتطلب تضافر جهود الدول والمؤسسات ، فعلى المستوى الدولي نحتاج كما أكدت مرارًا إلى اصطفاف عربي وإسلامي وإنساني لمواجهة ظواهر الإرهاب المتنامية قبل أن تحرق الأخضر واليابس ، بعد أن صار العالم كله في مرمى الإرهاب ، وصار الإرهاب يصيب الصامتين عليه والمتوجسين منه ، والمترددين في مواجهته .

     وفي الداخل نحتاج إلى تضافر المؤسسات الدعوية والتعليمية والبحثية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية لتشكيل منظومة قوية لاقتلاع الإرهاب من جذوره بمعالجة الأسباب التي أدت إلى ظهوره .

   واستجابة للرسالة الموجهة في نطاق اختصاص الأوقاف اتخذنا الخطوات التالية:

1-  قيام الإدارة العامة لبحوث الدعوة بعمل مخطط علمي لموسوعة كبرى لمكارم الأخلاق والشمائل المحمدية ، تهدف إلى التعريف بنبي الإسلام ورسالته الأخلاقية السمحة من جهة ، وترسيخ مكارم الأخلاق في نفوس المسلمين وغرسها في نفوس الناشئة والشباب من جهة أخرى .

2-  إنشاء الكتاب العصري المتميز الذي يعني إلى جانب تحفيظ القرآن الكريم ببث القيم الأخلاقية والوطنية ، وترسيخ الانتماء للوطن في نفوس الناشئة .

3-  مواصلة صالون الأوقاف الثقافي لنشاطه العلمي واختيار موضوعاته بدقة وعناية تتسق مع الدعوة لتجديد الفكر الإسلامي في انفتاح عقلي ومعرفي يؤمن بإعادة النظر في أمور ظلت في حكم المُسلّمات لقرون طويلة ، حيث جاءت في ظروف ناسبت عصرها وزمانها وبيئتها ، وأصبح تغير الزمان والمكان والحال يتطلب رؤية جديدة ، حيث أكدنا على سبيل المثال في صالون الأوقاف الثالث حول : ” نظم الحكم والمتاجرة بقضية الخلافة ” أن كل حكم يسعى لتحقيق العدل والقضاء على الفساد ، ويعمل على تحقيق مصالح الناس وقضاء حوائجهم من شئون المعيشة والصحة والتعليم وما لا تقوم حياتهم إلا به من البنية التحتية من ماء وكهرباء وطرق، ولا يحول بينهم وبين أداء شعائرهم ، ولا يتصادم مع ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، فهو حكم رشيد مرضي عند الله وعند الناس ، فالعبرة بالغايات والمقاصد وليست بمجرد الأسماء والشكليات .

وفي صالون الأوقاف الخامس حول كتب التراث أكدنا على ضرورة إعادة قراءة التراث وتنقيحه وتيسيره في ضوء الحفاظ على الثوابت وما هو قطعي الثبوت والدلالة ، وما هو معلوم من الدين بالضرورة ، مع الخروج من دائرة القوالب الجامدة والأنماط السائدة في التفكير والمناقشة والمعالجة .

4-  إضافة إلى التأهيل والتدريب المستمر لرفع المستوى العلمي والمهني للأئمة والخطباء ، ونشر رسالة الأوقاف للعالم بتسع لغات ، ووضع برامج علمية لتدريب الأئمة على التواصل الإلكتروني مع الاستعانة بخبراء من وزارة الاتصالات في هذا المجال ، وإنشاء منتدى السماحة والوسطية العالمي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، واتساع نطاق القوافل والتواصل مع المجتمع عبر المساجد ، والمصانع ، وقصور الثقافة ، ومراكز الشباب ، والجامعات ، مع التواصل المستمر مع الشباب من خلال القنوات المختلفة .

من وحي احتفالات الشرطة

Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     من قلب الحدث, ومن واقع حال أم بين طفليها, تحاول أن تتماسك لتحتبس دموعها إشفاقا عليهما, ومن حال أم أخرى ربما فقدت وحيدها, وزوجة زلزل الإرهاب استقرار أسرتها, وأتاها بما لم تكن تحتسبه أو تعد له عدة, فقد خرج الأب ولم يعد ، وخرج الابن ولم يعد ، وخرج الزوج ولم يعد .

       إنه الإرهاب الغادر الذي لا نخافه ولا نرهبه, ولم نعد نخشاه, فلسنا أكرم على الله تعالى من هؤلاء الشهداء, شهداء الدين والوطن, شهداء الجيش والشرطة .

        ثم ما أعظم هذه اليد الحانية, وهذا الإحساس الوطني العميق, والشعور بالمسئولية تجاه كل شهيد, بل تجاه كل مصري, فلا تكاد تعرفه إلا أبا حانيا وأخا كريمًا, إنه السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية .

      لقد تذكرت أبيات شوقي حين خاطب الخديو عباس حلمي يوصيه بالمكفوفين من أبناء الأزهر :

نظـــرًا وإحسانـــــا إلــــى عميانـه

وكـــــن المسيــح مداويـا ومجبرا

والله مــــا تدري لعــــل كفيفهــم

يومـا يكون أبا العــــلاء المبصـــرا

لو تشتريه بنصف ملكك لم تجد

غبنـــاً وجل المشتـري والمُشترى

إن فاتهم من نور وجهك فائــت

لم يعدمـوا لوجـــوه برك منظــــرا

لمسوا نداك كمن يشاهد مزنــة

ويد الضرير وراءهــا عيــــن تـــرى

          أقول ياسيادة الرئيس : لقد لمسنا جميعًا بُعدًا جديدًا يضاف إلى كل أبعادك الوطنية, إنه البعد الإنساني والإحساس بالناس ، وهذا ما جعلني أعمل قلمي في أبيات شوقي مع تقديري الشديد له ، فأقول لسيادتك :

نظــرا وإحسانا لعــل يتيمهـــــــــم

يـومـا يكــون القائـــد المتصـــدرا

لو تشتريه بنصف ملكك لم تجد

غبنـــاً وجل المشتـري والمُشترى

لمسوا نداك كمن يلامس مزنـــة

وغــــدا تـــرى فيهــم شعاعــا نيــرا

       سيادة الرئيس إننا نصدقك حين تقول: لو أستطيع أن آتي للمصريين بقطعة من السماء لفعلت, نقول ليس ذلك مستغربا من رجل حمل روحه على كفه لحظة أن استشعر الخطر المحدق بالشعب المصري.

      سيادة الرئيس أنا على يقين أنك ستصدقنا حين نقول: لست وحدك, فالله معك, ونحن معك, والمصريون معك، فسر على بركة الله, ولا تخش في الحق لومة لائم, وإن الله لمؤيدك وناصرك وجامع القلوب حولك مادمت على الحق, وعلى هذا النهج من حب الوطن والعمل على نهضته ورقيه, والإحساس بما يشعر به أبناؤه, حريصًا على العدل بينهم .

وأختم حديثي بأمرين :

       أحدها : أن هناك معنى لا يمكن أن أغفله حين نودي على تكريم اثنين من شهداء الشرطة، اثنين من المصريين ولا أقول من المسيحيين, لأن المصريين صاروا بفضل الله نسيجًا واحدًا, هم المصريون, المصريون وكفى دون الحاجة إلى مزيد من الأوصاف أو الصفات هكذا نريدهم, نريدهم بتلك اللحمة التي عادت لتتجسد من جديد, فبعد أن عطرت دماءُ المصريين جميعًا مسلمين ومسيحيين تراب الوطن وثراه على جبهة القتال, عادت لتعطر من جديد هذا الثرى في مواجهة الإرهاب .

       الأمر الثاني: أنك ياسيادة الرئيس في كل يوم تحملنا مسئولية جديدة, ويحسب لك أن تضع الأمور في نصابها, وتدرك إدراكا لا يداخله شك أن مصر للمصريين جميعًا, وهي بهم جميعًا, فللمؤسسات الدينية احترامها وتقديرها, وعليها واجباتها ومسئوليتها التي يجب أن تعيها جيدًا, وكذلك الحال مع المؤسسات التعليمية, والعلمية, والبحثية, والفكرية, والثقافية, والإعلامية, والإبداعية.

      وإني لأتخيل لمصر واقعا جديدا حضاريا مشرقا لو أدت المساجد والكنائس ومراكز الشباب وقصور الثقافة والمعاهد الأزهرية والمدارس والجامعات والجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية ومنظمات  المجتمع المدني دورها ، بحيث تقوم كل مؤسسة بالدور المنوط بها كما يجب أن يكون ، سواء على مستوى تشكيل الفكر ، أم على مستوى تنمية الشعور الوطني ، أم الدفع باتجاه العمل والإنتاج والإتقان وبناء الوطن .

       ماذا لو توجهت كل هذه القوى إلى البناء ، ومواجهة الهدم والهدامين ، والتصدي للتخريب والمخربين ، ماذا لو كان كل واحد من أبناء هذا الوطن سفيرًا له في الداخل والخارج.

       غير أنني يا سيادة الرئيس أطمئنك أن روحك الإسلامية السمحة والوطنية الراسخة أخذت تسري رويدًا رويدًا في الشعب المصري بكل أطيافه وطوائفه, مع أنني أدرك أن تغيير الشعوب والثقافات يحتاج إلى أمرين: الدأب وبذل أقصى الجهد من جهة, والصبر والمثابرة وعدم اليأس من جهة أخرى ، على أن بعض الثمار ينضج مبكرًا وبعضها يحتاج مزيدًا من الوقت, فتعديل المسارات الفكرية والثقافية لأي شعب من الشعوب أو أمة من الأمم هو أشبه ما يكون بحياة الطفل أو النبات الذي ينمو كل يوم نموًا قد لا يكون ملحوظا بالعين المجردة غير أنه ينمو وينمو رغم ما قد يعترضه من عوامل طبيعية أو غير طبيعية حتى يقوى ، ويشتد عوده ، فيصبح الطفل رجلا ، وينتج الزرع ثمرا يانعا ، وإن ذلك لمرجو لمصرنا الغالية وأمتنا العربية ، وما ذلك على الله بعزيز ولا مستبعد .