مقالات

توكُّـــل لا تواكـــل
أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

    قد يكون التنظير للمصطلحات العلمية والفكرية والدعوية والإيمانية سهلاً عند بعض العلماء والمثقفين ، وقد يتجرأ على ذلك أنصاف و أشباه المثقفين وفــق محصولهم الثقافي والمعرفي ، لكنَّ القضية الحقيقية تكمن في مستوى الوعي بالمصطلح ومستوى تطبيقه.

   فالتوكل على الله عز وجل يقع في منطقة وسط بين الشطط في الأسباب  والتعلق  المطلق بها  والتواكل القائم على إهمال الأسباب أو تعطيلها أو تهميشها ، فهو قائم على الأخذ بالأسباب  بقوة وجدية، وهمة وعزيمة، وتفويض أمر النتائج لله – عز وجل، ففي قول الحق سبحانه وتعالى :-  ” وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ” ، يقول أهل العلم : إن ” مَّا  ” هنا غائية ، أي أعدوا  لهم أقصى ما تملكون وما تستطيعون من أسباب  القوة ، فإذا أخذتم بهذه الأسباب في أقصى درجاتها ما عليكم بعد ذلك إلا أن تفوضوا أمر النتائج إلى الله عز وجل .

  ونرى أن الناس في هذه القضية ثلاثة أقسام :

    فريق عطّل الأسباب ، ولم يحسن التوكل ، وإنما تواكل وتكاسل ، فهؤلاء نقول لهم ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : ” لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني ، وقد علمتم أن السماء لا تمطر  ذهباً  ولا فضة “ ، كما نذكرهم  بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ” لو توكلتم على الله عز وجل حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروحُ بطاناً ” أي تذهب شديدة الجوع وتعود ممتلئة البطون ، فهي تعمل وتتحرك وتأخذ بالأسباب ، تغدو وتروح ، ولا  تجمد في مكانها وأعشاشها وتقول : اللهم ارزقني أو أمطر عليَّ حبَّك ورزقك .

    وممّا يُدعم قضية الأخذ بالأسباب ، قوله تعالى : ” هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ” ، وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : خيركم من يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود – عليه السلام – كان يأكل من عمل يده ” ، وقوله (صلى الله عليه وسلـم ): “من بات كالاًّ من عمل يده بات مغفوراً له ”  .

     وفي قوله تعالى لمريمعليها السلام –  وهي نفساء : ” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً إشارة واضحة إلى أهمية الأخذ بالأسباب ، وإلا فما عسى أن  تفعل نُفساء ضعيفة في جذع نخلة راسخة قوية ، لقد كان من الممكن عقلاً وواقعاً أن يؤتى لها بالتمر على طبق من ذهب دون عناء أو تعب ، ولكن كما قال الشاعر:

ألـم تـر أن  الله قـال لمــريــــم

وهزي إليك الجذع تساقط الرطب

ولو شاء أن تجنيه من غير هزة

جـنـتــه ولكـــن كل شيء له سبب

     أما الفريق الثاني فقد أسرف في اعتماده على الأسباب ، ظانًا أو متوهمًا أن الأسباب تؤدي بطبيعتها إلى النتائج ، غير مدرك أن للكون خالقا قادرًا حكيمًا يقول للشيء كن فيكون ، يجري أسبابه حيث يريد ، ويوقف جريانها حيث يريد ،” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ” غير أنه سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا .

    وأما الفريق الثالث فهو من شرح الله صدره للإسلام علمًا وفقهًا وفهمًا وتطبيقًا ، فأخذ بالأسباب بقوة ، مفوضًا أمره في النتائج إلى الله عز وجل، راضيًا بها ، مدركًا أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وما أصابه لم يكن ليخطئه.

     وكان سيدنا عراك بن مالك يأتي إلى المسجد يوم الجمعة مبكراً للصلاة ، فإذا قضيت الصلاة انصرف ووقف على باب المسجد قائلاً : ” اللهم إني قد أجبت دعوتك ، وأديت فريضتك ، وانطلقت كما أمرتني فارزقني من فضلك الكريم” استجابة عملية وتطبيقية لقوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ” .

     إننا نريد شعبًا متوكلاً آخذًا بالأسباب لا متواكلاً مهملاً لها ، نريد فهمًا لحقيقة التوكل ، نريد مزيدًا من العمل والإنتاج ، نريد أن نسابق الزمن    لنستدرك ما فات ، وندرك من سبق ، ونسابق من ينافس ، ونحقق الكفاية و الرخاء لأنفسنا ولأوطاننا في الدنيا ، ومرضاة ربنا عز وجل في الدنيا والآخرة ، بالامتثال لأمره وشرعته ، مؤكدين أن من رحمة الله عز وجل بنا أنه يُحاسبنا على الأخذ بالأسباب لا على تحقيق النتائج ، فإن وصلنا إلى ما نريد وما نعمل له فذلك فضل الله وتوفيقه ، وإن كانت الأخرى لقينا الله عز وجل ومعنا العذر.

   كما ينبغي أن نبني حركة حياتنا الآخذة بالأسباب في إطار الرؤية العقدية والإيمانية الصحيحة التي لا تنفك ولا تنفصل عن حقيقة التوكل الصحيح الذي  عمل القرآن الكريم على ترسيخه في النفوس ترسيخًا يحميها من كثير من الأمراض العصرية كالتوتر والقلق والاكتئاب والسعي في أسباب غير مشروعة ، لأن ما قدر كان ، وليس للإنسان في النهاية إلا ما كتب له ، والله عز وجل إذا أراد أمرًا هيأ له أسبابه ويسره على صاحبه ، يقول سبحانه: ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ  حَسْبُهُ “ ، ويقول سبحانه : ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً “، ويقول سبحانه : ” مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” ، ويقول سبحانه: ” وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ” , فمفاتيح خزائن الدنيا وما فيها عنده وحده دون سواه ، فلنحسن التوجه إليه والاعتماد عليه ، إنه نعم المولى ونعم النصير.

وثيقة الخطاب الديني

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      يأتي التفكير في إخراج وثيقة وطنية لوضع آليات ومنطلقات التجديد في مجالات الفكر والثقافة والخطاب الديني باعتباره أحد أهم مكونات البناء العقلي والفكري والثقافي للإنسان ، بغية الوقوف على أرضية وطنية وفكرية مشتركة تكبح جماح التطرف والتطرف المضاد ، تراعي مصالح الإنسان والأوطان بعيدًا عن كل ألوان الشطط والغلو .

       ومع إيماننا العميق بأهمية تبني خطاب ديني وسطي ، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والتشدد والغلو ، والتكفير والتفجير ، واللعب بعقول الشباب وعواطف العامة ، وإيمان أشد بمدى تأثير هذا الخطاب الوسطي في محاصرة التطرف والإرهاب ، فإننا نؤكد أنه لا يمكن أن يكون الخطاب الديني هو العامل الوحيد في المواجهة وإن كان أهم عامل فيها ، إنما يجب أن يقوم إلى جانبه خطاب علمي وفكري وثقافي وتربوي وإصلاحي موازٍ ، إذ إن المشكلة تكمن في أمور عديدة بعضها يتصل بالخطاب الديني سواء من جهة جنوح بعض المتاجرين به إلى التشدد والغلو ، أم من جهة وقوع بعض المتحدثين باسمه في دائرة الجمود ، أو دائرة السطحية ، أو عدم الإلمام بفقه المقاصد ، أو فقه الأولويات ، أو فقه الواقع ، أو فقه المتاح ، أو فقه الموازنات ، أو حتى الخوف من التجديد ، أو عدم شجاعة الإقدام عليه ، أو عدم القدرة على التخلص من بعض القيود الفكرية أو المذهبية أو المجتمعية المكبلة للفكر المقيدة للإبداع .

      غير أن هناك جوانب أخرى أهم وأخطر تتعلق بنمط التفكير ووسائل التربية وآلية تكوين العقل ، فنجد وللأسف الشديد أن النمط السائد في جميع التنظيمات الدينية وبخاصة السرية منها وعلى وجه أخص تنظيمات الجماعات والطوائف ذات الطابع الأيدلوجي الخاص أو النفعي ، إنما هو نمط العقلية التابعة أو المنسحقة أو المستسلمة أو المنقادة ، وأن الروح السائدة هي روح العقل الجمعي وحركة القطيع الذي يحركه الراعي الأوحد أو أول منطلق من أفراد القطيع الأقوياء ، دون أن يسأل باقي القطيع نفسه لماذا يتحرك ؟ وفي أي اتجاه يسير ؟ ولماذا هذا الاتجاه دون سواه ، حتى لو كان اتجاها إلى الهلكة والدمار ؟ وهو ما نلمسه واقعا في حركة هذا الشباب المخدوع المغرر به والمنسحق التابع المنقاد دون إعمال للعقل أو الفكر ، حيث يجري هذا النمط من الشباب خلف قيادات نفعية انتهازية تستغل غياب الوعي الكافي أو غياب الوعي أصلا لدى هؤلاء الشباب لتدفع بهم في دروب ومسالك التهلكة في العمليات الانتحارية والتفجيرية والتخريبية دون وازع من دين أو خلق كريم أو أصول مرعية أو ضمير إنساني حي .

        وحتى تتغير عقلية القطيع هذه وعقلية التبعية إلى عقلية فاحصة ناقدة واعية مميزة ينبغي على جهات متعددة أن تعيد النظر في وسائلها وأدواتها ومنطلقاتها ، فإذا أردت أن تحدث نقلة نوعية في أي مجال من المجالات فإنك لا يمكن أن تحدثها بنفس أدواتك ووسائلك القديمة ، بل يجب أن تفكر في وسائل وأدوات مبتكرة وغير تقليدية ، ومن هنا يأتي انعقاد ملتقى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الوطني يوم الاثنين المقبل في الخامس والعشرين من مايو الجاري لنناقش معا سياسيين ، وكتاب ، ومفكرين ، وأدباء ، ومبدعين ، وتربويين ، وعلماء دين ، وعلماء نفس ، وعلماء اجتماع ، وإعلاميين ، كل فيما يخصه آلية الخروج من دوائر الجمود والتخلف والتطرف والعقلية التابعة ، ونعمل معا على إعادة تشكيل وتكوين البناء الفكري والعقلي والثقافي لشبابنا ، وبخاصة هذا الشباب اليافع الذي تخطفته أو اختطفته يد الغدر والتشدد والإرهاب ، وألا يلقي أحد منّا بكل التهم أو التبعة على الآخر ، فليس الوقت وقت كيل الاتهامات والاتهامات المضادة ، أو وقت غسيل الأيدي وإبراء الذمم من التقصير ، فقد لا يسعفنا الوقت ، بل قد يداهمنا بما لا نحتمل من المصائب الأنكى الأشد ونحن ما نزال على أبواب العتاب والعتاب المضاد والتخوين والتخوين المضاد والتأنيب والتأنيب المضاد ، إنما علينا جميعا ، بل على كل واحد منا بعينه أن يضع يده في يد الآخرين على أرضية وطنية صلبة راسخة ، وثقة متبادلة ، وروح وثابة ، وعقول خلاقه مبدعة ، وتفكير خارج الصندوق أو خارج الإطار النمطي التقليدي ، لنبني معا مستقبلنا المشرق بإعادة تشكيل العقل المصري ، بل العربي ، بل الإنساني ، رجاء تحقيق الاستقرار والرفاهية والرقي لوطننا ولأمتنا وللعالم كله والإنسانية جمعاء ، ذلك أن الإرهاب الأسود الغاشم صار يضرب الجميع بلا رحمة ولا هوادة ولا استثناء .

       وإذا كانت وحدة الصف مطلبا على كل حال ، لأن يد الله مع الجماعة ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، فإن العمل على وحدة الصف على المستوى الوطني والقومي والإنساني لمواجهة مخاطر الإرهاب صار مطلبا دينيا ووطنيا وإنسانيا ، كل وفق ما يمليه عليه دينه أو خلقه أو ضميره أو إنسانيته ، لا يتخلف عن هذه المواجهة الحتمية إلا منسلخ من هذه الصفات الأربع مجتمعة .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار :
داعش والإخوان وحتمية المصير المشترك

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        لا شك أن الحادث الأخير الذي استهدف ضمير العدالة والحوادث المتتابعة ضد قواتنا المسلحة الباسلة ورجال الشرطة الساهرين على حفظ أمن الوطن واستقراره ، وتصاعد عمليات التخريب الممنهج للبنى التحتية وبخاصة أبراج الكهرباء ، وإعلان أعداء بيت المقدس بسيناء مبايعة الإرهابي أبي بكر البغدادي ، كل ذلك يبعث إلى مزيد من التأمل في طبيعة العلاقة بين الإخوان وسائر التنظيمات الإرهابية الدولية وفي مقدمتها تنظيما داعش والقاعدة الإرهابيان ، إذ تقوم أيدلوجية كل هذه التنظيمات وبلا استثناء على سياسة القتل والاغتيال والإرهاب والمتاجرة بالدين وإغراء الشباب بالمن والسلوى والحور  العين في الدنيا  والآخرة ، ولا يمكن أن يغيب عن أذهاننا ذلك الرجل المسخ الذي ظهر على إحدى الفضائيات يعدُّ دون أدنى مبالغة أو تعديل أو تحوير لعبارته بالمن والسلوى إذا أعيد المعزول إلى كرسي الحكم ، وخرج آخر يهدد بالتفجير والسيارات المفخخة والعمليات الإرهابية إذا لم تتم هذه العودة ، بل رأينا أحد أهم قيادات الإخوان وهو الإرهابي محمد البلتاجي يقول : في الوقت الذي يتم فيه إعادة الإرهابي المعزول إلى سدة الحكم ستتوقف على الفور كل العمليات الإرهابية في سيناء، ونريد لهذه الذاكرة التاريخية أن تظل نشطة واعية لافظة لهذا الإرهاب الذي يحصد أرواح أبنائنا ويستهدف مقومات حياتنا الاقتصادية وبناها التحتية ، خدمة لأعداء الأمة وسبيلاً لتحقيق أوهام سلطوية مزعومة ، يوعدون بها من القوى الاستخباراتية العالمية ومن يجندوهم لتخريب بلادهم وأوطانهم.

         على أن أوجه التشابه التي كنا نستنتجها في السابق بين الإخوان وداعش من الكذب الممنهج ،  والعمالة ، والخيانة ، وتبني العنف ، قد تجاوزت  الآن مناط الاستنتاج إلى رصد هذا التحالف الواضح بين هذه الجماعات كلها ، ويكمن الفرق في توزيع الأدوار والاستراتيجيات ؛ لأن الجميع تحركهم أداة استعمارية واحدة ، هي التي ترسم لهم سياساتهم وتحركاتهم ، وتوزع الأدوار بينهم بحنكة ودهاء شديد ، تستخدم هؤلاء وأولئك، وتطرح نماذج مختلفة بعضها أشد عنفًا وقساوة وإرهابًا ليرضى الناس عند الموازنة بالخيار الأقل  سوءًا أو إرهابًا أو وحشية ، ولنضرب لذلك مثالاً بما يحدث إلى جوارنا في ليبيا الشقيقة ، حيث سلطت القوى الاستعمارية التنظيمين الإرهابيين داعش والإخوان على الشعب الليبي الشقيق ؛ لتضع الأشقاء الليبيين في الخيار المــر أو الموقف الصعب ، فلكي تساعدهم القوى العالمية في التخلص من وحشية داعش عليهم أن يقبلوا بالمشاركة الإخوانية على إرهابها ولفظ الشعب الليبي الوطني الأصيل لها ، إذ تعمل بعض القوى العالمية على فرض هذا الفصيل الإرهابي فرضًا على الشعب الليبي والمعادلة الليبية ، وإلا فليشربوا من كأس داعش  الذبح والحرق والإجرام وتدمير بنى الدولة.

          على أن كلا الطرفين داعش والإخوان يرى في الآخر حليفًا ونصيرًا قويًّا له ، قوته من قوته وضعفه من ضعفه ، فهما يلتقيان في هدف واحد هو العمل على إنهاك الأنظمة القائمة وإسقاطها ، وتفكيك الدول العربية وتمزيق كيانها ، فكلاهما لا يؤمن بوطن ولا بدولة وطنية ، إنما هو السعي إلى الخلافة المزعومة التي يطلبها كل من الطرفين لنفسه ، ولو انتهى أي صراع – لا قدر الله – لصالحهم ، فسيقتل بعضهم بعضًا ويحرق بعضهم بعضًا ، بل إن القوى التي تستخدمهم الآن لتحقيق مصالحها هي من سيضرب بعضهم ببعض على نحو ما حدث في أفغانستان والصومال وغيرهما من الدول التي تناحرت فيها فصائل المتاجرة بالدين بما فيها فصائل ما كان يعرف بالمقاومة ، لأن الحس الوطني وإعلاء قيمة الدولة الوطنية لم يكن حاضرًا وواضحًا وأصيلاً لدى أي من هذه الجماعات والتنظيمات.

         وأكاد أجزم أن مصير داعش والإخوان مرتبط غاية الارتباط ، فسقوط تنظيم داعش يعني سقوط الإخوان سقوطًا لن تقوم لهم  قائمة بعده ، باعتباره الحليف الأبرز والأقوى لهم .

          كما أن سقوط الإخوان سيعجل بسقوط داعش باعتبار أن جماعة الإخوان تعمل على تشتيت الجهود الأمنية في الداخل وتستهدف الجيش الوطني والشرطة الوطنية لتشغله بذلك عن المواجهة مع داعش والقاعدة أو تضعف على أقل تقدير من عزيمته في المواجهة ، بحيث تكون الجيوش الوطنية مشتتة ما بين مواجهة صريحة مع داعش والقاعدة وأعداء بيت المقدس من جهة ، و مع الإخوان الذين يتهددون المجتمع وبناه التحتية وخيراته ومقوماته الاقتصادية من جهة أخرى .

          ومن هنا يجب على جميع الوطنيين الشرفاء ألا يكتفوا بمجرد رفض العنف ، بل علينا جميعًا أن نصطفَّ اصطفافًا وطنيًّا وعربيًّا وإنسانيًّا لمواجهة كل ألوان الإرهاب ، وإذا كان مصير الجماعات الإرهابية مرتبطًا ، وتحالف أهل الشر واضحًا ، فالأولى بقوى الخير والعدل والرحمة والإنسانية أن تقف صفًّا واحدًا موحدًا ، ففي كل دولة وطنية يجب أن يقف أبناؤها في خندق واحد هو خندق المواجهة والدفاع عنها وكشف الإرهابيين والمجرمين ومحاصرتهم فكريًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وقضائيًّا حتى نقتلع هذا الإرهاب الأسود من جذوره.

          وعلى مستوى الأمة العربية يجب أن ندرك أن الخطر يتهددنا جميعًا وبلا استثناء ، فقوة أي دولة عربية من قوة أمتها ، وقوة الأمة العربية من تماسك جميع دولها ، و إذا  كانوا يقولون : رجل فقير في دولة غنية أفضل من رجل غني في دولة فقيرة ، لأن الدولة الغنية تكفل أبناءها ، أما الرجل الغني في دولة فقيرة فهو عرضة لكثير من المخاطر ، فإننا نقول قياسًا على هذه المقولة : إن أي دولة فقيرة أو ضعيفة تصير قوية في ضوء لحمة ووحدة عربية حقيقية ، وإن أي دولة قوية تصير ضعيفة في أمة مشتتة وغير متماسكة .

          ومن هنا كان التعبير الواعي الحكيم لسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي حين قال : إن أمن مصر من أمن أمتها العربية وأمن الأمة العربية من أمن مصر وأمن الخليج خط أحمر ، فهو المصير العربي المشترك ، فإما أن نكون معًا أو لا نكون أصلاً ، وسنكون معًا بإذن الله تعالى، لأن العوامل التي تربط بيننا من الدين واللغة والقومية العربية والجوار  والمصالح المشتركة ، بل المصير المشترك تحتم علينا أن نكون معًا في مواجهة التحديات ، وهو ما تسعى إليه القيادات السياسية الواعية وبخاصة في مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين ومن معهم من الدول العربية الشقيقة الواعية بأهمية مصيرنا المشترك.

           على أن هناك مشتركًا آخر ينبغي أن نعمل من خلاله ، وهو المشترك الإنساني لدى محبي السلام ولافظي العنف والإرهاب من أحرار العالم ، ذلك أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له ولا عهد له ، وأنه صار عابرًا للحدود والقارات ، وأنه يأكل من يدعمه أو يأويه ، مما يتطلب اصطفافًا إنسانيًّا عاجلاً وسريعًا قبل أن يستشري خطر هذه التنظيمات الإرهابية ويصبح خارج السيطرة والإمكان.

الإدمان والإرهاب وصناعة الموت

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

      لا شك أن هناك علاقة وطيدة سواء فى التنفيذ والتخطيط ، أم فى الآثار المدمرة لكل من الإدمان والإرهاب , فكلاهما مدمر للعقول ، وللمجتمع ، وللبنى الأساسية : الاقتصادية والفكرية والثقافية والعقلية للمجتمعات والأمم والشعوب , وقد علمنا ديننا الحنيف أن الخمر أمّ الخبائث , ذلك أن المدمن إذا سكر هذى واختل عقله , فربما أقدم على الجريمة سواء أكانت سرقة ، أم قتلاً ، أم زنا ، أم اغتصاباً ، أم تحرشاً .

     والذى لاشك فيه أيضاً أن أعداء ديننا ووطننا وأمتنا يعملون على توظيف جميع أدوات الشر بلا استثناء للوصول إلى تحقيق أغراضهم الخبيثة , وأن الإرهاب والإدمان يأتيان في مقدمة هذه الأدوات  ، وربما كان الإدمان هو المقدمة المستخدمة لمسح العقول ثم السيطرة عليها .

     ومن هنا فإن مواجهة الإدمان لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب ، فكلاهما صناعة للموت ، سواء أكان موتا سريعا مباغتا ناتجا عن العمليات الإرهابية والإجرامية والانتحارية ، أم كان موتا بطيئًا ناتجا عن تدمير الخلايا العقلية ، أم موتا قائما على تأثير المخدر وناتجا عنه ، حيث تتعدد الأسباب والموت واحد .

      وإذا كانت مواجهة الإرهاب تتطلب تضافر جهود جهات ومؤسسات عديدة  فإن مواجهة الإدمان تحتاج هي الأخرى إلى شراكة حقيقية وجادة وغير شكلية بين مؤسسات عديدة , الدينية منها فى الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء , والثقافية والتعليمية والاجتماعية والتربوية والأمنية والصحية ، ومراكز مكافحة المخدرات وعلاج الإدمان , لنواجه معاً كل هذه الظواهر السلبية حتى نقتلعها من جذورها ، إذ ينبغي أن تقوم كل مؤسسة بدورها وبالقدر الذى تحتاجه مواجهة المشكلة , وألا يكون الأمر شكلياً أو إعلامياً فحسب أو يكون من باب إبراء الذمة تجاه القضية , فالأمر جد خطير , والإحصائيات صادمة ، إذ تذكر الإحصائيات المتعلقة بالتدخين و الإدمان أن عدد المدخنين في مصر يصل إلى نحو ثلاثة عشر  مليون مدخن ، ينفقون نحو ثمانية  مليارات جنيه سنويًا ، أما نسبة المتعاطين للمخدرات فتصل إلى نحو 10 % من السكان أي نحو تسعة ملايين متعاطٍ ربعهم تقريبا من المدمنين بما يعادل نحو 2.4 % من إجمالي عدد السكان ، إضافة إلى أمر جد خطير وهو تدني سن بداية التعاطي لمرحلة الطفولة والمراهقة ، وتراجع دور الأسرة في المواجهة ، حيث إن نحو  58 % من المدمنين يعيشون مع الوالدين ، مما يعني أن الأمر يحتاج إلى جراحة سريعة وعاجلة وناجزة ، وصحوة أكبر من الوالدين وإحساس بالمسئولية تجاه أبنائهم ، والتأكيد على أن هذه المسئولية لا يمكن أن تنحصر في توفير المتطلبات المادية للأبناء ، إنما تعني أول ما تعني حسن التربية ومراقبة السلوك ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ” (متفق عليه) .

      ولا يغير الأمر شيئا أن تُسمَّى الأشياء بغير اسمها ، سواء أسمّى المخدر حشيشا ، أم هيروينا ، أم كوكاينا ، أم أي اسم آخر ، فقد نبه نبينا (صلى الله عليه وسلم) إلى ذلك ، فقال (عليه الصلاة والسلام) : ” لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ” ، كما لا يغير من الأمر شيئا أن تقل الجرعة أو تكثر ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ” ، كما أن العبرة في الإسكار وعدمه بأصحاب الفطرة السليمة ، الذين لم تلوث فطرتهم ولا عقولهم بتناول أنواع المخدرات المختلفة ، أما المدمنون فلا يُقاس عليهم ، إذ لا يُقاس على أصحاب الفطر التي أصابها الإدمان بلوثته .

      على أن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تُعد مطلبًا شرعيًا ووطنيًا ومجتمعيًا , وقد أكد القرآن الكريم على أن الخمر رجس من عمل الشيطان يجب الانتهاء عنه , حيث يقول الحق سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ” ، ويقول (عليه الصلاة والسلام) :” لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ” ، وعَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ (رضي الله عنه) قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) مَعَ أَصْحَابِي مِنَ الْيَمَنِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لَنَا شَرَابًا نَتَّخِذُهُ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلادِنَا ، وَنَحْنُ نُعَالِجُ أَعْمالا شَدِيدَةً فَنُقَوَّى بِهِ وَيَتَقَوَّوْنَ بِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (صلى الله عليه وسلم) : ” هَلْ يُسْكِرُ ؟ ” قَالَ: قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : ” فَاجْتَنِبُوهُ ” .