مقالات

مـن الـذي يحمــي داعــــش ؟

 

Mokhtar9

                                              

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

           لا شك أن الحماية التي يتعرض لها تنظيم داعش الإرهابي ومستوى التمويل والتسليح الذي يحصل عليه هذا التنظيم ، وهذا التراخي البيّن في القضاء عليه ، وإذكاء الخلافات الدينية والعرقية والمذهبية في بعض دول المنطقة ، يعد أمرًا لافتا للنظر ويدفع للتساؤل من الذي يحمي داعش ؟  كما أن هناك أمورًا أخرى أكثر لفتا للنظر ، منها : صمت جميع المنظمات الدولية والعالمية المعنية بحقوق : المرأة ، والأقليات ، والطفل ، وحقوق الإنسان – عن جرائم داعش ، فلم نكد نرى سوى إدانات خجولة لا ترقى إلى مستوى الإجرام الذي يقوم به هذا التنظيم الإرهابي الغاشم ، وإلا فلتقل لنا هذه المنظمات الدولية : ماذا صنعت تجاه قطع رءوس الأطفال والشباب والشيوخ ؟ وتجاه استخدام الأطفال في الحمل القسري للسلاح ؟ وتجاه هذا المنظرالمرعب لختان بعض البنات بصورة ربما لم يشهد التاريخ مثلها وحشية وهمجية ؟

            بل أين هذه المنظمات من التجنيد القسري لبعض النساء ودفعهن دفعا إلى العمليات الانتحارية ، فضلا عن امتهانهن وسبيهن واسترقاقهن وبيعهن في سوق جديدة للنخاسة والعبيد ، في عالم يزعم أنه يعمل على القضاء على كل ألوان العبودية والرق التي لم يعد اسمها مطاقا ولا مستساغاً في عالمنا المعاصر ؟

            وإذا كان العالم يزعم أنه يحترم حقوق الأكثرية والأقلية ، فماذا صنع العالم الذي يزعم أنه حر تجاه حقوق المسيحيين والإيزيديين من رجال ونساء وأطفال ممن تعرضوا للقتل والذبح والتهجير والاستعباد ، فلم نسمع صوتا يجهر بإنقاذ هؤلاء وهم يُقتّلون ويُهجّرون ، وتُسبى نساؤهم وأطفالهم ، وتُهدم كنائسهم كما هُدمت المساجد أيضا في العراق ممن لا يرقبون في البشر ولا في الحجر عهدًا ولا ذمة ولا دينًا ولا خلقًا ولا إنسانية ، بل خرج علينا أحد هؤلاء الإرهابيين المصنوعين على أعين بعض أجهزة المخابرات الصهيونية ليؤكد أنه عندما يذبح الإنسان ، فلا ينبغي أن يُذبَح فحسب ، إنما عل الذابح أن يعمل على التلذذ بطريقة  ذبحه ، مع أن الإسلام قد أمر أننا عندما نذبح الحيوان أن نحسن الذبحة ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته ” (رواه مسلم) ، وإذا كانت بعض منظمات المجتمع المدني الدولي قد تخصصت في حقوق الحيوان حتى عند ذبحه ، وقد تعرضنا في أوقات سابقة لبعض المضايقات تحت التذرع بالدفاع عن حقوق الحيوان ، فإننا نقول لهؤلاء الذين كانوا  يتاجرون  بحقوق الحيوان  ، أين أنتم يا حمائم السلام ونسائم الحرية من حقوق الإنسان والحيوان والحجر والشجر ؟ أو أن الأمر حين يتعلق بالإنسان العربي أو المسلم فلا حقوق ولا إنسانية ؟

        إن المبادئ الحقيقية لا يمكن أن تتجزأ ، وإن تجزأت وتغيرت وفق المصالح والأهواء لم تعد صالحة يمكن للبشر أن يؤمنوا بها أو بأصحابها .

        وإذا كان الأمر كذلك فإننا نذكّر بقول الشاعر :

أنا لا ألوم المستبد                    إذا تجاوز أو تعدى

فسبيلـه أن يستبــــد                  وشأننــا أن نستعــدا

         وأؤكد أننا في حاجة إلى اصطفاف وطني وعربي وإسلامي ودولي يجمع أصحاب الضمير الإنساني الحر ، قبل أن يأكل هذا الإرهاب الغاشم الأخضر واليابس في الغرب قبل الشرق ، والشمال قبل الجنوب ، وكل يوم يتأخر فيه هذا الاصطفاف يزداد الإرهاب الأسود ضراوة وشراسة في البطش والانتقام وتشويه صورة الإسلام ، كما يخدش بلا شك وجه الإنسانية ، ويكشف زيف التحضر الكاذب الذي يدّعيه المتشدقون بالدفاع عن حقوق الإنسان والحيوان ، غير أننا سنمضي في مواجهة هذا الإرهاب بعزيمة لا تكل ولا تمل مرضاة لربنا ، ودفاعا عن أوطاننا وأعراضنا وأموالنا ، حتى لو كنا في الميدان وحدنا دون سوانا ، لأننا أصحاب قيم ومبادئ لا نحيد عنها في أحرج الظروف واللحظات ، وهو  ما يميز مصر عن سواها ويجعلها قرّة عين صديقها وغيظ عداها .

مجلـــس الشعـــب القــادم

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

         لعل مجلس الشعب القادم أهم مجلس في تاريخ مصر النيابي ، ذلك أنه يأتي بعد ثورتين عظيمتين ، الأولى 25 يناير 2011 م ، والأخرى 30 يونيو 2013 م ، كما أنه يأتي متزامنًا مع نهضة ثقافية وارتفاع مستوى الوعي السياسي وحراك شبابي كبير ، فلم يعد الشعب هو هو ، ولا الناخب هو هو ، ولا التحديات هي هي ، كما أنه يأتي في ظل تحديات ومخاطر كبيرة من الداخل والخارج ، سواء فيما حولنا وما يجري في محيطنا وبخاصة في ليبيا ، وسوريا ، والعراق ، وما يجري على حدودنا في غزة ، وما يحاك لمنطقتنا كلها من مؤامرات ومخططات تستهدف وجودها وكيانها ونفطها وخيراتها وموقعها الجغرافي ، أم تلك المخاطر التي نواجهها في الداخل من دعاة الهدم والتخريب من الإخوان والجبهة السلفية وسائر الجماعات التي تتخذ من التكفير وسيلة للقتل واستحلال الدماء والأعراض  والأموال والاعتداء الغاشم الآثم الممنهج على قواتنا المسلحة الباسلة التي تدافع عن الوطن والدين والأرض والعرض ، وقوات الشرطة الساهرة على أمن الوطن واستقراره ، وهؤلاء وأولئك من أبناء الجيش والشرطة هم أبناؤنا جميعا ، فهذا ابني أو أخي ، أو ابنك أو ابن أخيك أو ابن أختك ، أو ابن عم لك أو خال ، فكيف نسمح ونرضى للإرهابيين الخونة العملاء المأجورين أن يستهدفو ا أبناءنا وإخوتنا وأبناء عمومتنا أوأبناء أخوالنا ؟ ثم كيف نسمح لهم أن يستهدفو ا مقدراتنا وخيراتنا ومقومات حياتنا ، ومجتمعنا وبناه التحتية من ماء وكهرباء واتصالات وطرق تُقطع أو تُدمّر بما لا يقرّه دين ولا خلق ولا وطن ولا إنسانية لا في شرعة الأديان ولا أعراف  الإنسانية السوية ، ولا حتى شريعة الغاب والحيوان ؟

          وإذا كنا قد عانينا مما يعرف بتيار وحركات الإسلام السياسي أشد المعاناة في الحقبة الماضية أيام تجربة الإخوان المُرّة بما جرت علينا وعلى المنطقة كلها من ويلات شديدة ، فإننا يجب أن نعمل على ألا تتكرر قضية المتاجرة بالدين واللعب بعواطف العامة ، لأن مصر والمنطقة كلها لم تعد تحتمل تكرار هذه التجربة المُرّة التي عانينا فيها من أصحاب غزوة الصناديق ، ومحاصرة المحكمة الدستورية ، والإعلان الدستوري الذي كاد أن يقول فيه الرئيس المعزول : أنا ربكم الأعلى ، وما أريكم  إلا ما أرى ، وما أهديهم إلا سبيل الرشاد ، أو أن يجعل من نفسه نصف إله ، وشهد المجتمع المصري في عهده ” عهد الأهل والعشيرة” إقصاء لم يشهده في تاريخه ، كما شهد تقسيم الوطن على أساس الدين إلى فسطاطين : فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر ، وهو ما لا يمكن الرجوع إليه ، ولا ينبغي للشعب المصري بوعيه الثقافي والحضاري أن يرجع بنا إليه أو أن يسمح بذلك مرة أخرى ، وكفانا ما عانينا من هذه الحركات وتلك التيارات والأحزاب المتاجرة بالدين ، وبخاصة أن أحد أهم مهام المجلس القادم أنه مجلس تشريعي بامتياز ، فنريد أن يكون صنع القوانين وإخراجها في أيدٍ وطنية ولاؤها لوطنها لا الشرق ولا الغرب ولا للممولين من دول أخرى ، يمكن أن تلعب دورًا خطيرًا ومؤثرًا في حركة حياتنا .

       ونؤكد لصانعي الإرهاب وداعميه أن الإرهاب الذي يدعمونه ، ويربونه على أيديهم وتحت أعينهم ، سيكتوون بناره ، إن اليوم وإن غدا ، طال الزمان أو قصر ، لأن الإرهاب لا دين له ، ولا خلق له ، ولا وطن له ، وأنه يأكل من يدعمه ، فهؤلاء الإرهابيون الذين يُحتضنون في بعض البلاد سيكونون نقمة عليها ، وسيعملون على تجنيد شبابها وأبنائها لخدمة أهدافهم ، وسيجعلون من بعضهم قنابل موقوتة وأخرى متفجرة ، وسيجرّون الويلات على الدول التي تأويهم ، وإن غدا لناظره قريب ، يقول الحق سبحانه : ” إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ” (هود : 80) .

       وينبغي أن يعمل الجميع على أن تكون الانتخابات على أسس سياسية ووطنية محضة بعيدًا عن كل ألوان الاستغلال السياسي للدين، ونحذر تحذيرًا لا لبس فيه ولا غموض من محاولة استغلال المساجد في العملية الانتخابية ، ونؤكد أن محاولة بعض المنتسبين لبعض أحزاب وحركات ما يعرف بالإسلام السياسي ابتزاز وزارة الأوقاف المصرية للضغط عليها لغض الطرف عن محاولات بعض أعضاء هذه الأحزاب للسيطرة على المساجد هي محاولات رخيصة مكشوفة لن تفت في عضد الوزارة ولا رجالها .

        علما بأن الاستغلال السياسي للدين عند بعض هؤلاء وصل إلى درجة الإساءة المتعمدة إلى بعض العاملين بالأوقاف وبخاصة من الأئمة الذين نرى أن أقل إمام منهم ممن يدركون مصلحة وطنهم هو أكثر علما وفقها وفهما ووطنية من هؤلاء المتاجرين بالدين الذين لا تحكمهم سوى شهوة الوصول إلى السلطة حتى لو كان ذلك على حساب دينهم أو وطنهم أو قيمهم أو مبادئهم أو الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى فيه أبناء الوطن الواحد بعضهم تجاه بعض .

       والموقف الذي أريده واضحا لا لبس فيه ممن يوظفون الدين ليلا ونهارًا لتحقيق مصالحهم الانتخابية ، إن كانوا أهل دعوة أن يتفرغوا لدعوتهم ، وإن كانوا أهل سياسة أن يتفرغوا لسياستهم ، أما خلط الأوراق فهو عين ما فعله الإخوان ، وما حذرنا ومازلنا وسنظل نحذر منه ، مؤكدين أننا لن نسمح بتوظيف مساجدنا انتخابيا لصالح أي حزب أو فصيل أو شخص أو جماعة ، وسيدرك المصريون جميعا يوما ما مدى دقة هذا الكلام ، غير أني أؤمل أن يدركوه قبل فوات الأوان ، وأرجو ألا يكون مثلي ومثلهم هو قول شاعرنا العربي :

ولقد نصحتهم بمنعرج اللوى                 فلم يستبينوا النصح إلا ضحى غدِ

نظـام الحكــم والمتاجــرة بالخلافـــة

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

       لم يضع الإسلام قالبا جامدًا صامتا محددًا لنظام الحكم لا يمكن الخروج عنه ، وإنما وضع أسسًا ومعايير متى تحققت كان الحكم رشيدًا يقرّه الإسلام ، ومتى اختلّت أصاب الحكم من الخلل والاضطراب بمقدار اختلالها .

       ولعل العنوان الأهم الأبرز لنظام أي حكم رشيد هو مدى تحقيقه لمصالح البلاد والعباد ، وعلى أقل تقدير مدى عمله لذلك وسعيه إليه ، فأي حكم يسعى إلى تحقيق مصالح البلاد والعباد في ضوء معاني العدل والمساواة والحرية المنضبطة بعيدًا عن الفوضى والمحسوبية وتقديم الولاء على الكفاءة  فهو حكم رشيد معتبر .

      وتحت هذا العنوان الرئيس تتداعى تفاصيل كثيرة تهدف في مجملها إلى تحقيق العدل بكل ألوانه السياسية والاجتماعية والقضائية بين البشر جميعًا ، وعدم التمييز بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو العرق، ولا إكراه في الدين ، يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) في مخاطبة كفار مكة: ” لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ” ، فكل حكم يعمل على تحقيق ذلك ويسعى إلى توفير الحاجات الأساسية للمجتمع من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وبنى تحتية من : صحة ، وتعليم ، وطرق ، ونحو ذلك مما لا تقوم حياة البلاد والعباد إلا به ، فإنه يُعد حكمًا رشيدًا سديدًا موفقًا ، مرضيًا عند الله وعند الناس إلا من حاقد أو حاسد أو مكابر أو معاند أو خائن أو عميل .

      ويؤكد أهل العلم والرأي والفكر أن الله (عز وجل) ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة .

      أما من يتخذون من قضية الخلافة وسيلة للمتاجرة بالدين واللعب بعواطف العامة محتجين ببعض النصوص التي يسقطونها إسقاطا خاطئًا دون أي دراية بفقه الواقع أو تحقيق المناط من جهة ، ويجعلونها أصل الأصول الذي عليه مناط الإيمان والكفر من جهة أخرى ، فإننا نرد عليهم بما أكد عليه فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها في مؤتمر ” الأزهر في مواجهة الإرهاب والتطرف ” من أنه لا نزاع بين أهل العلم المعتبرين أن الخلافة أليق بالفروع وأقرب لها ، ومذهب الأشاعرة على أنها فرع لا أصل ، وذكر فضيلته ما ورد في كتاب شرح المواقف الذي يُعد أحد أعمدة كتب المذهب الأشعري ، حيث ذكر مؤلفه في شأن الإمامة أنها ” ليست من أصول الديانات والعقائد عندنا بل هي فرع من الفروع ” ، ثم علق فضيلة الإمام قائلا : فكيف صارت هذه المسألة التي ليست من أصول الدين عند أهل السنة والجماعة فاصلا عند هذا الشباب بين الكفر والإيمان ، وفتنة سُفِكَت فيها الدماء ، وخُرّب العمران ، وشُوّهت بها صورة هذا الدين الحنيف ؟!

      وعندما تحدث النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الجامع عن الإيمان والإسلام والإحسان لم يجعل (صلى الله عليه وسلم) الخلافة ركنا من أركان الإيمان أو الإسلام ، فعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال : ” بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ” (مسلم) .

      أما جملة الأحاديث التي تتحدث عن الخلافة والبيعة فيمكن أن تُحمل في جملتها في ضوء معطيات عصرنا الحاضر على ضرورة إقامة نظام حكم عادل رشيد له رئيس ومؤسسات ، يعمل على تحقيق العدل بين الناس ، وتحقيق مصالح البلاد والعباد ، ويستند إلى الشورى والإفادة من الكفاءات وأهل الخبرة والاختصاص ، بحيث لا يترك الناس فوضى لا سراة لهم ، ولا إشكال بعد ذلك في الأسماء والمسميات طالما أنها تحقق الأهداف والغايات التي يسعى الإسلام لتحقيقها بين الناس جميعا بما يحقق صالح دينهم ودنياهم ، وهو ما يناقشه علماؤنا في انطلاق صالون الأوقاف الثقافي غدًا السبت بإذن الله تعالى.

حـظ النفـس مـن الـدنيــا

 

Dr.Mokhtar-Gomaa

 

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

        نؤمن أن الكمال لله وحده , وأن العصمة فقط لأنبيائه ورسله , ثم إن لكل نفس حظها ونصيبها من الدنيا قل ذلك أو كثر ، غير أن حظ النفوس قد يكون غبطة ، وقد يكون حسدا ، وقد يكون غلا وحقدًا وانتقامًا , وقد يكون مجرد أمل , وقد يكون أملا يحمله العمل .

         فالغبطة هي أن تتمنى دوام الخير للغير وأن يصيبك منه ما أصابه , من غير أن تتمنى زوال النعمة عنه , أما الحسد ففيه استكثار النعمة على الغير واعتباره غير أهل لها وتمني زوالها عنه , أما الغل والحقد والانتقام فهو العمل على زوال النعمة عن الغير , وإذا كانت الغبطة هي جزءا من حظ النفس الذي يمكن أن يكون مقبولا , فإن الأمرين الأخيرين يتنافيان غاية التنافي مع الدين والقيم وطبائع النفس السوية .

         والغبطة إما أن تكون أملا فارغًا , وتطلعًا نفسيًا لا يخدمه عمل ولا مقومات , وهو ما حذر منه النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ” (صحيح مسلم) , وإما أن تكون الغبطة غبطة صحية تدفع إلى السعي والعمل والتنافس في الخيرات , وهي غبطة مقبولة تتناسب وطبائع النفوس السوية .

        وهناك عوامل تدفع إلى ضبط وعلاج حظ النفس من الدنيا , وأخرى تدفع إلى التوتر والقلق وربما الهدم والهلاك .

        والناس نوعان : الأول سبيله الوحيد هو البناء لا الهدم , فهو معنيٌّ ببناء نفسه ، أو بناء دولته , أو بناء ما يقع في نطاق مسئوليته , لأنه يؤمن أن البناء هو السبيل إلى مرضاة الله , من منطلق أن رسالة الإسلام بل صحيح الأديان رسالة بناء وعمارة للكون لا هدم فيها ولا تخريب , فإن وجد فتنة وهدمًا , قاوم وصمد احتسابا لله وحده , أو اعتزلها ونأى بنفسه عنها وأنكر بلسانه أو بقلبه , وهذا أضعف الإيمان ، أما الصنف الآخر فيسلك منهج التشويه والهدم للآخرين , وكما قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني في وساطته : وأهل النقص رجلان : رجل أتاه التقصير من قبله , وقعد به عن الكمال اختياره , فهو يساهم الفضلاء بطبعه , ويحنو على الفضل بقدر سهمه , وآخر رأى النقص ممتزجًا بخلقته , ومؤثّلا في تركيب فطرته, فاستشعر اليأس من زواله ، وقصرت به الهمة عن انتقاله ، فلجأ إلى حسد الأفاضل ، واستغاث بانتقاص الأماثل ، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته , وستر ما كشفه العجز عن عورته ، اجتذابُهم إلى مشاركته , ووسمُهم بمثل سِمَتِه , وقد قيل :

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ

طُوِيَت أتاحَ لها لِسانَ حسودِ

        أما  العوامل التي تدفع إلى ضبط النفس وعلاج حظها من الدنيا , فأولها الإيمان الصادق بالله وبقضائه وقدره , وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه , مؤمنًا بأن الأمور بيد الله وحده , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ” (الترمذي) .

       ثم يتبع ذلك الرضا بما قسم الله , والثقة فيه , ثم ثقة الإنسان في نفسه , وإحساسه بقدرته على الإنجاز , وسعة أفقه في الحياة , ودخوله من أبوابها المتسعة , وأن يترك ما لا يستطيع إلى ما يستطيع لعله يجد فيما يستطيع ما يحقق أمله , مع إيمان مطلق بقسمة الله في خلقه , وأنها قسمة عدل تستحق الرضا , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ” (الترمذي) .