مقالات

فرض الكفاية الوطني

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

ينقسم  الواجب عند أهل العلم إلى عيني وكفائي ، فالعيني هو ما يجب وجوباً عينياً لازماً على كل فرض  من آحاد الأمة ، لا يقوم غيره فيه مقامه ، ويمثل له علماء الشريعة بإقام الصلاة وصيام رمضان، ونحو ذلك ،  حيث لا يجزي  صيام الأمة كلها عن إفطار من أفطر ، ولا يغنى عنه صيامها من الله شيئاً  .

والواجب  الكفائي إذا قام به بعض الناس سقط الإثم عن  الباقين، وإن لم يقم به أحد أثموا جميعاً ، وكان الفقهاء يمثلون له باتباع الجنائز ، ورد السلام ، وتشميت العاطس ، ونحو ذلك  . . .

غير أن فهم بعض الناشئة  وطلاب العلم قد توقف  أو جمُد عند هذه الحدود ، فلم يدركوا  إدراكاً كافياً أن الواجب الكفائي  يتعدى ذلك كله إلى كل ما تقوم به حياة الفرد والمجتمع أو تتوقف عليه .

وعندما نحاول تطبيق الواجب العيني والكفائي  في حق  الوطن  بنظرة وطنية نجد أن الواجب العيني يتمثل  في أداء  كل شخص للمهمة  الوطنية  الموكلة إليه بأعلى قدر  من الأمانة والكفاءة والإخلاص  للوطن دون  النظر إلى أداء  الآخرين إلا إذا كان هذا النظر على سبيل المنافسة والمسابقة في الخيرات ،  وهذا من هدي ديننا الحنيف ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) ” لا يكن أحدكم إمعة  تقولون  إن أحسن  الناس أحسنا وإن  ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا ” سنن الترمذي –   فالطبيب ، والمعلم ، والمهندس ، والصانع ، والعامل  كل يؤدي واجبه الوظيفي  والمهني على الوجه  الأكمل حتى ولو لم يكن الأجر هو الأجر الأنسب أو المكافئ ، فحال الوطن الاقتصادي ينبغي أن يراعى ، وهذا أيضاً ما حث عليه الإسلام   حينما اشتكى بعض الناس للنبي (صلى الله عليه وسلم) أنهم يعملون عملاً ولا يتقاضون أجراً يكافئه فقال (صلى الله عليه وسلم) : أدوا الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم  ” .

غير أن ذلك لا  يعني أن نبخس  العامل حقه  أو  الأجير أجره ، ففي الحديث النبوي الشريف الذي رواه أحمد والبخاري أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : ”  ثلاثة أنا خصمهم يوم  القيامة :  رجل أعطى بي ثم غدر   ورجل باع حراً فأكل ثمنه  و رجل استأجر أجيراً  فاستوفى منه العمل  ولم يوفه أجره ” وإنما يعنى شيئاً من  الصبر وطول النفس مراعاة  للظروف التي يمر بها الوطن .

أما فرض الكفاية  الوطني فيتمثل فيما يأتي :-

أولاً : – اجتثاث الإرهاب  الأسود  من جذروه ، والتعاون في استئصاله ، فأي شريعة تلك التي تبيح قتل النفس بغير حق ، لقد اجتمعت الشرائع  السماوية على حرمة  قتل النفس التي حرم الله ( عز وجل )  إلا بالحق  ، بل  إن القرآن الكريم  قد أكد أنه من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً   ،  يقول سبحانه  : ”   مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاًوعندما كان النبي يطوف بالكعبة قال : ” ما أطيبك  وأطيب ريحك  ،  ما أعظمك وأعظم حرمتك  ، والذي نفس محمد بيده   لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك   ماله ودمه  وأن نظن به إلا خيراً ” رواه ابن ماجه –   بل أبعد من هذا ، فإنه (صلى الله عليه وسلم) قال : ”  لنقض الكعبة حجراً حجراً أهون  عند الله  ( عز وجل ) من إراقة دم امرئ   بغير حق ” ، بل أبعد من هذا عندما   قال (صلى الله عليه وسلم) دخلت امرأة النار في  هرة حبستها  فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ”  رواه البخاري ومسلم –   فإذا كان هذا جزاء من أهملت  أمر هرة  وغفلت عنها  ، ولم تعمد إلى قتلها ، فما بالكم بمن يقتل النفس التي حرم الله بلا وازع من دين أو ضمير ؟ ! أنه لا جزاء له  إلا ما قاله رب العزة في كتابه العزيز :  “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً  عَظِيماً ”  أما من يعيثون في الأرض فساداً ويروعون الآمنين  وينتهكون الحرمات ، ويسفكون الدماء بغير حق من الإرهابيين التكفيريين الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة  ولا يعرفون للوطن ولا المجتمع  حقاً فجزاؤهم في قوله تعالى  :  ” إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ” .

فالواجب الكفائي أن تتضافر كل قوى المجتمع في مواجهة تلك القوى الظلامية الغاشمة حتى تستأصل الإرهاب الأسود من جذوره  .

ثانياً :- يأتي دور  العلماء والمفكرين والمثقفين  والإعلاميين والأكاديميين في مواجهة الفكر التكفيري وبيان خطورته على الفرد والمجتمع فهو  الرافد الفكري  للعمليات الإجرامية الإرهابية ، ونبين للناس أن الإسلام أبعد ما يكون عن منهج التكفير والتخوين والتنقيب  عن القلوب بلا بينة ولا دليل ،  وأن نبينا (صلى الله عليه وسلم) قال: “إذا قال الرجل لأخيه ، يا كافر ، أو أنت كافر ، فقد باء بها  أحدهما ، فإن كان كما قال ، وإلا رجعت إلى الأول ، وقال (صلى الله عليه وسلم) كان رجلان متواخيين من بنى إسرائيل فكان أحدهما لا يزال يطيع الله عز وجل والآخر لا يزال يقصر ، فكلما لقي الطائع العاصي قال له أما آن لك أن تقلع فيقول دعني وشأني ، حتى ضاق به مرة فقال له والله لن يغفر الله لك ، وفى رواية لن يدخلك الله الجنة ، فأمر الله عز وجل بقبض أرواحهما ، فقال لهذا الذي كان لا يزال يقصر ادخل الجنة برحمتي ، وقال للآخر أكنت بي عالما أم كنت على ما في يدي قادرًا خذوه إلى النار ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) ” لقد تكلم بكلمة أوبقت ( أي أهلكت )  دنياه وآخرته  ” .

ثالثاً : يأتي الواجب الكفائي في تفكير كل منا في كيفية الخروج بالوطن من أزماته السياسية ، والاقتصادية ، والعلمية ، والعمل على تحقيق الاكتفاء في مجال الغذاء ، والدواء ، والكساء ، والسلام ، والعتاد ، والصناعات الثقيلة .

رابعاً : على أهل كل مهنة العمل على تحقيق الكفاية لوطنهم كل في مجاله ، فأهل الطب يتعاونون في تحقيق الكفاية لوطنهم ، وكذلك رجال القانون ، والهندسة ، والزراعة ، والتعليم ، وسائر التخصصات والصناعات وذلك بتنمية روح البذل والعطاء والتطوع ، والبعد عن الأثرة والأنانية وحب الذات ، رجاء أن نمضي مجتمعين ، لا أن نسقط فرادى أو مجتمعين ، فكما قال السابق : ” أكلت يوم أكل الثور الأبيض ” .

 

نحــو توظــيف أمــثل لأمــوال الزكــاة

بسم  الله الرحمن الرحيم

 

نحــو توظــيف أمــثل لأمــوال الزكــاة

أ.د/ محمد مختار جمعة مبروك

وزير الأوقاف

 

لاشك أن الزكاة إذا وُظِّفت توظيفا صحيحا في مصارفها الشرعية تسد ثغرة كبيرة في احتياجات الفقراء والكادحين والمصالح العامة للوطن ، وإذا سَخَت نفس الأغنياء والقادرين بالصدقات والقيام بواجبهم في باب فروض الكفايات من إطعام الجائع ، وكساء العاري ، ومداواة المريض ، وإعانة المحتاج ، والإسهام الجاد فيما يحتاج إليه الوطن من إصلاح وسلاح وعتاد فإن وجه الحياة لأي وطن سيتغير ، ولن يكون بين أبنائه محتاج ولا متسول ، يقول الإمام على بن أبي طالب (رضي الله عنه) إن الله عز وجل قسم أقوات الفقراء في أموال الأغنياء ، فما جاع فقير إلا بشح غني ، فإن وجدت فقيرًا جائعا فاعلم أن هناك غنيا ظالما لم يُخرج حق الله في ماله ، ولم يف بواجبه تجاه مجتمعه.

وإذا استثمر الوقف استثمارا صحيحا إلى جانب ذلك كله لصالح الوطن أدى ذلك مجتمعا إلى الإسهام في نهضة حقيقية لوطننا الغالي ، بل ربما فاض الخير إلى دول أكثر فقرا نحن في حاجة أن نمد لها يد العون كبعض دول حوض النيل التي نحتاج إلى التواصل والتعاون العلمي والثقافي والخيري والإنساني معها على المستويين الحكومي والشعبي بمؤسساته المدنية القوية التي يمكن أن تنفذ مشروعات كبيرة أو عملاقة في تلك الدول وغيرها من الدول الإفريقية الفقيرة كبعد استراتيجي وجزء من أمننا القومي ، وهناك نماذج كثيرة مشكورة في هذا المجال لبعض مؤسسات المجتمع المدني.

 

الزكاة حق أصيل في المال:

وأؤكد على حقائق أولها: أن الزكاة حق أصيل في المال ، وركن رئيس من أركان الإسلام كالصلاة والصيام سواء بسواء، وقد قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ثلاث في القرآن الكريم نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل واحدة منها دون الأخرى ، وهى قوله تعالى: “وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ” إذ لا تقبل طاعة الله مع معصية رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وقوله تعالى: “وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ” فمن ضيّع الزكاة مع وجوبها عليه لم تغن عنه صلاته من الله شيئا ، وقوله تعالى: “أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ” فمن لم يشكر لوالديه جميلهما وصنيعهما لم يشكر الله عز وجل ، ويقول سبحانه في شأن كانزي المال ومانعي الزكاة: “وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ”.

الأمر الثاني: أن الإسلام قد دعا إلى الصدقة والإكثار منها يقول سبحانه: “مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” ويقول (صلى الله عليه وسلم): “ما نقص مال من صدقة” ويقول (صلى الله عليه وسلم): “خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح ترجو الغنى وتخشى الفقر ، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان وقد كان لفلان” ويقول (صلى الله عليه وسلم): “ما من يوم إلا وينادي ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا” ويقول الحق سبحانه: “هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ”.

 

مكمن الخلل وإصلاحه :

لاشك أن الخلل لا يخرج عن أن يكون من جهة الدافع أو جهة متلقي الزكاة أو من الجهة الوسيطة سواء أكانت شخصا أم جمعية أم مؤسسة.

فالخلل الذي يأتي من جهة الدافع إما أن يكون بعدم الدفع أصلا ، وإما بالتحايل عليه ، وإما بدفعه دون تمحيص أو تدقيق في أمر الجهة التي يدفع لها.

وهنا ينبغي أن يركز الخطاب الديني على وجوب الزكاة وأهمية إخراجها والإثم الشديد المترتب على منع حق الله عز وجل في المال مع التأكيد على أن الغني لا تبرأ ذمته بمجرد إلقاء المال أي إلقاء وكيف تأتى له ، فبعض الفقهاء على أن الغني إذا دفع المال إلى من ظنه فقيرًا فبان خلافه لم تسقط عنه الزكاة ، فعليه أن يتحرى في المصارف الشرعية وفى أمانة ودقة وشرعية الجهة التي يدفع إليها زكاته حتى تبرأ ذمته أمام الله عز وجل ، وتسهم زكاته في الثمرة المرجوة التي شرعت من أجلها الزكاة.

والخلل الذي يأتي من جهة الآخذ إنما يأتي من ضعف الوازع الديني لدى بعض من تسول لهم أنفسهم الحصول على المال من أي طريق حتى لو كان فيه إراقة ماء وجوههم ، وهؤلاء علينا أن نذكرهم بمنهج الإسلام وبالحس الإنساني السليم الذي ينأى بالقادر عن العمل على التسول أو دناءة النفس ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): “إن المسألة لا تحل إلا لذي فقر مدقع، أو ذي غرم مفظع، أو دم موجع” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم): “المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك” ويقول الإمام على (رضي الله عنه):

لحمل الصخر من قمم الجبال                               أحب إلي من منن الرجال

يقول الناس لي في الكسب عيب                           قلت العيب في ذل السؤال

ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.

فينبغي التأكيد على نهي الإسلام عن المسألة بدون حاجة حقيقية ، وعن ذل السؤال ، وأن الأبي الكريم لا يمكن أن يعرض نفسه لما لا يليق بالعفيف الكريم ، وأن اليد العليا المتصدقة خير وأكرم من اليد السفلى الآخذة ، مع التأكيد على أهمية العمل وقيمته وحث الإسلام عليه ، وبيان أن الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ، وأن خير الناس من يأكل من عمل يده ، ولا يكون عالة على الآخرين وقد قال الشاعر الجاهلي الشنفرى الأزدي:

وأستف ترب الأرض كي لا يرى له                         عليّ من الطول امرؤ متطول

ويقول البارودي:

خلقت عيوفاً لا أرى لابن حرة                                علي يداً أغضي لها حين يغضب

 

أما جهة الخلل الثالثة فهي آلية الجمع والتوزيع فمع إيماننا بدور بعض مؤسسات المجتمع المدني في التخفيف من معاناة الفقراء والكادحين سواء من خلال نفقات أم من خلال مشروعات خدمية ، وبخاصة الطبية منها، فإنني أرى أن هذه الجهات تحتاج إلى الآتي:

‌أ.  أن تكون تحت مراقبة دقيقة لأجهزة الدولة وأن تقوم هذه الأجهزة بالمتابعة والمراقبة على الوجه الأكمل ، وأن تكون هناك شفافية واضحة في إعلان الميزانيات ، والنفقات والمكافآت مع ترشيد الإنفاق الإداري إلى أقصى درجة ممكنة.

‌ب. أن تكون هناك خارطة واضحة لوجود هذه الجمعيات ، ونطاقها الجغرافي ، وأنشطتها، بحيث لا تصب كلها في مجال واحد أو مجالات محدودة ، مع إهمال مجالات ربما تكون أكثر أهمية وحيوية للمجتمع.

‌ج.  أن تتولى جهة ما ، ولتكن وزارة التضامن الاجتماعي شبكة ربط وتنسيق إلكترونية تربط من خلالها المستفيدين بالمنفقين ، وبمؤسسات المجتمع المدني في نطاقها الجغرافي أو الخدمي ، بحيث تنتفي ظاهرة المقيدين أو المستفيدين بحرفية تسوليّة من جهات أو جمعيات متعددة في حين لا تصل الزكاة والصدقات إلى مستحقيها الحقيقيين.

‌د.  أن تحدد أهداف وأغراض واضحة قد يتظافر فيها الجميع ، أو تخصص كل جهة أو جمعية لغرض منها ، كإطعام الجائعين وعلاج المرضى ، وسداد ديون الغارمين ، وهى مناط الحملة التي بدأت بها وتبنتها وزارة الأوقاف المصرية.

 

 

 

 

مقال لمعالي وزير الأوقاف بعنوان: دور الثقافة فى بناء الفرد والمجتمع

بسم  الله الرحمن الرحيم

أ . د / محمد مختار جمعة مبروك

وزير الأوقاف

دور الثقافة فى بناء الفرد والمجتمع

لاشك أن الإنسان يتحرك في الحياة من منطلق  خبرته وثقافته ،وأن ثقافة الإنسان تؤثر تأثيراً بالغاً  في ضبط سلوكه وتصرفاته ، وعلاقاته الأسرية والمجتمعية والإنسانية، ومستوي أدائه لعمله وإتقانه له،  ودرجة وطنيته ، وإحساسه بالمخاطر  التي تحيط بوطنه، وأثر العلاقات والتوازنات الدولية على المصالح الوطنية ،  ومدي تأثره بها وتأثيره فيها، وكذلك مستوى علاقته وتعايشه مع الآخرين .

ومن هنا لم يعد الاهتمام بالثقافة والتكوين  الثقافي للفرد والمجتمع ترفاً أو أمراً ثانوياً أو من نافلة القول أو العمل، إنما هو أمر في صميم المصلحة الوطنية ،  بل إننا  لا نبالغ إذا قلنا إن المصلحة الوطنية لا يتم تحققها الكامل دون إطار أو وعاء ثقافي مدروس ومتكامل .

ونؤكد أن مؤسسات عديدة تسهم  في هذا التكوين ، من أهمها : الأسرة ، والمدرسة ،  والمسجد ، والجامعة  ، ومراكز الشباب ، والإعلام مقروءاً ومسموعاً ومرئياً ، وصارت مواقع التواصل  الاجتماعي  والإلكتروني أحد أهم عوامل وروافد  تشكيل الوعي الثقافي للأفراد والمجتمعات .

وبما أن وزارة الأوقاف على وعي بذلك كله  فإن دعوتها  وقوافلها  الدعوية التي تتم بالتنسيق مع الأزهر الشريف ، وتحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر  شيخ الأزهر تضع أهمية هذا التنوع  نصب أعينها، فتتنوع القوافل  والمحاضرات والندوات لتعم المساجد ، والمدارس ، والجامعات، ومراكز  الشباب،  والتجمعات العمالية، غير أن هذه القوافل لا يمكن أن تؤتي ثمرتها الكاملة والمرجوة إلا بتضافر جهود  تلك  المؤسسات التى تم ذكرها فى مجال التربية والتثقيف .

التنوع الثقافي في مواجهة  الانغلاق :-

ولكي يحدث انفتاح  في الأفق الثقافي للفرد والمجتمع فلابد من التنوع  في مواجهة الانغلاق وانسداد  الأفق والانكفاء  على الذات ، وأحادية البعد الثقافي ، بحيث إنك قد تلتقي إنساناً حصل على أعلى الشهادات الجامعية  في تخصص  نظري أو تطبيقي ومع ذلك تراه ضيق الأفق ، محدود الثقافة ، غير قادر على التواصل الجاد مع المجتمع ، وليست لديه القدرة على تفهم ما لدى الآخر من معطيات وقناعات فكرية أو ثقافية أو وطنية .

ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في كم ونوعية المكون الثقافي في التعليم الجامعي وقبل الجامعي ، ومدى تنشيط دور مراكز الشباب في الحوار المجتمعي، وأن يعمل الخطاب الدعوى على الإسهام في ذلك بفاعلية كبيرة.

وقد صار لدينا الآن في الأزهر والأوقاف نخبة متميزة من الدعاة الذين يجيد بعضهم لغة أو لغتين إلى جانب إتقانه للعربية ، مما يجعله قادراً لا  أقول على التواصل المجتمعي فحسب ، إنما يجعله قادراً على التواصل على مستوى دولي وعالمي ، ومتمكنا من التعامل بفاعلية مع الوسائل العصرية التى تمكنه من فهم الواقع من جهة ، وأداء رسالته بفاعلية واقتدار من جهة أخرى .

الثقافة والقيم :-

إذا كنا على يقين بأن الإفراط شر كله ، وأن التفريط شر كله ، وأن التوازن كل التوازن في الوسطية حيث لا إفراط ولا تفريط ، فإذا كنا ننبذ التشدد والتطرف والغلو فبنفس القدر ينبغي أن ننبذ كل مظاهر التحلل والانحراف عن طريق الجادة ، فإنك لن تستطيع أن تقتلع التشدد من جذوره إلا إذا عملت بالقدر نفسه على القضاء على التحلل والانحراف وكل ما يمكن أن يمس القيم الراسخة للمجتمع ، فكما يقول علماء النفس لكل فعل رد فعل مساو له في النسبة ومعاكس له في الاتجاه ، ويقولون لكل شيء طرفان ووسط فإن أنت أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر ، وإن أنت أمسكت بالوسط استقام لكَ  الطرفان ، ولذا قال الإمام الأوزاعي ( رحمه الله ) ما أمر الله عز وجل في الإسلام بأمر إلا حاول الشيطان أن يأتيك من إحدى الجهتين لا يبالى أيهما أصاب الافراط أو التفريط، فنحن مع التيسير لا مع التسيب ، ومع السماحة لا التفريط، ومع الالتزام الديني والقيمى والأخلاقي دون أي تشدد أو تطرف أو جمود أو انغلاق ، فبين التشدد والالتزام خيط جد دقيق ، وبين التيسير والتسيب خيط جد دقيق ، والعاقل من يدرك هذه الفروق الدقيقة ، ويقف عند حدودها فاقهاً  لها متعاملا ً معها فاقها لها، غير غافل عنها ، وقد قيل لسيدنا عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) : حب التناهي شطط خير الأمور الوسط ، هل تجد هذا المعنى في كتاب الله عز وجل قال نعم في عدة مواضع ، منها قوله تعالى : ” وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً “،  وقوله تعالى :  ” وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ”  .

 

نسأل الله أن يهدينا إلى سواء السبيل وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا ، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

 

 

 

 

المشتركات الإنسانية في الشرائع السماوية

أ .د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

إن جانباً كبيراً من العنف الذي شهدناه على الساحة المصرية ونشاهده على الساحة الدولية إنما يرجع إلى فقدان أو ضعف الحس الإنساني،  واختلال  منظومة القيم، مما يجعلنا في حاجة ملحة إلى  التأكيد على الاهتمام بمنظومة القيم الإنسانية، والتنوع الثقافي والحضاري ، والانطلاق من خلال المشترك الإنساني بين البشر جميعاً .

فقد كرم  الحق سبحانه الإنسان على إطلاق إنسانيته دون تفرقة بين بني البشر، فقال ( عز وجل ) : ” ولقد كرمنا بني آدم ” ، فالإنسان بنيان الرب من هدمه هدم بنيانه عز وجل  .

كما أجمعت الشرائع السماوية على جملة كبيرة من القيم والمبادئ الإنسانية ، من أهمها: حفظ النفس البشرية قال تعالى:  ” أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ” .

ولهذا قدَّر نبينا صلى الله عليه وسلم للنفس الإنسانية حرمتها، فلما مرت عليه جنازة يهودي وقف لها، فقيل له : إنها جنازة يهودي ، فقال صلى الله عليه وسلم: أليست نفساً ؟!.

ومن القيم التي أجمعت عليها الشرائع السماوية كلها: العدل، والتسامح، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة ، والصدق في الأقوال والأفعال ، وبر الوالدين ، وحرمة مال اليتيم ، ومراعاة حق الجوار،والكلمة الطيبة، وذلك لأن مصدر التشريع السماوي واحد، ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم :- ” الأنبياء إخوة لعلَّات أممهم شتى ودينهم واحد ”

فقد تختلف الشرائع في العبادات وطريقة أدائها وفق طبيعة الزمان والمكان، لكن الأخلاق والقيم الإنسانية التي تكون أساساً  للتعايش  لم تختلف في أي شريعة  من الشرائع، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت ”

وأروني أي شريعة  من الشرائع  أباحت قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أو أباحت عقوق الوالدين ، أو أكل السحت، أو أكل مال اليتيم ، أو أكل حق العامل أو الأجير .

وأروني أي شريعة أباحت الكذب ، أو الغدر، أو الخيانة، أو خُلف العهد، أو مقابلة الحسنة بالسيئة .

بل على العكس فإن جميع الشرائع السماوية قد اتفقت وأجمعت على هذه القيم الإنسانية السامية، من خرج عليها فإنه لم يخرج على مقتضى الأديان فحسب، وإنما يخرج على مقتضى الإنسانية وينسلخ من آدميته ومن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها . .

ولهذا  قال ابن عباس ( رضي الله عنهما )  عن قوله تعالى : ” قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)سورة الأنعام

هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، وهى محرمات على بني آدم جميعاً، وهن أم الكتاب ” أي أصله وأساسه “، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.

وديننا علمنا أن نقول الكلمة الطيبة للناس جميعاً بلا تفرقة ، فقال سبحانه : ” وقولوا للناس حسنا ” بل نحن مطالبون أن نقول التي هي  أحسن ، يقول سبحانه وتعالى : ” وقل لعبادي يقولوا  التي هي أحسن ”

ويقولون:  البر شيء هين وجه طلق وقول لين، ويقول الحق سبحانه : ” وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)” سورة فصلت

وفى تعاليم سيدنا عيسى عليه السلام ” من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ” .

في دعوة عظيمة للتسامح في كل الشرائع السماوية لكي تعيش البشرية  فى سلام وصفاء، لا نزاع وشقاق أو عنف وإرهاب .