مقالات

رسالة العلماء للرئيس

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

      أرسل المجتمعون بمؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية رسالة شكر وتقدير لسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية (حفظه الله) ، يعلنون فيها تأييدهم لدعوته إلى تشكيل قوة عربية موحدة ، و إلى تجديد الخطاب الديني تجديدًا في الفهم، والوعي بمستجدات العصر ومتغيراته ، في ضوء الحفاظ على ثوابتنا الشرعية مما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، وقد جاء فيها :

      بمناسبة ختام أعمال المؤتمر الدولي العام الرابع والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية ، والذي توالت جلساته على مدار يومين متتابعين ، وناقشت أكثر من خمسة وثلاثين بحثا ودراسة علمية ، تحت عنوان: ( عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه : طريق التصحيح ) ،  يتشرف الأعضاء المشاركون في المؤتمر من نحو أربعين دولة ومنظمة إسلامية ودولية ، بأن يعربوا عن عميق شكرهم وعظيم تقديرهم لسيادتكم ولمصر بقيادتكم الحكيمة ، على كل ما تقدمونه من عطاء غير محدود لدينكم ووطنكم وأمتنا العربية والإسلامية ، كما يقدرون كل التقدير تفضلكم بوضع المؤتمر تحت رعايتكم الكريمة ، تعبيرًا عن اهتمامكم الشخصي واهتمام مصر كلها بقضايا أمتها الإسلامية ، وتصويب الأفكار الخاطئة ، وتجديد الخطاب الديني .

   ولا شك أن انعقاد المؤتمر في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية ، والاختيار الموفق لموضوع ومحاور المؤتمر ، وما عرض فيه من بحوث وما دار فيه من مناقشات ثرية ، يفتح باب الأمل أمام الأمة في تجاوز محنتها ، والانطلاق إلى ما نرجوه لها جميعاً من تقدم وازدهار يتفق مع تاريخها المجيد في العطاء الحضاري.

   كما أن انعقاد المؤتمر في وسط القاهرة على ضفاف النيل ، وتحت رعاية سيادتكم وبالصورة التي تم بها قد أرسل رسالة واضحة للعالم كله ، بأن مصر قد استعادت أمنها وعافيتها ، وأن الشعب المصري كله بمسلميه ومسيحييه ملتف بقوة حول قيادتكم الحكيمة.

    وفي نهاية هذا المؤتمر وبإصدار توصياته نستطيع أن نقول : يا سيادة الرئيس ، لقد ناديت حيا وأسمعت مجيبا ، وإن دعوتك إلى تجديد حقيقي للخطاب الديني لم ولن تذهب سدى .

    وفي هذا ما يؤكد أن دعوة الرئيس إلى ثورة حقيقية في الخطاب الديني قد لاقت استجابة كبيرة ليس على المستوى الوطني فحسب ، وإنما على المستوى العربي والإسلامي والعالمي ، وما لمسناه في لقاءاتنا المتعددة برؤساء الوفود ، وأعضائها على السواء .

و قد تضمنت توصيات المؤتمر رسائل أخرى منها :

1-  التأكيد على أن الثورة الدينية تتطلب معها ثورة علمية ومعرفية ، وهو ما يستدعي إعادة النظر في مناهج التعليم وتطويرها ، ويأتي قرار السيد رئيس الوزراء المهندس / إبراهيم محلب ، بتشكيل لجنة لتطوير مناهج التعليم خطوة إيجابية في هذا الاتجاه ، نؤمل أن ندير من خلالها حوارًا وطنيًا واعيًا ومسئولا ، يفيد من جميع الخبرات والكفاءات الوطنية في العمل على تطوير حقيقي يتناسب ، ومستوى النهضة العلمية العالمية في شتى المجالات .

2-  التأييد والدعم المطلق لدعوة السيد رئيس الجمهورية إلى تشكيل قوة عربية موحدة، مع التأكيد على ضرورة وحدة الصف العربي والإسلامي ، والعمل على اتخاذ خطوات عربية وإسلامية جادة باتجاه تكوين تكتلات سياسية،  واقتصادية ، وفكرية ، وثقافية في ظل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ، بما يجعل منها مجتمعة رقما صعبًا .. يصعب تجاوزه أو الافتئات عليه في المحافل الدولية ، أو التكتلات الاقتصادية العالمية ، أو الغزو الفكري والثقافي لأبناء أمتنا العربية والإسلامية.

     ويعقد المشاركون في المؤتمر وغيرهم على السيد الرئيس /عبد الفتاح السيسي ، أملا كبيرًا في ذلك ، متمنين له التوفيق في خطواته الإيجابية ، وإسهامه الواضح في تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في لقاءاته الدولية ، والتعريف بقضايانا العادلة ، وأخصها حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ، على حدود ما قبل الرابع من حزيران، وعاصمتها القدس الشرقية.

     كما يؤكدون على أهمية الحوار الحضاري ، والعمل على تأصيل ، وترسيخ فقه العيش المشترك بدلا   من صدام الحضارات ، وهو ما أكده السيد الرئيس في أكثر من مناسبة من ، أن  واحداً ونصف مليار مسلم يمثلون ربع سكان العالم ، لا يمكن أن يمحوا أو يقصوا غيرهم،  كما لا يمكن لغيرهم أن يمحوهم أو يُقصيهم من المعادلات العالمية أو أن يجعلهم على هامشه ، مما يؤكد أنه لا غنى لنا جميعًا عن الحوار والتواصل والتفاهم، انطلاقًا من قوله تعالى :” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات : 13) .

     وفي النهاية نقول لسيادة الرئيس : “سر على بركة الله في خطواتك الثابتة ، للعمل على جمع شمل الأمة ، وتوحيد كلمتها ، والعمل على مواجهة الإرهاب ودحره، وتخليص المنطقة والعالم من شره ، وفي دعوتك إلى انتهاج لغة الحوار بدلا من لغة السلاح، والقتل والدم والحرق والذبح والتخريب والتدمير ، التي تنتهجها الجماعات الضالة المارقة المنسلخة من الأديان والقيم الإنسانية ، والتي تحتاج منا جميعا إلى بذل أقصى الجهد لاقتلاعها من جذورها  ، قبل أن يستفحل خطرها وشرها أكثر من ذلك ، فتأكل الأخضر واليابس وساعتها لا ينفع ندم المترددين ، والمتقاعسين وممسكي العصا من المنتصف .

ثقافة المؤتمرات

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

نُشر بصحيفة الأهرام بتاريخ 27 / 2 / 2015م

    لاشك أن ثقافة المؤتمرات تعد أحد أهم مكونات الثقافة والتلاقي الفكري والعلمي والثقافي ، وأحد أهم الطرق نحو فكر عربي وإسلامي وإنساني مشترك , وأحد أهم روافد البحث العلمي , حيث يعمد المشاركون إلى بذل أقصى الجهد في تقديم نتاج علمي وفكري وثقافي متميز يرقى إلى مستوى الحدث والمشاركين والرعاة والجهات المنظمة , حيث تتحول هوامش المؤتمرات إلى صالونات ثقافية غزيرة الفكر , وتعد أحد أهم قنوات التواصل بين الأمم والشعوب , وأحد أهم سبل التقريب بين المذاهب والمؤسسات والهيئات الفكرية والعلمية والثقافية وحتى السياسية .

     كما أنها تعد أحد أهم روافد السياحة العلمية والثقافية , وتغطي جانبًا كبيرًا مما فقدناه من أدب الرحلات , والوقوف على تجارب الأمم والشعوب المختلفة , ووسيلة للتعارف المشروع الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “.

      كما أن هذه المؤتمرات تعمل على النقل التبادلي لخبرات الأمم والشعوب , والوقوف على التجارب الناجحة والجهود الدولية المبذولة في سائر المجالات لنتكامل معًا , أو لنبدأ من حيث انتهى الآخرون , بدل أن نبدأ من نقطة الصفر أو نعمل في الهواء الطلق على غير هدى , ففرق كبير بين السمع والمشاهدة , بين الرؤية والخبر , وكم أفدتُ من تجارب حياتية من جميع المؤتمرات التي شاركتُ فيها داخل الوطن أو خارجه , وأذكر من أهمها : ما تكوّن لديّ من تصور عن بعض أسرار تقدم الغرب أثناء حضوري لمؤتمر الحج إلى مكة الذي عُقد بمعهد العالم العربي بباريس , فقد كنت حريصًا على التقاط النافع والمفيد , وما يمكن أن نفيد منه في تطوير أنفسنا ونهضة ورقي أوطاننا , ومن ذلك :

1-  تقديس العمل وقيمته ، فكل ما دعا إليه الإسلام من تقديس العمل والحث عليه تراه واقعًا ملموسًا في حياة الأمم الراقية والمتقدمة ، ولا مجال للمحاباة أو المجاملة في مجال العمل .

      لكننا للأسف الشديد تجاهلنا قيمنا الإسلامية ، وأصبح متوسط إنتاج الفرد لدينا    لا يقاس ولا يقارن بالمستويات العالمية ، وصدق الشيخ الإمام محمد عبده حين قال: ذهبت إلى أوربا فرأيت إسلامًا بلا مسلمين ، وجئت إلى بلادنا فرأيت مسلمين بلا إسلام.

 2- تقديس قيمة الوقت ، لقد أعلى الإسلام من شأن الوقت وقيمته ومع ذلك لا نقدر للوقت قدره ولا نعرف له قيمته ، ولا نلتزم بدقة المواعيد التي أُمرنا بالالتزام بها ، ونتسامح في الفسحة فيها بلا حدود ، بل إن بعضنا لا يكاد يكترث بالمواعيد التي يحددها ولو راجعته أو ناقشته لضاق بك ذرعًا .

    غير أن كل المعاني الراقية السامية التي أمرنا الإسلام أن نلتزم بها تراها واقعًا ملموسًا مطبقًا بمنتهى الدقة والحرفية لدى أكثر الغربيين ، كما أن تقديرهم للوقت الذي يحتاجونه لإنجاز أعمالهم صار مدروسًا ومحددًا بمنتهى الدقة والحرفية والمهنية التي تثير الدهشة والإعجاب لنا ، غير أن الذي يثير الدهشة لديهم هو ألا تكون كذلك ، فقد صار هذا الالتزام طبعًا فيهم .

3- احترام الآخر وثقافته وخصوصيته أيًّا كانت هذه الثقافة وتلك الخصوصية ، وتشعر أن هناك امتلاءً فكريًا وثقافيًا يحول بين الإنسان وبين الفضول أو التلصص على الآخرين أو محاولة اختراق خصوصياتهم أو الخوض في تفاصيل حياتهم أو حتى عموميتها ، وهذا هو منهجنا الإسلامي  الذي غفلنا عنه ، ألم يقل نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” ، وقديمًا قالوا : من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه .

4-التخطيط والنظام واحترام سيادة القانون ، وهذه معانٍ لا غنى عنها لأي أمة تبحث عن سبل التقدم والرقي ، فالعدالة التي لا تعرف التفرقة بين الغني والفقير بين الناس جميعًا على اختلاف طبقاتهم السياسية والاجتماعية والوظيفية هي الضمانة الأولى لاستقرار المجتمعات ، فكما قال أحد السف : إن الله عزّ وجلّ ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة ، ولا ينصر الأمة الظالمة ولو كانت مؤمنة .

     كما أن التخطيط والنظام أمران لا بديل عنهما ، ويقولون :  الحكيم قد يخطط في عام ، وينفذ في يوم أو أسبوع تنفيذًا دقيقًا محكمًا ، والأحمق لا يفكر ولا يخطط ، ويتخبط في التنفيذ طوال حياته .

     وإنني لأؤمّل أن يكون مؤتمرنا الذي ينعقد غدًا السبت 28 / 2 / 2015م علامة مضيئة سواء بالفكر المستنير للمشاركين فيه من السادة الوزراء والعلماء والمفتين والمفكرين الذين يمثلون اتجاهات ومشارب عديدة , غير أنها تدور في رحاب الوسطية والاعتدال والفهم الثاقب لصحيح الإسلام , وهو ما أنتج مجلدين من البحوث الجادة , نرجو أن تكون خطوة جادة على طريق تجديد الفكر الديني , والتشكيل والبناء الفكري للشخصية العربية والإسلامية , وتكوين رؤية فكرية عربية وإسلامية قوية صلبة تصبح رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في المحافل العلمية والثقافية والفكرية العالمية والإنسانية والحقوقية .

أشعة النور
وخفافيش الظلام

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

           من رحاب بيت الله المعظم , من حرم الله المقدس , من بيت الله الحرام بمكة المكرمة , وفي أثناء طواف العمرة ناجيت ربي مستغيثًا به لخلاص هذه الأمة من خفافيش الظلام , نظرت فيما حولي ومن حولي من أناس على فطرة نقية لم تلوثها عمالة ولا خيانة ولا بيع للدين ولا للوطن , فلا مجال لدى هؤلاء العامة والبسطاء وأصحاب القلوب النقية للمتاجرة بالدين , فقلت يارب هب مُسيئنا لمُحسننا , واهْدِ لبرنا فاجرنا , وتقبل دعاءنا ولا تخذلنا , ولا تشمت بنا عدوًا .

        تجولت في الحرم محرمًا تارة , ومحلا بزيي الأزهري تارة أخرى , بثقة في الله وطمأنينة كاملة لقضائه وقدره , فالأمن الذي أفاضه الله على حرمه الآمن يلقي بظلاله على الحجاج والعمار والزوّار فيغمرهم بالسكينة , فلا تجد بينهم إلا واثقًا في الله , معتصمًا به , مستمسكًا بحبله المتين , هناك تتوارى خفافيش الظلام , وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه العزيز : ” أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ” , ويقول سبحانه : ” لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ” .

         إنها دعوة أبينا إبراهيم ( عليه السلام ) حين قال : ” رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  ” , ‏وحيث يقول : ” فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ” .

         حيث أمره ربه عز وجل أن يؤذَّن في الناس بالحج , أذّن إبراهيم ( عليه السلام ) , وبلغ رب العالمين دعوته للآفاق , فأتى الناس رجالا وركبانا من كل فج عميق , استجابة لقوله تعالى مخاطبًا سيدنا إبراهيم (عليه السلام ) : ” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ” , وقوله تعالى في كتابه العزيز : ” وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ” .

          وفي رحاب بيت الله الحرام أقامت رابطة العالم الإسلامي مؤتمرها الدولي العلمي تحت عنوان : ” الإسلام ومكافحة الإرهاب ” ليؤكد علماء الإسلام ومفكروه ورجاله من العلماء ومسئولي المؤسسات الدينية الرسمية والشعبية في صوت واحد رفضهم لكل ألوان العنف والغلو والتطرف والإرهاب , ليرفعوا صوتهم بكلمة واحدة : هي إعلان براءة الإسلام من الإرهاب والإرهابيين بكل ما تحتمله هذه الجمل من معان وتفصيلات , فالحرق والذبح والتمثيل والتنكيل من الأفعال الإجرامية التي نهى عنها ديننا الحنيف , حيث يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ” ( صحيح مسلم ) , ونهى عن الحرق والتعذيب بالنار , حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) : “…. وَلا تُحْرِقُوهُ بِالنَّارِ ، فَإِنَّهُ لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ ” ( الطبراني )  .

         ويأتي هذا المؤتمر تأكيدًا على تكاتف الجهود لمواجهة الإرهاب الغاشم فضلا عن رفضه إياه , وبيان أن إلصاقه بالإسلام ظلم للإسلام والمسلمين , فالعرب والمسلمون هم من أكثر من يكتوي بنار الإرهاب , واستخدام الإرهابيين لتفكيك دول المنطقة وإنهاكها وإضعافها وإدخالها في فوضى لا نهاية لها .

         غير أنني أؤكد أن العد التنازلي لنهاية داعش قد بدأ للأسباب التالية :

 1-  أن بغيها وظلمها وعتوها وفسادها وإفسادها قد تجاوز الحد الذي لا يحتمله الحس الإنساني السليم .

2-  أن دخول الجيش المصري الباسل على خط المواجهة دفاعا عن الدين والوطن والأمة والإنسانية في قضية عادلة سيكون بداية النهاية لداعش وأخواتها ، وقد أثبت التاريخ أن نهاية كل الجماعات المتجبرة في المنطقة كانت على يد الجيش المصري الباسل .

3-  أن الدول الداعمة لداعش بالمنطقة قد افتضح أمرها ، وظهرت عمالتها وخيانتها لدينها وأمتها ، وإن كان ذلك لا يعنيها فقد انكشف وجهها القبيح بدعمها للإرهاب والإرهابيين ، وأصبحت في موقع ذلة وصغار أمام أحرار العالم ، وهوان واحتقار في نظر أمتها ، وهو               ما سيُعجّل برءوس الخيانة والعمالة فيها ، لأن الدول الكبرى التي تستخدم العملاء سرعان ما تتخلص ممن ينكشف أمره ، فيكشف أمرها أمام شعوبها وأمام الرأي العام العالمي .

4-  أن الرأي العام العالمي سينقلب إن اليوم وإن غدًا على داعمي الإرهاب أينما كانوا ، وخاصة أنهم سيكتوون بنار الإرهاب الذي صنعه بعض قادتهم .

    غير أنني أدعو إلى سرعة تشكيل قوة ردع عربية مشتركة للقضاء على خفافيش الظلام وتلك الجماعات والتنظيمات الإرهابية الغاشمة , قبل أن يستفحل خطرها فتأكل الأخضر واليابس , وساعتها سيندم المترددون حين لا ينفع الندم .

نحو فكر عربي وإسلامي مشترك

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      لا شك أن السعي إلى وحدة عربية وإسلامية قوية صلبة لا يمكن أن يقتصر على اتجاه واحد سياسي أو اقتصادي أو أمني أو فكري إنما يجب أن يشمل ذلك كله ، فعلى المستوى السياسي ينبغي أن تكون هناك رؤية سياسية مشتركة تجاه القضايا العربية والإسلامية ، بحيث تشكل الدول العربية والإسلامية رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في المحافل الدولية .

      وعلى المستوى الاقتصادي في عالم تسوده التكتلات الاقتصادية والشركات عابرة القارات متعددة الجنسيات أصبح العمل العربي والإسلامي المشترك في مجال التعاون والتكامل الاقتصادي مطلبًا ملحًا ، وعلى الجهات الاقتصادية اتخاذ ما يلزم لرفع معدلات التبادل التجاري بين الدول العربية والإسلامية من جهة ، وتكوين أسواق مُشترَكة ، ومناطق حرة مُشترَكة، وشركات مُشترَكة ، واستثمارات مُشترَكة ، في ضوء ما يحقق مصالح المُشترِكين جميعا ، وبما يشكل قوة تفاوضية في مجال التبادل التجاري العالمي والمؤسسات الاقتصادية الدولية من جهة أخرى ، مع الاستفادة من إمكانات وميزات كل دولة ، وبما يوفر الرخاء لأبناء الأمتين العربية والإسلامية معًا .

     وعلى المستوى الأمني ومواجهة الإرهاب ينبغي أن يتجاوز الأمر حدود التنظير إلى ما نادى به السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية من سرعة تشكيل قوة عربية موحدة تواجه الأخطار والتحديات الإرهابية التي تهدد دولنا العربية من جهة، وتشوه صورة الإسلام من جهة أخرى .

     فبعد الأعمال الإجرامية التي قامت ومازالت تقوم بها داعش من قتل وذبح وحرق وتنكيل بالبشر ، ومن أبرزها حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبه ، ثم ذبح واحد وعشرين مصريًا ، ثم وضع واحد وعشرين عراقيا في أقفاص حديدية والتطوف بهم في مدينة كركوك تمهيدًا لحرقهم أو تهديدًا به ، وخطف تسعين مسيحيا سوريًّا ، بما يهدد أمننا القومي العربي تهديدًا صريحًا ومباشرًا، بهدف تفكيك دول المنطقة ، وتحويلها إلى دويلات أو عصابات متناحرة ، بهدف إنهاء وجودها كدول ذات وحدة وسيادة ، وبما لا يمكنها مجتمعة من مواجهة العدو الصهيوني من جهة ، أو الممانعة لمطامع القوى الاستعمارية في ثوبها الجديد من جهة أخرى ، مما يتطلب تحركًا عربيًا مشتركًا وقويًا وسريعًا على الأرض قبل فوات الأوان ، ولتكن البداية بتفعيل ميثاق الدفاع العربي المشترك ، واعتبار وزراء الدفاع العرب في حالة اجتماع دائم تحت مظلة جامعة الدول العربية، وعلى الجامعة سرعة التحرك لإثبات قدرتها على البقاء والفاعلية ، وحتى لا يشعر المواطن العربي بالإحباط تجاه المهام المنوطة بها أو الموكلة إليها ، وإن كنا نقدّر صعوبة الظرف الذي تعمل فيه، والتحديات الدولية التي تعمل بكل ما أوتيت من قوة لإفشال دورها وعرقلة مسيرتها ، غير أننا يجب أن نعمل في كل الظروف وتحت الضغط ومهما كانت درجته دون يأس أو إحباط ، وهذا يتطلب أن تكون الخطى أسرع والحركة أوسع .

*         *           *

         لكن الجانب الفكري والخطاب الديني المستنير صار في قلب الحدث ، وأصبحت إعادة النظر في مفرداته والعمل على إعادة صياغة فكر عربي مشترك ونشر خطاب ديني حضاري مستنير يعبر عن سماحة الأديان , واحترام آدمية الإنسان وأسس العيش المشترك وقبول الآخر أمورًا شديدة الأهمية ، وجديرة بالنظر والاعتبار ، وخطى أسرع لا تقل سرعة عن الجوانب سالفة الذكر ، بل ينبغي أن يكون الفكر أسبق وتصويب الخطاب الديني أسرع .

       ومن هنا نؤكد أننا نسابق الأمن في هذا الاتجاه ، وفي ضوء ذلك يأتي مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية تحت عنوان : “عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه : طريق التصحيح ” بما نعقده على هامشه من فاعليات ، أهمها : تشكيل اللجنة العربية الإسلامية العليا لتجديد الخطاب الديني ، واجتماع الهيئة التأسيسية لمنتدى السماحة والوسطية العالمي، والاتفاق على انطلاق خطبة شهرية عربية وإسلامية موحدة ، تعالج القضايا المشتركة نحو : حرمة الذبح والحرق والتنكيل بالبشر عامة ، وإتقان العمل سبيل الأمم المتحضرة ، وأخلاقنا بين التنظير والتطبيق ، وخطورة المخدرات والإدمان على الفرد والمحتمع ، وخطورة التكفير والفتوى بدون علم على المصالح الوطنية والعلاقات الدولية ، وسماحة الإسلام ، ودور الزكاة في تحقيق التكافل الاجتماعي ، وأهمية التخطيط في حياة الأفراد والأمم ،  ونحو ذلك من الموضوعات التي يمكن أن تشكل قاسمًا مشتركًا ومنطلقًا فكريًا عامًا يشغل بالنا جميعًا ، وسنبدأ بإذن الله تعالى بمن يرى ذلك فعليا لتحقيق خطوة إيجابية في اتجاه وحدة فكرية عربية وإسلامية ، تسهم في تحقيق التعاون والتكامل بين الدول العربية والإسلامية ، ودعم قضاياها ومصالحها المشتركة سواء في علاقاتها البينية ، أم في علاقاتها الدولية ، مع أملنا أن تكون المشاركة الدولية الواسعة في هذا المؤتمر ، وتلك الأبحاث والدراسات العلمية والفكرية المقدمة والتي خرجت في مجلدين إسهاما حقيقيا في هذا الاتجاه ، وخطوة ملموسة في تجديد الخطاب الديني ، وإسهامًا في إعادة البناء الفكري للشخصية العربية والإسلامية في إطار الحفاظ على الثوابت الشرعية والوطنية والإنسانية التي لا يمكن المساس بها من جهة ، ومراعاة المستجدات والمتغيرات العصرية من جهة أخرى، بحيث لا نحاول ولا نقبل  بفرض قوالب ثابتة جامدة  ، أو نقل رؤى فكرية ناسبت عصرها وزمانها ومكانها على عصرنا وزماننا ومكاننا ، بعد أن أصبحت كل الظروف تحتاج إلى فكر جديد ورؤى التجديد ، فربما يصبح الراجح مرجوحًا والمرجوح راجحًا نتيجةً لتغير الحال والزمان والمكان شريطة أن يسند التجديد والاجتهاد إلى أهل العلم والاختصاص كل في مجاله دون سواهم من الدخلاء وغير المؤهلين ، مع إيماننا بأن صياغة الفكر وبناء الشخصية العربية والإسلامية يحتاج إلى جهود كل أبناء الأمَّتين من العلماء والمفكِّرين والكُتّاب والمُبدعين والسياسيين ، وعلماء النفس والاجتماع ، وسائر القوى الفكرية والعلمية التي لا يمكن تجاوزها في بناء الأمم والشعوب.