مقالات

مصر وأشقاؤها وحتمية الارتباط

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

           يقولون : ما أتى على أصله لايسأل عن علته , وما خرج عن الأصل هو ما يسأل فيه عن العلة , فالأصل في العلاقات بين مصر وأشقائها من الدول العربية هي علاقة الوحدة والتكامل , والتضامن والتعاون , والتنسيق المستمر , فمصر في أمتها العربية هي بمثابة القلب النابض , وإذا كان هذا التعاون مطلوبًا على كل حال وفي جميع الأوقات فإنه في هذه المرحلة يعد أمرًا حتميًا لا محيص عنه نظرًا للمصير المشترك الذي يجمع بيننا جميعًا , فعوامل الدين , واللغة , والتاريخ , والجغرافيا , والمصالح المشتركة , ومواجهة المخاطر والتحديات  , تحتم التكامل بل وحدة الصف دون أي تردد أو تأخر , وكل يوم نتأخره في ذلك نخسر جميعًا , يقول الحق سبحانه : ” وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” ( آل عمران : 103)  ,  ويقول سبحانه : ” وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ “(الأنفال: 46) ” , ويقول سبحانه : ” وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” (آل عمران : 105) .

ويقول شوقي :

نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا

وَلَكِـــن كُلُّنـا فـي الهَــمِّ شَرقُ

وَيَجمَعُنـــا إِذا اختَلَفَـــت بِلادٌ

بَيـــانٌ غَيــرُ مُختَلِــفٍ وَنُطـــقُ

          وعلى أرض الواقع نرى الإحساس بضرورة هذه الوحدة بفرض نفسه على جميع دول المنطقة , وربما لعقود عدة لم نلمس هذه الروح بتلك القوة , ربما لأننا أمة تتوحد عند الخطر , فهي أمة قد تمرض ولكنها لا تموت , وقديمًا قلت لو أن أعداءنا استخدموا كل إمكاناتهم العسكرية والمخابراتية والمؤامراتية وسائر أسلحتهم من ذرّية ونووية وكيميائية وتقليدية وإرهابية وضربوا أمتنا ضربة رجل واحد لخرج من تحت أنقاضها من يقاومهم ويضع مضاجعهم , فأي صراع مهما كانت ضراوته لن يصل أبدًا إلى إبادة هذه الأمة أو القضاء عليها , ولا بديل عن التواصل والحوار الحضاري على أسس الاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب .

          على أنني أؤكد أننا إن أوتينا – لا قدر الله – إنما نؤتى من قبل تفرقنا وتشرذمنا واختلافنا , فقد ذكر بعض المفسرين ورواة الحديث والأثر أنه لما نزل قول الله تعالي : “قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ” (الأنفال : 65) , قال النبي صلى الله عليه وسلم : “سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً ” .

     وفي هذا ما يؤكد أن أهم سبب من أسباب ضعف هذة الأمة هو تفرقها واختلافها , وهو ما حذر منه النبي (صلى الله عليه وسلم) حين قال في خطبة الوداع الجامعة : ” لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ” (متفق عليه) .

         إن هذة اللحمة العربية التي بدأت تتبلور بالعلاقة المتميزة التي تعي معنى المصير المشترك بين مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان مع دول عربية أخرى لهي خطوة كبيرة يمكن البناء عليها لوضع أسس الوحدة والتكامل والتنسيق والتعاون سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وفكريًا , على أن مجرد هذه الوحدة في حد ذاتها ستكون أحد أهم عوامل الردع للطامعين في خيرات منطقتنا ومن يعملون منهم على تفتيت وتمزيق كيانها وبنيانها وتهديد أمنها واستقرارها , كما أن هذه الوحدة ستكون منطلقًا للتنمية الشاملة لكل دول المنطقة بما يعود بالنفع على أبنائها جميعًا , ويحقق لهم متضامين مجتمعين مزيدًا من النهضة والرقي , بما يرضى الله (عز وجل) ، ويحقق مصالح البلاد والعباد , ويرضي الصديق ويغيظ العدا , ويرد كيد المتربصين بالأمة في نحورهم .

         ولا يجب أن يقف الأمر عند جهود الرؤساء المحترمين جميعًا , إنما ينبغي على سائر الأجهزة التنفيذية سرعة التحرك الثنائي والجماعي لتحقيق رغبة القيادة السياسية في كل دولة بوضع أُطُر عملية سريعة وقابلة للتطبيق كل في مجاله وميدانه في ضوء الأهداف الكبرى التي تسعى إلى تحقيق الوحدة المنشودة , ولا سيما في مجالات التكامل الاقتصادي , ومواجهة الإرهاب الذي يهدد الجميع دون تفرقة , لأن هذا الإرهاب الأسود الغاشم الموجه ما لم يواجه باصطفاف عربي ووطني سريع فإن عواقبه ستكون وخيمة , على أن الوقت لا يحتمل أى لون من ألوان التراخي , فلننطلق متوكلين على الله (عز وجل) في كل ما يخدم ديننا وأمتنا وأوطاننا جميعًا على أساس من الوحدة والفهم الحقيقي لمعنى المصير المشترك .

وزير الأوقاف يكتب :
شاهد عيان على داعش

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

       سألني أحد السائقين السوريين الذين يعملون بدولة الكويت الشقيقة إبان زيارتي لها خلال الأيام القليلة الماضية لحضور مؤتمر ” دور المرأة في العمل الخيري ” : ما رأيكم في داعش  ؟ وكان السؤال في حضور المهندس صلاح جنيدي رئيس هيئة الأوقاف المصرية،  فرددت إليه السؤال : وما رأيك أنت  ؟   فقال : أنا شاب سوري من دير الزور التي يسيطر عليها أعضاء التنظيم الإرهابي المسمى داعش ، وإن هؤلاء القتلة المجرمين قد ذبحوا من قريتي نحو عشرة شباب ، ومن منطقة نفطية مجاورة ، جميع الشباب ما بين الخامسة عشرة  والأربعين  ، وهجّروا بقية  الرجال والنساء وأخلوا المنطقة من البشر ليستولوا على نفطها ، ويبيعونه عبر تركيا ليحصلوا في المقابل على العتاد والسلاح والمؤن الغذائية ،و على المال الذي يغرّون به من ينضم إليهم ، وقال : إنهم يعطون رواتب سخية جدًا لمن يحمل السلاح معهم ، على أن جزاءه الذبح إن حاول الإنكار عليهم أو التنكر لهم أو الإفلات من قبضتهم ،كما أكّد أن بضاعتهم الرائجة هي الصبية ومن كانوا في مقدمة الشباب ما بين الثالثة عشرة والعشرين ، يستقطبونهم ويغدقون لهم العطاء ، ويدفعونهم إلى صفوف القتال أو حواجز التفتيش ، وهؤلاء الصبية لا عقل لهم ولا ثقافة ،ثم إنهم مهددون بالذبح إن خرجوا عما يملى عليهم من تعليمات .

       لقد أخذ هذا التنظيم الإرهابي يستقطب تحت دافع التهديد والفتك تارة ،والإغراء بالمال والنساء تارة أخرى شبابًا وصبية ، ويعمل على إقناعهم أو إكراههم على اعتناق مسالكه الشيطانية ، ومع كل يوم تتسع فيه رقعة سيطرته يزداد تعاون الخونة والعملاء معه ، ويصبح الخطر على الجميع داهمًا ، ومما لا شك فيه أن قوى كبرى دولية وأخرى إقليمية مستفيدة بصورة أو بأخرى من وجود هذا التنظيم الإرهابي الغاشم ، سواء من سيطرته على بعض آبار النفط الذي يباع بثمن بخس ، أم من جهة  تسويق السلاح والعتاد العسكري لهذه الجماعات الإرهابية ، أم بتمزيق منطقتنا والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها .

       ولا شك أن التسليح الذي يحصل عليه هذا التنظيم ،وهذا التراخي الدولي البيّن في القضاء عليه، يعد أمرًا لافتا للنظر مثيرًا للدهشة ، كما أن هناك أمورًا أخرى أكثر لفتا للنظر ، منها : صمت جميع المنظمات الدولية والعالمية المعنية بحقوق : المرأة ، والأقليات ، والطفل ، وحقوق الإنسان  عن جرائم هؤلاء الإرهابيين  ، فلم نكد نرى سوى إدانات خجولة لا ترقى إلى مستوى الإجرام الذي يقوم به هذا التنظيم الإرهابي الغاشم ، وإلا فلتقل لنا هذه المنظمات الدولية : ماذا صنعت تجاه قطع رءوس الأطفال والشباب والشيوخ ؟ وتجاه استخدام الأطفال في الحمل القسري للسلاح ؟ وتجاه هذا المنظرالمرعب لختان بعض البنات بصورة ربما لم يشهد التاريخ مثلها وحشية وهمجية ؟

     بل أين هذه المنظمات من التجنيد القسري لبعض النساء ودفعهن دفعا إلى العمليات الانتحارية ، فضلا عن امتهانهن وسبيهن واسترقاقهن وبيعهن في سوق جديدة للنخاسة والعبيد ، في عالم يزعم أنه يعمل على القضاء على كل ألوان العبودية والرق التي لم يعد اسمها مطاقا ولا مستساغاً في عالمنا المعاصر ؟

       وإذا كان العالم يزعم أنه يحترم حقوق الأكثرية والأقلية ، فماذا صنع العالم الذي يزعم أنه حر تجاه حقوق المسيحيين والأيزيديين من رجال ونساء وأطفال ممن تعرضوا للقتل والذبح والتهجير والاستعباد ، فلم نسمع صوتا يجهر بإنقاذ هؤلاء وهم يُقتّلون ويُهجّرون ، وتُسبى نساؤهم وأطفالهم ، ممن لا يرقبون في البشر ولا في الحجر عهدًا ولا ذمة ولا دينًا ولا خلقًا ولا إنسانية .

       وإذا كانت بعض منظمات المجتمع المدني الدولي قد تخصصت في حقوق الحيوان فإننا نقول لأعضائها  :  أين أنتم يا حمائم السلام ونسائم الحرية من انتهاك هذه الجماعات الإرهابية  لحقوق الإنسان والحيوان والحجر والشجر ؟ أو أن الأمر حين يتعلق بالإنسان العربي أو المسلم فلا حقوق ولا إنسانية ؟

      إن المبادئ الحقيقية لا يمكن أن تتجزأ ، وإن تجزأت وتغيرت وفق المصالح والأهواء لم تعد صالحة، ولا يمكن للبشر أن يؤمنوا بها أو بأصحابها .

      وأؤكد أننا في حاجة إلى اصطفاف وطني وعربي وإسلامي ودولي يجمع أصحاب الضمير الإنساني الحر ،لتكوين جبهة عالمية في مواجهة الإرهاب  قبل أن يأكل هذا الإرهاب الغاشم الأخضر واليابس ،  وكل يوم يتأخر فيه هذا الاصطفاف يزداد الإرهاب الأسود ضراوة وشراسة في البطش والانتقام وتشويه صورة الإسلام ، كما يخدش بلا شك وجه الإنسانية ، ويكشف زيف التحضر الكاذب الذي يدّعيه المتشدقون بالدفاع عن حقوق الإنسان والحيوان .

       وهناك مؤشرات خطيرة ينبغي أن يتنبه لها الجميع ، منها : حادث سدني باستراليا ، وحادث طلاب المدرسة العسكرية بباكستان ، مما يعد جرس إنذار للعالم كله .

       وإذا كنا سابقًا نقول : إن الإرهاب يأكل من يدعمه ويموله ويغذيه ، فإننا اليوم نضيف بعدًا آخر فنقول إنه سيأكل من يدعمونه والصامتين عليه والواقفين موقف المتفرج أو المتردد  .

      غير أننا سنمضي في مواجهة هذا الإرهاب بعزيمة لا تكل ولا تمل مرضاة لربنا ، ودفاعا عن أوطاننا وأعراضنا وأموالنا ، حتى لو كنا في الميدان وحدنا دون سوانا ، لأننا أصحاب قيم ومبادئ لا نحيد عنها في أحرج الظروف واللحظات ، وهو  ما يميز مصر عن سواها ويجعلها قرّة عين صديقها وغيظ عداها .

المرأة بين الإسلام والإرهاب

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف    

      لقد كرم الإسلام المرأة أمًا ، وأختًا ، وبنتًا ، وزوجة ، ومشاركة في الحياة وبناء الأوطان ، فأوصى بها في كل الأحوال ، فالأم محل الإكرام والتقدير ، وعندما جاء رجل يسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ: «أُمُّكَ» ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : «أُمُّكَ» ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: «أُمُّكَ» ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : «أَبُوكَ» ” [متفق عليه ] ، ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : “مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ ” [أحمد ، أبو داود]، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ” [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ] ، ويقول(صلى الله عليه وسلم) : ‏” اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ : الْمَرْأَةِ وَالْيَتِيمِ ” [رواه النسائي ، وابن ماجه] ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا… ” [رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ] . ويقول الحق سبحانه في كتابه العزيز :”وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ  ” ( لقمان :14) .

     فقد حفظ الإسلام للمرأة كرامتها ، وعرف التاريخ الإسلامي لها مكانتها  وقدرها ،والأمثلة كثيرة عن أمهات العلماء اللواتي كان لهن دور كبير في دفع أبنائهم إلى مجالس العلم ، وملازمة كبار العلماء ، كأم ربيعة الرأي (رضي الله عنهما )، وأم الإمام مالك بن أنس (رضي الله عنهما ) ، وأم الإمام الشافعي(رضي الله عنهما )  فقد ربته يتيمًا ، وتعهدته بالتربية والرعاية الخاصة ليكون عالما ، فأرسلته إلى مكة وكانت تسكن بغزة ، ليتعلم الفصاحة والعلم ، ومنها لازم الإمام مالك (رضي الله عنه ) ثم رحل إلى بغداد وغيرها ، حتى صار الفقيه العالم الأديب  .

      وقد أسهمت المرأة في بناء الحضارة الإسلامية إسهامًا  كبيرًا من خلال أدوارها المختلفة ، فكان لها دورها  في بناء المجتمع بكل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية ، فهي حاضنة الأجيال ومنشئة الأبطال ، وعلى قدر صلاحها تصلح المجتمعات ، فهي التي تحافظ علي الأسرة وتحميها من الفرقة والشتات ، وهي العنصر الأساسي لبنائها وتشكيلها ، تربي وتعلم، وتلقّن المبادئ لطفلها الذي يكبر ويتطور في سائر الأيام, حتى يصبح عالمًا أو مفكرًا أو مبدعًا  ، فإذا قامت الأم بدورها التربوي أنشأت جيلا صالحًا مُصلحًا ، وصدق  حافظ إبراهيم  حيث يقول :

الأم مدرسة إذا أعددتها                      أعددت شعبًا طيب الأعراق

      ومن ثمة فإن المسئولية على المرأة نفسها كبيرة  ، سواء أكان ذلك لحق تصحيح صورة الإسلام بل صورة الأديان التي لا يقبل أي دين منها تلك الممارسات الإرهابية المتطرفة من أعمال القتل والتخريب ، وسفك الدماء ، وترويع الآمنين ، بما لا يفرق بين رجل وامرأة ، أو شاب وشيخ ، أم كان ذلك دفاعًا عن الأوطان التي تسلب وتنهب وتغتصب ، وبخاصة في منطقتنا العربية التي تعمد القوى الاستعمارية الحديثة إلى دك بنيانها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها من جديد ، أم كان ذلك دفاعًا عن حق المرأة  نفسها في الحياة الكريمة ، والعمل على وقف ما تتعرض له من مهانات على يد تلك الجماعات الإرهابية المتاجرة بالدين ، فالإرهابيون يجعلون من المرأة مسخًا ووسيلة للتلهي وإغراء الشباب ، والعودة إلى نظام العبودية والرق الذي عمل الإسلام بكل السبل على الخلاص منهما .

     على أن الإرهابيين يتخذون من التكفير وإخراج الناس من الإسلام وسيلة لسفك دماء الرجال لاستحلال أعراضهم وأموالهم ، وهذا ما نهى القرآن الكريم عنه في قوله تعالى : ” وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ” [النساء: 94] ، مع ملاحظة أن هذه الآية جاءت تالية لقوله تعالى : “وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ” [النساء : 93] ،وهو ما يقوم به الإرهابيون .

       يضاف إلى انتهاك حقوق المرأة  ما تلقاه المرأة على أيدي الإرهابيين المتطرفين من عنت وإهانة وإساءة وتهجير وإفزاع وترويع والمتاجرة بعرضها وكرامتها ، أو تعمد التحرش بها  كلونٍ من تصفية الحسابات السياسية أو إظهار الحكومة على أنها مقصرة في حقها غير قادرة على حمايتها في أسلوب يعبر عن منتهى الخسة والدناءة ، كما أنه لا مانع لدى هؤلاء المجرمين من المتاجرة بالمرأة كوسيلة لإغراء الشباب وجذبهم إلى الإرهاب بما يقدّمون له من شهوات وملذات ، بما يخالف كل الأديان السماوية والأعراف الإنسانية السوية للتأكيد على الوعيد الشديد على كل هذه الأعمال الإجرامية من التكفير والقتل واستحلال الدماء والأعراض والأموال .

مـن الـذي يحمــي داعــــش ؟

 

Mokhtar9

                                              

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

           لا شك أن الحماية التي يتعرض لها تنظيم داعش الإرهابي ومستوى التمويل والتسليح الذي يحصل عليه هذا التنظيم ، وهذا التراخي البيّن في القضاء عليه ، وإذكاء الخلافات الدينية والعرقية والمذهبية في بعض دول المنطقة ، يعد أمرًا لافتا للنظر ويدفع للتساؤل من الذي يحمي داعش ؟  كما أن هناك أمورًا أخرى أكثر لفتا للنظر ، منها : صمت جميع المنظمات الدولية والعالمية المعنية بحقوق : المرأة ، والأقليات ، والطفل ، وحقوق الإنسان – عن جرائم داعش ، فلم نكد نرى سوى إدانات خجولة لا ترقى إلى مستوى الإجرام الذي يقوم به هذا التنظيم الإرهابي الغاشم ، وإلا فلتقل لنا هذه المنظمات الدولية : ماذا صنعت تجاه قطع رءوس الأطفال والشباب والشيوخ ؟ وتجاه استخدام الأطفال في الحمل القسري للسلاح ؟ وتجاه هذا المنظرالمرعب لختان بعض البنات بصورة ربما لم يشهد التاريخ مثلها وحشية وهمجية ؟

            بل أين هذه المنظمات من التجنيد القسري لبعض النساء ودفعهن دفعا إلى العمليات الانتحارية ، فضلا عن امتهانهن وسبيهن واسترقاقهن وبيعهن في سوق جديدة للنخاسة والعبيد ، في عالم يزعم أنه يعمل على القضاء على كل ألوان العبودية والرق التي لم يعد اسمها مطاقا ولا مستساغاً في عالمنا المعاصر ؟

            وإذا كان العالم يزعم أنه يحترم حقوق الأكثرية والأقلية ، فماذا صنع العالم الذي يزعم أنه حر تجاه حقوق المسيحيين والإيزيديين من رجال ونساء وأطفال ممن تعرضوا للقتل والذبح والتهجير والاستعباد ، فلم نسمع صوتا يجهر بإنقاذ هؤلاء وهم يُقتّلون ويُهجّرون ، وتُسبى نساؤهم وأطفالهم ، وتُهدم كنائسهم كما هُدمت المساجد أيضا في العراق ممن لا يرقبون في البشر ولا في الحجر عهدًا ولا ذمة ولا دينًا ولا خلقًا ولا إنسانية ، بل خرج علينا أحد هؤلاء الإرهابيين المصنوعين على أعين بعض أجهزة المخابرات الصهيونية ليؤكد أنه عندما يذبح الإنسان ، فلا ينبغي أن يُذبَح فحسب ، إنما عل الذابح أن يعمل على التلذذ بطريقة  ذبحه ، مع أن الإسلام قد أمر أننا عندما نذبح الحيوان أن نحسن الذبحة ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته ” (رواه مسلم) ، وإذا كانت بعض منظمات المجتمع المدني الدولي قد تخصصت في حقوق الحيوان حتى عند ذبحه ، وقد تعرضنا في أوقات سابقة لبعض المضايقات تحت التذرع بالدفاع عن حقوق الحيوان ، فإننا نقول لهؤلاء الذين كانوا  يتاجرون  بحقوق الحيوان  ، أين أنتم يا حمائم السلام ونسائم الحرية من حقوق الإنسان والحيوان والحجر والشجر ؟ أو أن الأمر حين يتعلق بالإنسان العربي أو المسلم فلا حقوق ولا إنسانية ؟

        إن المبادئ الحقيقية لا يمكن أن تتجزأ ، وإن تجزأت وتغيرت وفق المصالح والأهواء لم تعد صالحة يمكن للبشر أن يؤمنوا بها أو بأصحابها .

        وإذا كان الأمر كذلك فإننا نذكّر بقول الشاعر :

أنا لا ألوم المستبد                    إذا تجاوز أو تعدى

فسبيلـه أن يستبــــد                  وشأننــا أن نستعــدا

         وأؤكد أننا في حاجة إلى اصطفاف وطني وعربي وإسلامي ودولي يجمع أصحاب الضمير الإنساني الحر ، قبل أن يأكل هذا الإرهاب الغاشم الأخضر واليابس في الغرب قبل الشرق ، والشمال قبل الجنوب ، وكل يوم يتأخر فيه هذا الاصطفاف يزداد الإرهاب الأسود ضراوة وشراسة في البطش والانتقام وتشويه صورة الإسلام ، كما يخدش بلا شك وجه الإنسانية ، ويكشف زيف التحضر الكاذب الذي يدّعيه المتشدقون بالدفاع عن حقوق الإنسان والحيوان ، غير أننا سنمضي في مواجهة هذا الإرهاب بعزيمة لا تكل ولا تمل مرضاة لربنا ، ودفاعا عن أوطاننا وأعراضنا وأموالنا ، حتى لو كنا في الميدان وحدنا دون سوانا ، لأننا أصحاب قيم ومبادئ لا نحيد عنها في أحرج الظروف واللحظات ، وهو  ما يميز مصر عن سواها ويجعلها قرّة عين صديقها وغيظ عداها .