مقالات

التوظيف السياسي للكذب والشائعات

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

            الكذب هو الكذب ، ليس فيه أبيض وأسود ، وهو علامة من علامات النفاق ، بل هو أول وأبرز علاماته ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ  ” (البخاري) ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ  ” (مسلم) .

           والكذب من أكبر النقائص التي تلحق بصاحبها الخسّة في الدنيا والهلاك في الآخرة ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ” (البخاري)  ، وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ” يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ” (البيهقي) .

           لذا ينبغي على كل مسلم أن يتحلى بالصدق مع الله ، والصدق مع نفسه ، والصدق مع الناس ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين  ” (التوبة : 119) ، ويقول سبحانه : ” إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ” (الأحزاب : 35) .

          وهناك أمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالكذب ، وبخاصة الكذب الموظف سياسيًا لخدمة أهداف أو أغراض حزبية أو شخصية عند من يؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة ، وبخاصة من يستبيحون دماء خصومهم  أو أموالهم ، فإن من يستبيح دم الخصم وماله لا يمكن أن يستحيي من الكذب عليه ، بل إنه قد يوهم نفسه ومن يسير في ركابه بأن المصلحة و الحكمة تقتضيان هذا الكذب الذي يحاولون تجميله بمسميات متعددة ، غير أن الكذب هو الكذب حتى لو سميته صدقًا ، هذا الأمر المرتبط بالكذب هو إثارة الشائعات والعمل إلى خداع العامة ، والبسطاء ، وإلباس الباطل ثياب الحق .

          على أن هذه الشائعات أشد خطورة من الكذب ، فهي كذب  ممنهج ، وكذب متعمد تنشره ، أو تساعد في انتشاره وتوظيفه لصالح مصالح حزبية ، أو فئوية ، أو شخصية .

            وقد نهانا ديننا الحنيف عن الاستماع إلى الشائعات ، ودعانا إلى التثبّت وإعمال العقل ، فقال الحق سبحانه: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ” (الحجرات : 6) ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكلِّ ما سمع ” (مسلم) ، ويقول الحق سبحانه : ” إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ” (النور : 15) ، ويقول سبحانه : ” إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ” (النور : 19) .

            فالعاقل من يتريث ، ويمسك لسانه عن الكذب وإطلاق الشائعات ، ويحلل الكلام الذي يسمعه ، ويحذر من إطلاق الكلام دون عقل أو رويّة ، وهو  ما حذر منه نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) حيث يقول : ” وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ” (البخاري) ، فإذا كان ذلك لمن يتكلم بالكلمة دون تفكير في عواقبها ، فما بالكم بمن يعمد إلى الكذب والعمل على إشاعة الفتنة في المجتمع ؟

            ولا شك أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة والتي تتخذ من الدين ستارًا للوصول إلى السلطة ،   تتخذ من الكذب وإثارة الشائعات منهجًا ومسلكًا ثابتًا ، لتغطي مطامعها السلطوية بإظهار أنها تخوض معتركًا دينيًا شريفًا كذبًا وادعاءً وافتراءً .

           وقد نال وزارة الأوقاف المصرية قسط وافر من الشائعات والأكاذيب التي أطلقها أصحاب المطامع والمنافع والمكاسب الدنيوية ، فأطلقوا كذبًا وافتراءً أن الوزارة منعت الاعتكاف ولم يحدث ، وأطلقوا أنها أصدرت تعليمات بإزالة الملصقات الدينية من المساجد ولم يحدث ، وأطلقوا أنها حددت وقت صلاة العشاء والتراويح معًا بخمس وأربعين دقيقة ولم يحدث ، وأنها أغلقت الزوايا أمام المصلين في التراويح               ولم يحدث ، وأنها منعت الدعاء على الظالمين ولم يحدث .

          وقد أكدنا ومازلنا نؤكد أنه لا يوجد من يمثل الوزارة أو يتحدث باسمها إلا ما يُنشَر عبر موقعها الرسمي، وكل عام والشعب المصري كله بخير ، والعالم كله في سلام وآمان .

رمضان شهر مكارم الأخلاق

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

      لا شك أن الدين حسن الخلق ، وأن رمضان هو شهر الأخلاق ومدرستها ، فهو شهر الصبر ، وشهر الصدق ، وشهر البر ، وشهر الكرم ، وشهر الصلة ، وشهر الرحمة ، وشهر الصفح ، وشهر الحلم ، وشهر المراقبة ، وشهر التقوى ، يقول الحق سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” ( البقرة : 183) ، بكل ما تحمله كلمة التقوى من دلالات ومعان إيمانية وأخلاقية أخصّها : حسن المراقبة لله ( عزّ وجلّ ) ، إذ إن العبادات لا يمكن أن تؤتي ثمرتها المرجُوّة إلا إذا ظهر أثرها في سلوك المرء وأخلاقه وتعامله مع الآخرين ، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ، ومن لم ينهه حجه وصومه عن اللغو والرفث والفسوق فما انتفع بحج ولا بصيام .

      وفي سبيل تهذيب الأخلاق ، والتدرب على حسن التحلي بها ، وترسيخها وتعميقها في نفوس المؤمنين جميعًا ، وخاصة الصائمين ، يقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ” الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ” [صحيح البخاري] ” ، على أن صيغة ” سَابَّهُ ” صيغة مفاعلة والمعنى : إذا حاول إنسان استفزازك بما يحملك على رد إساءته ، ومقابلة سبِّه بسب ، فعليك أن تدرك أن الصوم يحجزك عن ذلك لأنه جنة ووقاية من سيء الأخلاق.

      وعندما لخّص النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هدف رسالته لم يقل ( صلى الله عليه وسلم ) : بعثت لأعلم الناس الصلاة ، أو لأعلم الناس الصوم ، أو لأعلم الناس الحج ، مع أهمية هذه الأركان الأساسية في الإسلام ، وإنما قال ( صلى الله عليه وسلم ) : « إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ » [السنن الكبرى للبيهقي] ، وقال (صلى الله عليه وسلم) : ” الدين حسن خُلق ” ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : « إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» [سنن الترمذي] ، وسُئل ( صلى الله عليه وسلم ) : مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ يا رسول الله ؟ قَالَ : التَّقْوَى ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ “[سنن ابن ماجه] .

      وقد قسم العلماء الصوم إلى ثلاثة أقسام : صوم العموم ، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من أذان الفجر إلى أذان المغرب ، وصوم الخصوص ، وهو كف القلب والجوارح عن المعاصي وسيء الأخلاق ، من الكذب ، والخيانة ، والرياء ، والنفاق ، والأذى باليد أو اللسان ، والفحش ، وقول الزور ، وسائر ما يصم من سيء الأخلاق ، وصوم خصوص الخصوص ، وهو كف القلب عن الهمم الدنيّة ، والشواغل الدنيويّة ، والإقبال على الله ( عز وجل ) بالكليّة .

       ومن هنا نستطيع أن نقول : إن الصوم مدرسة أخلاقية كبرى ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ” [صحيح البخاري] ، والمعنى : أن الصوم إذا لم يحجز صاحبه عن شهادة الزور ، وقول الزور ، وما شاكل ذلك من سيء الأخلاق ، فإنه صوم لا طائل منه وما استفاد صاحبه سوى الجوع والعطش ، وهو ما يؤكده قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ” رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الْجُوعُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ ” [سنن ابن ماجه] ، ومن علامة قبول العبادة أن يظهر أثرها في سلوك الإنسان وفي أخلاقه وفي تصرفاته ، فتتحول مراقبته لله التي عاشها معنىً ومبنىً في صيامه إلى مراقبة دائمة لله ( عزّ وجلّ ) في تحركات الإنسان وثكناته ، وسره وعلنه ، وعمله وإنتاجه ، وبيعه وشرائه ، وسائر تعاملاته مع خلق الله أجمعين .

      وعملا منّا على ترسيخ القيم والأخلاق والإسهام في العودة بها إلى ما تربينا عليه وألفناه من خلق قويم ومجتمع أصيل يدرك قيمة الخُلُق من جهة ومعنى العيب من جهة أخرى ، فقد أطلقنا في وزارة الأوقاف مبادرة ” معًا نحو مكارم الأخلاق ” ، وخصصنا لذلك خطبة شهرية في الأخلاق والسلوك ، واخترنا ثلاثين خُلُقًا من أخلاق الحبيب (صلى الله عليه وسلم) ليكون كل خلق منها درسًا رمضانيًا في صلاة التراويح على مستوى الجمهورية ، وندعو كل الجهات و المؤسسات العلمية والفكرية والثقافية والتربوية ، كما ندعو  كل العلماء والأدباء والمفكرين والكتاب للمشاركة معنا في هذه المبادرة والعمل على ترسيخ مكارم الأخلاق في مجتمعنا وواقع حياتنا .

عصــر جديــد بكـل المقاييــس

Mokhtar

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

      لاشك أننا أمام عصر جديد بكل المقاييس سياسيًّا وفكريًّا وعلميًّا وتربويًّا بكل ما تحمله كلمة التجديد من معانٍ ، وأنطلق من ثلاثة محاور :

أ – المحور السياسي  :  ولن أطيل فيه كثيرًا فإن له رجاله المتخصصين القادرين على التحليل أكثر  وأكثر، غير أنني أعبر فقط عما لمسته في رؤية السيد رئيس الجمهورية أثناء لقائه برئيس وأعضاء مجلس الوزراء من همة و عزيمة غير عاديين ولا مألوفين في حياتنا المعاصرة ، وحرص وإصرار  على التجديد والابتكار والتفكير في حلول غير نمطية ولا تقليدية ، واقتحام ما كان يراه بعض الناس في السابق حُلمًا بعيد المدى ، أو حتى مجرد خيال ، أو مجالاً غير قابل للاقتحام ، كل ذلك قد أضحى مجالاً للدراسة العلمية ، بل للتطبيق ، بل للاقتحام في جسارة وجرأة غير مسبوقة.

ب _ المحور الفكري : وهو محور التجديد في نمط التفكير والسلوك ، والخروج من دائرة المحاكاة أو الجمود ، وإسقاط ما كان مناسبًا لزمان أو مكان أو حالة معينة على جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال ، من غير إعمال للعقل أو إفساح المجال أمام الاجتهاد المشروع في إطار النصوص الشرعية الثابتة التي يستطيع المجتهد أن يُخْرج من خلالها بالبيان الشرعي الذي يناسب الزمان والمكان والحال ، فحيثما تكون المصلحة فثمّة شرع الله ، فذلك عمل الفقيه المجتهد الذي تنطلق رؤاه الفكرية في ضوء فقه الواقع ، وفقه المتاح ، وفقه الأولويات ، وفقه المقاصد ، وسعة الأفق ، وإذا كان بعض سلفنا الصالح يقول : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ، فإننا نقول : قد يكون  كلا الرأيين على صواب غير أن أحدهما راجح والآخر  مرجوح ، فالأقوال الراجحة ليست معصومة ، والأقوال المرجوحة ليست مهدومة ، طالما أن لصاحبها حظًا من النظر  والدليل الشرعي المعتبر  وهنا  أؤكد : أنني سأبذل ما في وسعي ليمسك الناس سماحة الإسلام بأيديهم ، وأتخذ من المنهج العقلي في التفكير   الذي ينتهج  فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر منطلقًا لتجديد الخطاب الديني ، إذ يشرفني  أن أكون منتميًا إلى مدرسته العلمية العقلية الحضارية في التفكير والنظرة إلى الأمور ،  ومن واقع مسؤليتي عن الدعوة في وزارة الأوقاف ، و عن الدعوة والإعلام الديني بالأزهر الشريف كوني عضو المكتب الفني لشيخ الأزهر  لهذا الشأن ، وعضو لجنة التعريف بالإسلام بمجمع البحوث الذي يشرف برئاسة فضيلة الإمام الأكبر ، وأشرف بعضويتي فيه ، من واقع هذه المسئولية ومن خلال هذا العبق الأزهري السهل السمح البعيد كل البعد عن التشدد و التطرف ، بل الرافض لهما كل الرفض ، أنطلق بإذن الله تعالى ، وستكون بداية الانطلاق العملي بإعلان مؤتمر  علمي دولي متخصص يتبناه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية  بوزارة الأوقاف تحت عنوان : ” التطرف والغلو بين أغاليط المضللين وتفنيد العلماء المحققين ” .

جـ – المحور الثالث : الجانب الإداري والتنظيمي سواء في إدارة واستثمار أموال الوقف ، أم في إدارة ملفات الدعوة ، فإنني أؤكد أننا سنعمل على تطوير أنفسنا وبذل المزيد من الجهد ، والإفادة من معطيات العصر العلمية والإدارية والاقتصادية وأننا سنفسح المجال أمام الشباب ليأخذوا دورهم ، ويسهموا بأفكارهم وطاقاتهم إلى جانب الخبرات التي لا غنى عنها في إدارة ملفات الوزارة ، فنحن نؤمن بالتواصل بين الأجيال وتكامل خبرات الشيوخ مع طاقات الشباب ، ولهذا وجّهنا بتشكيل مكتب للتطوير والتجديد ، ويتكون من عشرة أعضاء من الشباب ممن هم تحت سن الأربعين ، ليكونوا حلقة وصل جيدة بين الوزارة وجميع العاملين بها ، ممثلين لزملائهم وبخاصة الأئمة ، وستكون الأولوية للحاصلين على درجة الدكتوراه أو الماجستير ، لإعدادهم وتكوينهم تكوينًا فنيًا وإداريًا من جهة ، وإسهامهم في برامج الجودة والتطوير ودعم اتخاذ القرار من جهة أخرى ، كما أننا سنكثّف برامج التدريب للأئمة والخطباء ، لتشمل إلى جانب كتب التراث ، وبناء الثقافات الإسلامية الصحيحة في الفقه ، والتفسير ، والحديث ، وعلوم القرآن ، ومصطلح الحديث ، والسيرة والأخلاق ، واللغة العربية التي لا غنى عنها لخطيب ولا متحدث ، لتشمل إلى جانب ذلك كله جوانب الثقافة العصرية في اللغات ، وعلوم الحاسب الآلي ، وما يلزم من الثقافة الاقتصادية ، والاجتماعية ، والتاريخية ، والحضارية ، والدراسات النفسية ، والطبية ، والقانونية في الجوانب التي تتصل بعمل الإمام ، وتحكم تواصله مع المجتمع ، بحيث لا يبدو الإمام أو الخطيب غريبًا على مجتمعه ، أو مغيّبًا عن قضاياه العصرية ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوّره ، لذا فإننا نسعى لتوسيع مدارك الأئمة والخطباء ، ليضعوا نصب أعينهم متغيرات العصر ، ويراعوا أحوال المدعوين والمستفتين في مجالي الدعوة والفتوى .

ثلاث رسائل للراعي والرعيّة

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

الرسالة الأولى:

          إنه ليسعدني أن أشيد بخطاب الأزهر الشريف الذي أرسله إلى السيد رئيس الجمهورية ، وجاء فيه : ” يَطِيبُ للأزهرِ الشريف في هذه اللحظاتِ التاريخيَّةِ التي وفَّقكم الله تعالى فيها لحملِ أمانة هذا الوطن أنْ يُعبِّرَ لسيادتِكم عن آمالِه وآمالِ الأُمَّة في أنْ يُوفِّقَكم الله سبحانه وتعالى لقيادةِ مصر كنانةِ اللهِ في أرضِه نحو العزَّةِ والحريَّةِ والكرامةِ والعدلِ الاجتماعي ، ويُعِينَكم على جمعِ شملِ الوطَنِ ووحدتِه ، وحشد طاقات المواطنين وإبداعاتهم الخلَّاقة ، حتى تَستَعِيدَ مصرُ مكانتَها العربيَّةَ والإسلاميَّةَ والعالميَّةَ ، وتظلَّ كما كانت دائمًا رمزَ القيادة والرِّيادة ومصدرًا للعَطاء الحضارى لكلِّ مَن حولها ..

          وإن الأزهر الشريف لن يَدَّخِرَ جهدًا في ضَبْطِ الخِطاب الدِّيني والدَّعوي وضَبْطِ الفتوى ، وتأهيل رجالها  وفقَ رسالةِ الأزهر ومنهجِه الوسطي ، كما يَثِقُ الأزهر في عَزمِكم الصادقِ أن تكونوا رئيسًا وراعيًا لكلِّ المصريين ، مُحقِّقًا لآمَالهم وتطلُّعاتهم ” .

          وإنني بصفتي مواطنًا مصريًا ، لا بصفتي وزيرًا ، كنت أثناء تقديم السيد المستشار/ ماهر البحيري نائب رئيس المحكمة الدستورية لمراسم القسم أتأمل قسمات وجه السيد الرئيس الذي يدرك حجم المهام التي تنتظره ، والأمل الذي يعلقه الشعب المصري والأمة العربية عليه ، وحجم التحديات في الداخل والخارج ، مع رغبته القوية في أن تتبوأ مصر مكانتها التي تليق بها عربيًا ، وإفريقيًا ، ودوليًا ، فأدركت مدى إحساسه بعظم المسئولية ، فأقول لسيادته : يا سيادة الرئيس نعلم أنك تُحسن التوكل على الله ، فسر على بركة الله ، فلو خضت بهذا الشعب الأصيل البحر لخاضعه معك ، إيمانًا منه بحرصك عليه ، وحسن تدبيرك  له .

        ثم أقول لسيادته : لقد كشفت زيارتك لضحية التحرش عن جانب إنساني هام ، نسأل الله (عزّ وجلّ) أن يديمه عليك ، وأن يجعله دعمًا عمليًا لقضاء حوائج الضعفاء والمهمّشين ، وتحقيق العدالة الاجتماعية لهم .

الرسالة الثانية:

         أقول لكل وطني شريف : لقد حانت ساعة الجد ، ساعة العمل ، ساعة العطاء ، لننهض معًا ، ونتقدم معًا ، ونجني الثمار معًا .

        وأؤكد أنَّ الحضارات لا تُبنَى بمعزل عن العمل والأخلاق معًا ، وأن الحضارات التي قامت  على الجانب المادي وحده حملت عوامل سقوط في أسس قيامها ، وحضارتنا تقتضي التكافل والتراحم من جهة ، والمروءة والنخوة والإباء من جهة أخرى ، وهذا يقتضي أن نقف وقفة رجل واحد في مواجهة من يخرج على قيمنا وأخلاقنا التي تربّينا عليها وألفناها وصارت جزءًا من كياننا ، فلا نسمح لمجرمٍ أو معتدٍ أو ضالٍ أو منحرفٍ أن يعتدي على عرض واحدة من نساء هذا الوطن دون أن نقف له بالمرصاد ، مع تأكيدنا أن من مات دفاعًا عن عرض نفسه أو عرض غيره فهو شهيد ، ومن وقف موقفًَا سلبيًا في مثل هذه المواطن فإن الخسّة تلاحقه في الدنيا ، كما تلاحقه لعنة الله ورسوله والمؤمنين في الدنيا والآخرة ، وإنّا لعلى أمل أن نعود إلى أصلنا القائم على النخوة والمروءة والشهامة ، فمعدن الشعب المصري الأصيل يظهر دائمًا عند الشدائد ، فهو كالذهب قد يصيبه بعض الغبار لكنه لا يصدأ وسرعان ما ينجلي غباره .

الرسالة الثالثة:

        أقول لكل من يريدون توظيف المساجد سياسيًا لمصالح حزبية أو مكاسب انتخابية بصورة مباشرة أو غير مباشرة لا تزايدوا على وزارة الأوقاف ، أو تحاولوا النيل من مستوى علمائها وأئمتها المحترمين ، مؤكدًا أننا لن نصرّح بالخطابة لأي شخص يحاول النيل من أبناء الوزارة ، أو يُعرّض بهم من أجل تحقيق مصالحه الخاصة ، فالخطب تتعلق بالجوانب الوعظية التي تحث على التقوى ومراقبة الله ( عزّ وجلّ ) والخوف منه ، وعلى مكارم الأخلاق ، وما فيه صالح العباد والبلاد ، وكل أئمة الأوقاف قادرون على الوفاء بما تصحّ به الخطبة والصلاة ، وفي كل مسجدجامع على الأقل خطيب متميّز أو عالم أزهري لمن يريد أن يتعلم على يديه في الجمعة أو الدروس أو المحاضرات .

       أما من يزعم نقص عدد الأئمة ممن يحاولون استغلال ذلك  للسيطرة على المساجد لمصالحهم الخاصة فزعمهم غير صحيح بالأرقام ، فعدد الأئمة المعينين بالأوقاف نحو 58 ألف إمام  ، وخطباء المكافأة نحو 38 ألف إمام ، بعد أن تم تسلم أكثر من 17 ألف خطيب مكافأة من خريجي الأزهر عملهم خلال الأسبوعين الأخيرين ، بما يعني أن عدد الأئمة والخطباء يصل إلى نحو  96 ألف إمام .

        ومع إصرارنا على أن تكون الخطبة في المسجد الجامع فإن أعداد المساجد الجامعة لا يمكن أن تتجاوز 80 ألف مسجد أبدًا ، والقضية فقط قضية إعادة تنظيم وتوزيع الأئمة ، ونقل من كانوا يخطبون منهم في الزوايا إلى المساجد الجامعة .

        وبحسبة رياضية محضة لو قلنا : إن متوسط أعداد المصلين في المسجد الجامع 500 فإن 80 ألف مسجد تتسع لـ 40 مليون مصلٍّ على أقل تقدير .