مقالات

شهر الرحمة والصفاء

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     رمضان شهر الصفاء الروحي بلا منازع ، فهو شهر الإيمان ، وشهر البركات ، وشهر الرحمات ، وشهر النفحات ، من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، فيه ليلة خير من ألف شهر هي ليلة القدر ، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه , و من فطّر فيه صائمًا فله مثل أجره من غير أن يُنقَص من الصائم شيء ، ومن أدى فيه نافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه .

      وهو شهر البر والصلة ، لا مجال فيه للخصام أو الشقاق أو الخلاف أو المشاحنة ، يسارع الناس فيه إلى الخيرات بصفة عامة ، وإلى صلة الرحم والصلح بين الناس بصفة خاصة ، وفى الحديث القدسي : ” أَنَا الرَّحْمَنُ ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ ، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ ، وَمَنْ قَطَعَهَا قطعته ” ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) اقرءوا إن شئتم  قول الله تعالى : ” فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا “.

       وهو شهر الجود والسخاء ، فقد كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان ، وهو القائل : ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ” , ويقول الحق سبحانه وتعالى : ” هَا أَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ “.

       وهو شهر القرآن ، وشهر الذكر ،وشهر الدعاء ، وليس ذلك كله بالأمر اليسير ، إنما هو أمر لو تعلمون عظيم ، فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته ، وبالذكر تطمئن القلوب , يقول سبحانه : ” الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ” ‏, ومن رُزق الدعاء رُزق الإجابة ، لأن الله عز وجل حييُّ كريم يستحى إذا رفع العبد يديه أن يردها صفراً خائبين , وهو القائل : ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ “.

      وهو شهر العمل والإنتاج ، إذْ لا ينبغي ولا يجوز أن تتعطل حركة الحياة في هذا الشهر الكريم ، بل ينبغى أن تكون إرادة الصوم حافزاً لمزيد من العمل , وأن تكون مراقبة الله فيه باعثًا لمزيد من المراقبة ومن صحوة الضمير الإنساني الحى .

      ولعل أهم ما نطمح إليه , ونرجو أن نصل إليه  من خلال كل ما سبق هو الصفاء مع الله , ومع الناس ، ومع النفس ، ولن يكون ذلك إلا بالثقة الكاملة في الله ، وحسن اللجوء إليه والتوكل عليه .

      والصفاء مع الناس إنما يكون بالبعد عن كل أسباب العداوة والشقاق ، والفرقة والخلاف , والبغضاء والشحناء ، والأحقاد السوداء ، والقلوب المريضة ، والغيبة والنمائم ، والكيد والمكر ، والعمل على تعطيل الآخرين  ، والانشغال عما يعنينا بما لا يعنينا .

       والصفاء مع النفس يكون لصلحها مع ذاتها ومع الآخرين ، والإيمان بأن ما قدر كان ، وما كان للإنسان فهو آتيه لا محالة ، وما أصابه لم يكن ليخطئه , وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوا الإنسان بشيء لم ينفعوه  إلاَّ بشيء قد كتبه الله له , ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليه , رفعت الأقلام وجفت الصحف ، وأن يكون الإنسان في توازن بين معاشه ومعاده ، وبين أمر دينه وأمر دنياه ، وأن يكف أذى لسانه ويده عن الناس ، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه .

        وهو شهر الرحمة بلا منازع ، رحمة الله عز وجل بعباده ، ورحمة العباد بعضهم ببعض ، فالراحمون يرحمهم الله ، ومن لا يَرحم لا يُرحم ، وهو ما يتطلب أن نعمل على أن تعم هذه الرحمة الإنسانية كلها : إنسانها وحيوانها وطائرها ، لنؤكد للعالم كله أن ديننا دين رحمة وسلام لا عنف فيه ولا إرهاب ، وأن نبينا محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) هو نبى الرحمة , ورسالته هي رسالة الرحمة ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ “.

الإخوان وانفصام الشخصية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      في الوقت الذي ظل الإخوان يصدعون رءوسنا فيه بادعائهم الخوف على الدين تارة , وحرصهم على الوطن أخرى , وتصوير أمريكا على أنها الشيطان الأكبر , والغرب على أنه العدو الصليبي , متاجرين بذلك , محاولين إحداث أكبر شرخ في عقول الشباب تجاه تقارب الحضارات والعيش الإنساني المشترك , ذلك التعايش الذي نؤمن به ونسعى للتوافق في إطاره , إذ ما لا يمكن ولا يتصور ولا يقبل ولا يطلب , بل ليس من الإسلام ولا من الإنسانية ولا من أي دين ولا عرف أن يعمل دين أو طائفة أو مذهب معين على إبادة الآخرين أو تدميرهم أو التنكيل بهم .

       ولقد فوجئنا بهذا الكم الهائل من القيادات الإخوانية التي استولت على أموال العامة والبسطاء والمتبرعين الذين خُدعوا بهم وبشعاراتهم , ليحصلوا من خلالها ومن خلال سفرياتهم المتكررة إلى أوروبا وأمريكا وإثبات ولادة أبنائهم بهذه البلدان على الجنسية الأمريكية أو الأوروبية للاحتماء بها عند اللزوم , فهم كما أكدت مرارًا لا يؤمنون بوطن ولا بدولة وطنية , وإلا فما السر وراء استماتتهم في الحصول على الجنسية الثانية لهم أو لأبنائهم , ولماذا كانت وما زالت هذه الدول تمنحهم وتمنح أبناءهم جنسيتها وهي تعلم من هم , لولا عمالتهم لهذه الدول واستخدامها لهم لتحقيق أغراضهم في المنطقة العربية واتخاذهم رأس حربة لتشويه صورتها من جهة والعمل على تفتيتها وتمزيق كيانها من جهة أخرى ؟! وأكتفي في ذلك بمشهدين :

  • رسالة الخائن محمد سلطان التي أرسل بها إلى الرئيس أوباما , والتي جاء فيها وفق ما نقلته مواقع التواصل : ” اسمي محمد سلطان. أبلغ من العمر 26 عامًا. أنا مواطن أمريكي. نعم لدي أصول مصرية، ولكنني ترعرعت في كنساس وبوسطن وديترويت وكولبماس أوهايو، وكبرت في أمريكا أرض الأحرار والشجعان، أو على الأقل هذا ما تعلمته في الأمة التي أنتمي لها»..

        ويتابع : «تخرجت من جامعة أوهايو، ومغرم بفريق بوسطن لكرة القدم ولدي إدمان غير صحي لبورتلاند .. أتذكر العمل لصالح حملة الرئيس باراك أوباما في مدينتي بالنسبة لي، فكرة أن الكل متساوٍ في أمريكا هو ما جعلني أؤمن بقوة بالنجوم والسطور (في علم أمريكا) , إنني أؤمن بنفس القيم والمبادئ التي بنى عليها الآباء المؤسسون ( في أمريكا ) هذه الأمة العظيمة .

        فهذه هي وطنية الإخوان , وهذه هي أمريكا بالنسبة لهم وهم الذين صدعوا رءوسنا بإعلان عدائهم الواضح والصريح لها .

  • هذا النداء الخبيث المعروف إخوانيًّا بنداء الكنانة الذي دعا فيه من يُسَمُّونَ أنفسهم علماء – وهم خونة عملاء – إلى التحريض ضد مصر وبخاصة ضد القضاة والإعلاميين ورجال الجيش والشرطة , بل لم يسلم من تهديدهم مفتي الديار المصرية , ويطالبون فيه باقتحام السجون وتهريب المساجين .

      وقد أكدت في بيان عقب نشر هذا التحريض السافر على مصر وأمنها واستقرارها أن هؤلاء الموقعين على هذا البيان الإرهابي مجرمون في حق دينهم ووطنهم وأمتهم ، ويجب وضعهم جميعًا على قوائم ترقب الوصول هم ومن على شاكلتهم ؛ لأن العلماء لم يكونوا يومًا دعاة قتلٍ أو سفك دماء أو تخريب وتدمير .

        وقد أكدت مرارًا أن الإخوان يحرفون الكلم عن مواضعه , ويلوون أعناق النصوص لخدمة أغراضهم الخبيثة , وأنهم يتخذون من الكذب وسيلة للوصول إلى أهدافهم , وصاروا يستحلون الكذب من باب أن الغاية تبرر الوسيلة في ميكافيلية غريبة , مما يتطلب منا جميعًا جهودًا غير عادية ومسابقة للزمن لكشف زيفهم وأباطيلهم وادعاءاتهم الكاذبة وقلبهم للحقائق وعمالتهم وخيانتهم : ” وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ” .

        على أن البشرية الآن في حاجة إلى غير ذلك , إنها لفي حاجة ملحة إلى من يحنو عليها من جديد ، ومن يأخذ بيدها إلى طريق الهداية وإلى مكارم الأخلاق ، بالعمل لا بالقول وحده ، وبالحكمة والموعظة الحسنة , لا تحت تهديد السلاح ولا حد السيف ، استجابة لقوله تعالى : ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ” (النحل:125) , إنها تحتاج إلى البناء لا الهدم , والتعمير لا التخريب , والإصلاح لا الإفساد , ” وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ” ( يوسف : 21 ) .

على مائدة الوطنية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        لقد توقفت كثيراً عند المُعادل الموضوعي الذى أجعله عنوانًا لهذا المقال ، ودار بخلدي عناوين كثيرة ، منها : قراءة في وثيقة الأوقاف الوطنية ، ومنها : وثيقة الأوقاف وكسر الحواجز النفسية ، لكنى حاولت أن أتجرد بعض الشيء ، وأن أنظر إلى الحدث من خارج الإطار ، وأن أنظر من محور هام وهو تلك اللحمة الوطنية الفكرية الثقافية التي تمثلت لأول مرة في جلوس  هذه النخبة من رجال الدين من أمثال : فضيلة المفتي أ.د/ شوقي علام ، ورئيس جامعة الأزهر الشريف أ.د/ عبد الحي عزب ، ونخبة مميزة من هيئة كبار العلماء ، وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية ، ورجال السياسة من أمثال : الأستاذ / عمرو موسى ، ود / مصطفى الفقى ، ورجال الإعلام من أمثال :  أ / جلاء جاب الله ، أ / أسامة كمال ، ورجال الفن من أمثال :  أ / محمد صبحى ، ورجال التعليم والقانون من أمثال : أ.د / جابر نصار ، أ.د / جعفر عبد السلام ، أ.د/ عبد الله المغازي ، ورجال الثقافة من أمثال : أ / حلمى النمنم ، و أ/ محمد عفيفي ، إضافة إلى بعض السادة الوزراء كوزير الشباب والرياضة م/ خالد عبد العزيز ووزير الثقافة د/ خالد النبوي ، في لحمة فكرية وثقافية وعلمية ودينية ووطنية غير مسبوقة ، ولعل أهم ما يميزها وما لفت نظري فيها هو كسر حاجز  “هُم ، ونحن ” كتعبير ساد لعقود للتعبير عن واقع الانقسام بين علماء الدين وغيرهم من المثقفين والأدباء والمبدعين ، لنلتقي جميعًا على مائدة واحدة هي مائدة الوطنية الخالصة ، وربما كان للمقال الذي كتبه الأستاذ/ فهمي عنبه تحت عنوان: ” عقول مستنيرة .. للخطاب الديني ” ، وللنقاش الذي دار بيني وبينه عقب قراءتي لهذا المقال الوطني الواعي أثر كبير في تحديد عنوان هذا المقال .

          وإذا أردنا أن ننظر في الوثيقة الوطنية التي صدرت عن منتدى السماحة والوسطية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف لمناقشة ” بحث آليات تجديد الخطاب الديني ” نجد أنها ركزت تركيزًا واضحًا وعن وعى وقصد تامين على ما يدعم هذا الالتقاء ، وهذه اللحمة الفكرية والوطنية ، ويؤكد أننا يجب أن تنطلق من منطلقات وطنية مشتركة ، ومن ذلك نذكر من بنود هذه الوثيقة :

1- ضرورة تبني خطاب ثقافي وفكري يدعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الحديثة ، ويُرسخ مفاهيم الولاء الوطني في مواجهة تلك التنظيمات الإرهابية الدولية التي لا تؤمن بوطن ولا دولة وطنية , وإنما تبحث عن خلافة أو سلطة مزعومة أو متوهمةلا تخدم مصالح دولنا , بل تعمل على هدمها لصالح قوى الاستعمار الجديد التي توظف هذه التنظيمات وتدعمها ماديًا ومعنويًا .

2- تعاون المؤسسات الدينية , والعلمية , والتعليمية , والثقافية , والفنية , والإعلامية , في إنتاج  خطاب عقلي , وعلمي , وثقافي , وديني , وتربوي , ووطني , يتناسب مع ظروف العصر وحجم التحديات , يحافظ على الثوابت الشرعية والأخلاقية والقيمية للمجتمع , ويضع حلولاً واضحةً ومناسبةً تتسم بالمرونة والواقعية لكل ما يواجه المجتمع من مشكلات أو تحديات ، مع إعادة النظر في مكونات المناهج الدينية في جميع مراحل التعليم بما يتناسب مع معطيات العصر ومتطلباته.

3- بناء مناهجِ التربية الدينية على معاييرَ ومؤشراتٍ تعززُ الفهمَ الصحيح للدين ، وتصحيح المفاهيم الخاطئة ، وترسيخ الاتجاهاتِ الإيجابية , وتعظيمِ دورِ المؤسساتِ التعليمية في المجتمع ، وتحول الطلاب والتلاميذ من نطاق التبعية والحفظ والتقليد والتلقين إلى مستويات جادة من الوعي والتفكير والإبداع ، والقدرة على التمييز والتمحيص والنقد .

4- تنظيم دوراتٍ وندواتٍ ومحاضراتٍ دينية وثقافية دورية بالتعاون بين المؤسسات والوزارات والهيئات المعنية بالشأن الديني والفكري والثقافي في كل ربوع الوطن , حتى نستطيع الوصول إلى كل شرائح المجتمع في مساجدهم , ومدارسهم , وقصور الثقافة , ومراكز الشباب , والتجمعات العمالية , والقرى والنجوع , مع التركيز الشديد  على العشوائيات والمناطق الأكثر فقرًا ، حتى لا تتخطف أبناءَها يدُ التشدد والإرهاب , على أن يعود للمسجد في هذه المناطق دوره الاجتماعي ليسد الطريق أمام المتاجرين بالدين ومن يوظفونه لأغراضهم السياسية والانتخابية .

5-  حشد طاقة المجتمع كُله لمحو الفكر المتطرف والمتفلت على حد سواء , ودعم قضايا العمل والإنتاج , والعدالة الاجتماعية , ومكافحة الفساد , والقضاء على البطالة ,  بما يفجر طاقات المجتمع وإبداعاته .

6- الإفادة القصوى من وسائل الإعلام المختلفة , وتوظيف بعض الأعمال الفنية والإبداعية لنشر القيم النبيلة , وإنتاج أعمال تدعم القيم الأخلاقية والإنسانية الراقية , وبخاصة في مجال ثقافة الطفل .

7- أن تكون مبادئ الأخلاق والقيم الوطنية موضع اهتمام في جميع المراحل التعليمية،  والمنتديات التربوية والثقافية والتثقيفية .

ومن جهتنا سنبذل أقصى طاقتنا لمتابعة هذه التوصيات وتحويلها إلى واقع معاش في حياتنا , لنواجه معًا الإرهاب والتحديات المعاصرة من جهة , ونرسخ أسس العيش المشترك والتنوع وقبول الآخر والقدرة على التعايش معه واحترامه وتقديره من جهة أخرى .

حيّ على العمل

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

       في شهر رمضان وما يسبقه من أيام وليال ، ودروس وعبر ، يتفنن أكثر الدعاة في العناوين الجذابة ، والنقاط الهامة ، وهي كذلك ، بل إن تناولها يُعد أمرًا هامًّا ، على شاكلة : رمضان شهر القرآن ، رمضان شهر الجود والكرم ، رمضان شهر الصبر ، رمضان شهر الرحمة ، رمضان شهر البر والصلة ، رمضان شهر الدعاء والإجابة ، وهو كذلك في كل ما ذكر ، غير أن هناك جانبًا هامًّا من الجوانب قد يُفهم على غير وجهه الصحيح ، أو لا يكون فيه التطبيق على مستوى الفهم ، حيث يركن بعض الناس إلى الراحة والكسل ، أو التفرغ الكامل طوال الشهر للعبادة على حساب العمل ، أو التقصير في الواجب المهني أو الوظيفي ، أو إرجاء الأعمال إلى ما بعد رمضان ، فيكون التأجيل والتسويف والترحيل ، أو شغل الوقت المخصص للعمل وخدمة الناس بمزيد من الصلاة وقراءة القرآن في ساعات العمل الرسمية ، حتى لو كان ذلك على حساب قضاء حوائج الناس أو تعطيلها ، أو حمل بعض الناس على الحضور إلى المصلحة الواحدة اليوم تلو الآخر تلو الذي يليه .

        ونؤكد أن الإسلام قد وازن بين حاجة الروح والجسد دون أن تطغى إحداهما على الأخرى ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون ” .

        فالعمل قد يكون فرض عين ، وقد يكون فرض كفاية ، وقد يكون مندوبًا أو مستحبًا أو مباحًا ، وهو محمود على كل حال طالما أنه في مجال التنمية والإنتاج ، لا الهدم والتخريب ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) في الحث على العمل : ” من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له ” ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ” مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. ” ، ونبي الله داود (عليه السلام ) كما أخبر عنه نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ، ولم يمنعه صيامه من العمل ، بل العمل الشاق في صناعة الحديد ، حيث يقول الحق سبحانه: ” وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ” .

        وإذا كان من أخص صفات الصائم المراقبة لله عز وجل فإن ذلك يقتضي مراقبة الله عز وجل في الوفاء بحق العمل ، فالذي يراقب صلاتك وصيامك وإمساكك عن الطعام والشراب هو هو من يراقب وفاءك بحق العمل أو تفلتك منه وتقصيرك في حقه .

        وإذا كان من أهم ما يجب أن يحرص عليه الصائم أكل الحلال واستجابة الدعاء ، فعليه أن يدرك أنه إذا أخذ الأجر ولم يؤد حق العمل فإنه إنما يأكل سحتا وحرامًا ، لأنه يكون قد أخذ أجرًا بلا عمل ، أو أخل بالعقد والعهد والشروط التي يتطلبها العمل ، سواء أكان ذلك عملاً حكوميًا أم خاصًا ، على أن حرمة المال العام أشد ، لأنه حق لأفراد الشعب جميعًا ، وهم سيختصمون من يفتأت على حقهم أمام الله عز وجل يوم القيامة .

         وإذا كان رب العزة لا يقبل صدقة من غلول فإن أهل العلم بل إن أي عاقل يدرك أنه إذا أتعب نفسه بالجوع والعطش ثم أفطر على الحرام الخبيث فما انتفع بصلاة ولا صيام ولا دعاء ولا حج ، لأن نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ”  كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ” .

         ومن هنا يأتي هذا الإنذار المبكر لجميع الهيئات والمؤسسات التي تعد خطتها لشهر رمضان ، وبعضها يعمد إلى تخفيض العمل أو جعله نصف وقت ، وكثير منها يرجئ البرامج الهامة إلى ما بعد رمضان ، ويقول لك : ها نحن مقبلون على رمضان فاجعل هذا الأمر أو ذاك إلى ما بعد العيد ، وبعضهم قد يصدمك بقوله : وهل هذا وقته ، إذا عرضت عليه أمرًا يتطلب جهدًا كبيرًا أو تركيز اً في العمل ، وكان الصيام الذي ينبغي أن يدفع إلى مزيد من النشاط والعمل صار يدفع البعض إلى الخلود إلى الراحة والكسل .

        رمضان شهر العزيمة وشهر الإرادة ، وينبغي لتلك العزيمة القوية والإرادة الفولاذية التي تقهر الجوع والعطش ، بل تقهر سائر الشهوات والموبقات والخصال الذميمة أن تقهر البطالة والكسل ، كما ينبغي أن تقهر العادات السيئة ، وبخاصة لدى المدخنين أو المتعاطين أو المدمنين ، فهذه فرصتهم للإقلاع عن هذه العادات السيئة والأوبئة والسموم  المدمرة القاتلة .