مقالات

دور المرأة في مواجهة الإرهاب

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

      دور المرأة لا يمكن أن يقف عند الفهم الخاطئ الذي تريده لها تلك الجماعات والتيارات الإرهابية أو المتطرفة أو المتشددة سواء تلك التي تنظر للمرأة على أنها مخلوق من الدرجة الثانية ، أو تلك التي تنظر إليها نظرة تحكمها الغرائز لا أكثر ولا أقل ، ولعلنا ندرك أن ما حدث من إرهابي داعش تجاه المرأة يُندى له جبين الإنسانية، كعمليات الختان الوحشية التي تمت لعدد من فتيات العراق بصورة لا تعود بنا إلى عصور التخلف والظلام فحسب، إنما تعود إلى ما يمكن أن يطلق عليه تجوزا ما قبل التاريخ أو ما قبل الإنسانية ، إذ لا يمكن للحس الإنساني والتاريخ البشري أن يتقبل أو يحتمل تلك الجرائم التي انسلخ مرتكبوها من كل حس إنساني، وكذلك مظاهر السبي والاسترقاق وتوزيع النساء كغنائم على الإرهابيين يقدن قسرا وذلا وهوانا، والغريب أن شيئا لم يتحرك لا للنخوة ولا للدم الحر، وبخاصة بعد أن سمع الناس بعض الفتاوى التي أباحت للرجل أن يترك زوجته ويتخلى عنها إذا خاف على نفسه الهلاك في خروج واضح على كل معاني الرجولة والنخوة ، أو كهذا الذي قال إنه لا مانع لديه من أن يرى ظهور ابنته في حمام السباحة أمام الناس ، أما المنظمات الحقوقية ومنظمات المرأة العالمية وبخاصة الغربية فقد سكت صوتها أو أسكت بفعل فاعل ، ليفتضح أطراف المؤامرة، وليكون الأمر وصمة عار في جبين الإنسانية وبخاصة الدول والتنظيمات والمنظمات التي ترعى الإرهاب من جهة، وفي جبين المنظمات التي تدعي حماية المرأة والدفاع عن حقوقها من جهة أخرى، فإن لم يكن هذا زمان ومكان ومناط الدفاع عنها فأين يكون؟

      ومن ثمة فإن المسئولية على المرأة نفسها مضاعفة ، سواء أكان ذلك لحق تصحيح صورة الإسلام بل صورة الأديان التي لا يقبل أي دين منها تلك الممارسات فضلا عن أعمال القتل والتخريب ، وسفك الدماء ، وترويع الآمنين ، بما لا يفرق بين رجل وامرأة أو شاب وشيخ، أم كان ذلك دفاعا عن الأوطان التي تسلب وتنهب وتغتصب، وبخاصة في منطقتنا العربية التي تعمد القوى الاستعمارية الحديثة إلى دك بنيانها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها من جديد ، أم كان ذلك دفاعا عن حق المرأة في الحياة الكريمة ، والعمل على وقف ما تتعرض له من مهانات على يد تلك الجماعات الإرهابية المتاجرة بالدين .

      لقد عرف المسلمون المرأة : أما ، وأختا ، وزوجا ، وبنتا ، وشريكة في الحياة والكفاح والنضال ، كما عرف التاريخ الانساني نساء كثيرات كن ملء السمع والبصر ، وذوات أثر واضح في الحضارة الإنسانية ، فعرف مريم ابنة عمران أم المسيح عليه السلام التي قال عنها رب العزة في كتابه العزيز على لسان أمها امرأة عمران : “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ” (آل عمران: 35).

      قال بعض المفسرين : أي وليس الذكر الذي كنت تريدين كالأنثى التى رزقتين في الفضل وخدمة بيت الرب، وهي التي قال عنها الحق سبحانه : ” وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ” (التحريم :11)

       ومنهن امراة فرعون التي تبرأت من ظلم فرعون وجبروته ، وقالت كما جاء على لسانها في القرآن الكريم : “رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” (التحريم : 10).

       ومنهن السيدة هاجر أم إسماعيل (رضي الله عنهما) ، ومنهن السيدة خديجة بنت خويلد زوج نبينا (محمد صلى الله عليه وسلم) ، وأم ولده إبراهيم، ومنهن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وأم السبطين الكريمين ، سَيدَي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (رضي الله عنهما) ، ومنهن السيدة عائشة بنت الصديق (رضي الله عنهما) ، والسيدة حفصة بنت عمر (رضى الله عنهما )، وسائر زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وغيرهن من الصحابيات ، والتابعيات ، والنساء اللاتي أثرن  في الحضارة الإنسانية على مر العصور ، فلم يكن دور المرأة على مر التاريخ غُفلا ، بل كان دورا فعالا بقوة في الحضارة الإنسانية ، اللهم إلا عند أعداء الإنسانية ، وفي عصور الجهل والظلام  والتخلف .

      وإذا كانت مشاركة المرأة فى صنع الحضارة مطلباً هاماً فإن أهم منه مشاركتها الآن فى دحر الإرهاب ومقاومة قوى الشر والجهل والتخلف ، ويُحمَدُ للمرأة المصرية بصفة خاصة مشاركتها الفعّالة فى ثورتين عظيمتين الخامس والعشرين من يناير 2011 والثلاثين من يونيو 2013 م .

      وأعظم من ذلك مشاركتها الإيجابية التى لفتت وبقوة نظر القاصى والدانى لوعيها وثقافتها  فى الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث قلن بصوت عال : نعم للأمن والاستقرار، ولا لقوى الشر والظلام  والإرهاب، وهو المؤمل منهن فى كل الاستحقاقات الوطنية  .

     غير أننا ننتظر دوراً أكبر وإسهاما أكثر فى محاصرة الإرهاب الفكرى وتلك العمليات التخريبية ، فالمرأة  أُم ذات تأثير فى توجيه أبنائها , وأخت يمكن أن تكون ذات أثر كبير فى  نقاشها الفكري سواء مع أخواتها أم زميلاتها، وهى زوج يمكن أن تقوم بدور إيجابى كبير فى توجيه مسار زوجها إلى الطريق الصحيح ، وحقاً كما قال الشاعر :

الأمُّ مدرسة إذا أعددتَها                       أعددتَ شعباً طيب الأعراق

      فالمرأة فى بيتها راعية ومسئولة عن رعيتها أمام الله، بأن تقوم على تربية أبنائها خير قيام وأن تحول بكل ما يمكنها بينهم وبين الأفكار الهدّامة وأصدقاء السوء , وأن تحرص كل الحرص على ألا تتخطفهم أيدى الهدّامين وقوى الشر والإرهاب , وهى راعية فى مدرستها إن كانت معلمة، وفى مشفاها إن كانت  طبيبة، وفى جامعتها إن كانت أستاذة ، وفى كل مجال يمكّن لها الله فيه ، عليها أن تستشعر ثِقل الأمانةِ ودقة خطورة المرحلة ,

      كما أن علينا جميعاً واجباً شرعياً ووطنياً تجاهها يُحملنا أمانة الذّود عنها وعن كرامتها وعن حقوقها , كما يحملنا مسئولية كبيرة أيضاً تجاه تثقيفها  وتوعيتها بالتحديات التى تواجهنا، لتتولى هى بدورها جنباً إلى جنب مع الرجال مسئوليتها فى مقاومة الأفكار الهدّامة ، وعلى أقل تقدير تحصين نفسها وتحصين أبنائها ومن كان في رعايتها أو تحت مسئوليتها من الأفكار الظلامية، وألا تنخدع بما يروج له المتاجرون بالدين من أفكار الدين منها براء ، والوطنية الصادقة منها براء ، والحس الإنساني السليم منها براء .

الأسباب المنطقية لنجاح مصر

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

      لا شك أن مصر تمتلك من مقومات النجاح ، وعوامل النهضة والرقي ، ما لا تملكه الكثير من الدول ، وأن إمكانية هذا النجاح قائمة بقوة ، وأكثر من أي وقت مضى ، فمصر تملك حضارة عريقة عمرها أكثر من سبعة آلاف عام ، لا تتوفر إلا لدول معدودة ومحدودة ، فأهرامها ، ومتاحفها ، وآثارها العظيمة، شاهد عيان على أن العقلية المصرية كانت قادرة على إبداع حضارة تاريخية منقطعة النظير ، أبهرت وما زالت تبهر العالم كله .

      وهي شامخة بمآذنها ، ومساجدها ، وكنائسها ، ووحدتها الوطنية الفريدة التي تعبر عن سماحة أهلها وطيب أخلاقهم ، تلك الوحدة التي تجسدت عمليًا في اللحمة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد ، والتي جمعت بين الأزهر والكنيسة في مظلة واحدة هي بيت العائلة ، التي جعلت قيادة الكنيسة تعبر في وطنية عظيمة بأن المسيحيين بخير مادام الأزهر بخير ، وما دامت مصر بخير ، ووقف رجالها سدًا حصينًا في أي محاولة للاختراق ، أو للتدخل الأجنبي تحت ذرائع معروفة ومكشوفة لقوى الاستعمار .

       مصر بخير ما دام أزهرها بخير في ظل حفاوة وتقدير بالغ ما زال يلقاه علماء الأزهر أينما توجهوا ، وهو ما يمكن أن يكون دعماً كبيراً لقوة مصر الناعمة وسياستها الخارجية .

وهو ما يلقي في الوقت نفسه بتبعة كبيرة على رجال الأزهر في أن يكونوا على مستوى التحديات ، وليس ذلك بعسير في ظل القيادة الحكيمة لفضيلة الإمام الأكبر أ . د أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف .

       مصر غنية بموقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية التي لم تُكتشف بعد، سواء فيما يعرف بالمثلث الذهبي (القصير ـ سفاجا ـ قفط) أم بمشروع قناة السويس بأبعاده التنموية الشاملة، أم بتنمية الساحل الشمالي، أم باستغلال الموارد الطبيعية في سيناء، وأخصها الرمال ذات الطبيعة الخاصة، والسياحة : الدينية، والعلاجية، والصحراوية، والترفيهية.

        مصر غنية بعقول علمائها المشهود لهم بالسبق والتفوق في أفضل جامعات العالم ومعاهده العلمية والبحثية.

        مصر غنية بقيمها الحضارية والأخلاقية والإنسانية، ومروءة أبنائها وشهامتهم، وصبرهم وجلدهم وكفاحهم، وقوة تحملهم، وقدرتهم على مواجهة الصعاب والتحديات، فهي غنية برجالها ونسائها، وشيوخها وشبابها، ومفكريها، ومثقفيها، وإعلامييها، وصناعها، وعُمَّالها، لا ينقصها فكر ولا عقل، ولا سواعد قادرة على حمل الوطن والتقدم به إلى مصاف الأمم الراقية.

       مصر غنية بسماحتها ووسطيتها وقدرتها على نفي الخبث عنها، وقد استقت هذه الوسطية من حضارتين عظيمتين، أولاهما: الحضارة الإسلامية السمحة التي لا تقر التشدد ولا التطرف ولا الغلو، ولا العنت، فهي قائمة على اليسر ورفع الحرج؛ حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: ” يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” (البقرة :184) ويقول سبحانه: ” وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ” (الحج : 77)، وحيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه” ( أخرجه البخاري)، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا” (متفق عليه).

      والسماحة الأخرى استمدتها من الحضارة المصرية القديمة والحديثة معا ، فالشخصية المصرية لم تعرف عبر عصور تاريخها الممتد والعريق بالغلو أو التشدد أو التجاوز أو الاعتداء على الآخرين ، ومن مزيج هاتين الحضارتين العظيمتين أنتجت الحضارة المصرية حضارة خاصة ذات طبيعة خاصة تكاد تكون فريدة فى يسرها وسماحتها ، وهى فى حالة نقاء وإفراز دائم ونفى مستمر لكل ألوان التشدد والغلو ، فهى بطبيعتها وتكوينها لا تقبلهما ولا يمكنها التعايش مع أى منهما ، فهما  بالنسبة لها كالجسم الغريب ، أو العضو المزروع قسراً فى جسد لا يمكن أن يتقبله .

     وهناك نعمة كبرى حباها بها رب البلاد والعباد وهى نعمة الطبيعة الخلابة الرقراقة الصافية ، ففى الوقت الذى تنحت فيه بعض البلاد والحضارات الصخر فى ظل أجواء إما مشمسة محرقة ، وإما بارده قاسية أو جليدية يظل الثلج يغطيها كاملة لأسابيع أو شهور ، مما يتطلب جهدا غير طبيعى وعملا غير تقليدى للتغلب على تلك الأجواء ، حبا الله مصر بطبيعة سمحة سهلة تتلاقى مع أخلاق وطبائع سكانها السمحة السهلة ، فلا هى مفرطة فى صقيع شتائها ولا فى حر صيفها إذا ما قسنا ذلك ببلد قد تتجاوز درجة البرودة في شتائه أربعين درجة تحت الصفر ، وتتجاوز درجة حرارته صيفاً أربعين فوق الصفر ، أو ببلاد أخرى تتجاوز درجة حرارتها الخمسين درجة مئوية صيفاً ، مما يجعل ظروف العمل والإنتاج قاسية وتكلفة التدفئة أو التبريد أعلى بكثير.

       كما رزقنا الله في هذه المرحلة بقيادات سياسية وطنية تعى مسئوليتها جيدا ، وتحمل هَمَّ وطنها، وتسهر على نهضته ورقيه، ولم يبق لنا حتى نحقق النجاح سوى أمرين :

أولهما وأهمهما:  معية الله تعالى وتوفيقه وعونه وتأييده وعملنا على مرضاته في كل خطواتنا وتصرفاتنا، والأمر الآخر هو مدى اصطفافنا الوطنى فى مواجهة الإرهاب ودحره من جهة ، وأخذنا بأسباب التقدم العلمي نحو مزيد من العمل والإنتاج من جهة أخرى.

الإخوان والجبهة السلفية ولعبة اليهود

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

      لا شك أن الأيام تكشف لنا يومًا بعد يوم عن أن الارهاب كله ملّة واحدة ، وأن التطرف كله ملة واحدة ، وكذلك التشدد والغلو ، فدعوى رفع المصاحف هي دعوى إخوانية بغطاء الجبهة السلفية

      وقد تأكد لنا بما لا يدع مجالا للشك مباركة تنظيم الإخوان فى الخارج والداخل لهذه الدعوة ، ففي الخارج أعلن التنظيم الدولى للإخوان أن الجبهة السلفية هى أحد مكونات وعناصر تحالفهم المشئوم ، وفي الداخل اعترض بعض المنتمين للإخوان على موضوع خطبة الجمعة : الدعوات الهدامة كشف حقيقتها وسبل مواجهتها ، حيث أكدنا أن الدعوة إلى رفع المصاحف هى دعوة خبيثة مشئومة ، وحذرنا من المشاركة فيها ، وقلنا إنها عين فعلة الخوارج ، فما أشبه الليلة بالبارحة ، لقد صنع الخوارج هذا الصنيع وخرجوا على سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ورفعوا المصاحف ، وقالوا: لا حكم إلا لله، ثم كفروه وهو من هو (رضي الله عنه) ، وكانت فتنة عظيمة سفكت فيها الدماء، ونهبت فيها الأموال ، وتحول رفع المصاحف إلى رفع السيوف وقتل الآمنين .

     إن من قواعد الشريعة التي يرفعون ظلما وخداعا شعارها : حفظ الدين، والنفس ، ومن قواعدها أيضًا : أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وهذه الدعوات التي يرفعونها قد تؤدي مالم نتنبه لها إلى فتن عظيمة تعصف بالبلاد والعباد من قتل وتدمير وتخريب وزعزعة لأمن الفرد والمجتمع .

    إن الشريعة تدعو إلى تعظيم شأن المصحف وصيانته عن كل مالا يليق به ، فكيف بالمصحف الشريف حين يحدث الهرج والمرج ، أو يحدث احتكاك بين هؤلاء وبين المعارضين لهم ، أليس من المحتمل ، بل من المؤكد أن تسقط بعض المصاحف من أيديهم على الأرض وربما تهان بالأقدام ، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ، إثمه وإفكه على من دعا إليه أو يشارك فيه.

     إن إقحام الدين في السياسة والمتاجرة به لكسب تعاطف العامة إثم كبير وذنب خطير ، ويكفي الإسلام ما أصابه من تشويه صورته في الداخل والخارج على يد ولسان بعض المنتسبين إليه ، وليس لهم من حقيقته إلا مجرد أسمائهم وبطاقات هوياتهم.

     ونؤكد على حرمة المشاركة في هذه التظاهرات الآثمة ، وعلى إثم من يشارك فيها من الجهلة والخائنين لدينهم ووطنهم.

      فعقب خطبة الجمعة الماضية دعا بعض شباب الإخوان للتظاهر مؤكدين انضمامهم لما يطلقون عليه بغيا وظلما : ثورة الشباب المسلم ، والشباب الوطنى والإسلام الحنيف من كل ذلك براء، مما يكشف لنا يوما بعد يوم أن التشدد والتطرف والغلو كله ملة واحدة ، وأن ما يُسمى بالجبهة السلفية تدعو إلى تلك المظاهرات بالوكالة عن التنظيم الدولى للإخوان في الوقت الذي يخادع فيه بعض المنتمين للإخوان بدعوات لم الشمل ، فطائفة تقتل وتخرب وتدمر وتتآمر بالخارج مع أعداء الوطن وتحرض عليه وتتحالف مع الشيطان ، وأخرى تتظاهر بالدعوة للم الشمل ، وثالثة تدعو لرفع المصاحف ، مما يذكرنا بمسالك الصهاينة في توزيع الأدوار بين الحمائم والصقور ، وأخيرًا يخرجون علينا بيهودية الدولة صقورهم وحمائمهم معًا في ذلك سواء ،  لا يعرفون غير التمييز والعنصرية التي يتظاهر العالم الغربي بمحاربتها إلا لدى الربيبة المدللة إسرائيل ، فإنهم يتظاهرون بالحفاظ على حقوق الإنسان ، أما عندما يتعلق الأمر بإرهاب وترويع الإنسان المسلم أو العربي فلا مجال لمجرد الحديث عن هذه الحقوق .

      أما البعد الثاني للعبة اليهود مع الإخوان وجبهتهم السلفية المصطنعة ، أو بعبارة أدقِ لعب اليهود بهم ، فإنما يتمثل ويتجسد في استخدام هؤلاء سواء بصورة مباشرة أم غير مباشرة عبر وسائط قذرة لضرب أوطانهم، وتمزيق أمتهم وتفتيت كيانها ، ليبقى الجيش الإسرائيلي والدولة اليهودية هي القوة الأكثر تأثيرًا بل المنفردة في منطقتنا العربية ، كما أنهم يستخدمونهم أيضا ويغذون ما لديهم من أفكار هدامة لتشويه صورة الإسلام  والمسلمين، فلو أنهم أنفقوا أضعاف ما ينفقون ، وبذلوا كل جهودهم وطاقتهم دون أن يستخدموا هؤلاء المأجورين المهووسين بالسلطة لما بلغوا معشار ما بلغوا من تشويه صورة الإسلام ، حيث صار القتل والتخريب والتدمير وسفك الدماء مرتبطا في الذهن بصورة تلك الجماعات المحسوبة زورًا وبهتانًا أو اسمًا وشكلاً على الإسلام وهو منها براء ، فنحن لم نعرف القتل باسم الإسلام وتحت راية القرآن إلا على أيدي تلك الجماعات المارقة التي تمارس إرهابا أعمى يعمد إلى حرق الأخضر واليابس ، وتدمير الأوطان والبنيان ، فلا ينبغي أن نخدع بلحن قولهم أو معسول كلامهم، فقد نبهنا الحق سبحانه إلى ذلك فقال: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ” (البقرة : 205)، ويقولون : المؤمن كيس فطن ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: ”  لستُ بالخِبِّ ، و لا الخِبُّ يخدعُني ” ، ويقول أحدهم : إذا خدعتني لأول مرّة فالعيب فيك وإذا خدعتني للمرة الثانية فالعيب فيَّ ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ” (أخرجه مسلم) .

للــــه وللتــاريــــخ

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

      قد يجد الإنسان نفسه مدفوعا إلى الكتابة في موضوع ما كشفا للحقيقة ، أو بيانا لفضل مستحق ، أو ردا على هجمات ظالمة تصريحا أو تلميحا ممن يجهلون معرفة الشخص ولا يعرفون طبيعته ولا قدر ما يقدمه لوطنه ، حتى لو كان ذلك على غير رغبة من المكتوب في حقه أو المشهود له .

       أذكر بعض المواقف الوطنية الرائدة ، واللمسات الإنسانية الراقية ، غير مجامل ولا مبالغ ، إنما هو بيان لله وللتاريخ ، إنه رئيس مجلس حكماء المسلمين ، وهو جدير بذلك ، ورئيس مجلس أمناء بيت الزكاة ، وهو أهل لذلك ، حيث يسعى الرجل إلى تقديم كل ما من شأنه مرضاة ربه ، والإسهام في حل مشكلات وطنه ، فما سمح الرجل عبر تاريخه باستخدام اسمه لتحقيق مصالح أو مكاسب شخصية ، غير أنه قال : إنه على استعداد لأن يفعل أي شيئ وكل شيئ لصالح الفقراء طالما أنه منضبط بمرضاة الله وتحقيق مصلحة الوطن .

       لم يقصر الرجل يوما تجاه قضايا وطنه ، بل أراه دائما مهموما بها ، وقد تبنى بنفسه توجيه سائر المؤسسات الدينية للتصدي لإرهاب الإرهابيين والمتاجرين بالدين ، وبخاصة تجاه تلك الدعوة الأخيرة الآثمة المجرمة إلى حمل المصاحف يوم الجمعة 28 / 11 / 2014م ، وعقد سلسلة من الاجتماعات مع رؤساء المناطق الأزهرية ومديري الوعظ على مستوى الجمهورية ، وكان رأيه حاسما حيث أكد أن الدعوة إلى رفع المصاحف هي فعلة الخوارج الشنعاء ، حيث خرجوا على الإمام عليّ (رضي الله عنه) ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، في محاولة لشق صفه وصف أصحابه ، ثم كفّروه ، ثم حملوا السيوف فسفكوا الدماء ونهبوا الأموال ، وها هو التاريخ يعيد نفسه على يد خوارج العصر الجدد ، الذين يتاجرون بكتاب الله لخداع العامة ، وكتاب الله من أفعالهم ودعوتهم الخبيثة الآثمة براء ، فالمشاركة فيها أو الدعوة إليها إفك كبير إثمه على من دعا إليه أو سوّقه أو يشارك فيه .

      إنه فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ، الذي يعد صمام الأمان للأزهر الشريف ووسطيته في هذه المرحلة الفارقة في تاريخ الوطن والأمة العربية والعالم الإسلامي كله ، دون إفراط أو تفريط ، أو غلو أو تقصير ، ففي الوقت الذي يقف فيه الأزهر الشريف بقيادته الحكيمة شامخا قويا في مواجهة الإرهاب والتطرف والغلو ، ويعلم الله أني لا ألقى من فضيلته في ذلك إلا كل الدعم والتأييد في المواجهة التي تخوضها وزارة الأوقاف في الحفاظ على مساجدها ومنابرها من أيدي الدخلاء وغير المتخصصين وتجّار الدين ممن يحاولون استخدام الدين والمساجد والمنابر لتحقيق مصالحهم الحزبية والانتخابية وأغراض جمعياتهم أو جماعاتهم في تحقيق أغراضها الخاصة حتى لو كان على حساب المصلحة الوطنية ، لقد رأيته في كل ذلك موجها حكيما ، وأبا رحيما ، وأستاذا واعيا بحجم الأخطار والتحديات .

       وفي الوقت نفسه وبنفس القوة والحسم في مواجهة الإرهاب تأخذه الغيرة لدينه ومسئوليته كشيخ للأزهر الشريف إلى التصدي للمتطاولين على الثوابت ، فيوجه هنا ويستحث هناك ، ويراجع ما نصنعه أولا بأول بنفسه ، وأذكر أنموذجا واحدا لذلك هو خطبة اليوم التي كتبت تحت عنوان : ” الدعوات الهدّامة .. كشف حقيقتها وسبل مواجهتها ” ، حيث ناقشنا مع فضيلته عناصرها الرئيسية قبل كتابتها ، وشكلنا فريق عمل ظل يعمل لمدة يومين في ضوء توجيهاته ، ثم أنني لإدراكي مدى اهتمام فضيلته بالأمر – وعلى الرغم مما أعلمه من شواغله – تجرأت على الاتصال به قبل الواحدة صباحا ولمدة تقترب من خمس عشرة دقيقة ، لأقرأ عليه الخطبة قبل عرضها على موقع الوزارة ونشرها وتوزيعها ، لأن كل كلمة فيها كانت تحتاج إلى مراجعته وإلى خبرته وإلى إقراره ، فعندما قال : على بركة الله ، انتقلنا إلى عرض خطة التنفيذ ، حيث حرص فضيلته على الجدية في الوصول بهذه الخطبة إلى كل أبناء مصر ، والانتشار بمضمونها في المعاهد الأزهرية ومراكز الشباب والتجمعات العمالية ، لنكشف الخونة والعملاء ، لأن من يدعو إلى رفع المصاحف لا يخرج عن كونه إما جاهلا مخدوعا مغررا به ، وإما خائنا عميلا مأجورا ، فإذا قام الأزهر الشريف بدوره في بيان وجه الحق ، وكشف مخالفة هذه الدعوة الآثمة لصحيح الإسلام ، لم يبق مصرّا على الخروج سوى الخونة والعملاء والمأجورين ، وهم الذين ينبغي كشف حقيقتهم في الدنيا قبل أن يفضحهم الله على رءوس الأشهاد في الآخرة .

        وختاما أؤكد أننا في الأزهر الشريف بكل مؤسساته وعلمائه ورجاله نقف صفا وطنيا واحدا في مواجهة كل ألوان الإرهاب والتشدد والغلو ، ونقف بقوة خلف قيادتنا السياسية ، وخلف قواتنا المسلحة الباسلة التي تذود عن وطنها ودينها وشرف أمتها ، وخلف رجال الشرطة الذين يسهرون على أمن الوطن والمواطن ، وخلف كل المؤسسات الوطنية ، وخلف كل وطني مخلص ، نُسخّر كل طاقتنا في خدمة ديننا وخدمة وطننا .