مقالات

فرحة الأيتام لا مأتمهم

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      لقد عنى الإسلام بشأن اليتيم عناية خاصة قبل بلوغه الحلم وبعد بلوغه الحلم , وأمر بإكرامه ورعايته ورعاية أمواله , وحذر من إيذائه وقهره , فقال الحق سبحانه : ” فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ” , وذم أهل الجاهلية على تقصيرهم في حق اليتيم , فقال سبحانه وتعالى : ” كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ” , وحذر من أكل أموالهم أو المساس بها بغير حق فقال سبحانه وتعالى : ” إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ” , وجعل إكرام اليتيم وسيلة لمرضاة الله عز وجل في الدنيا والآخرة وسبيلا لرفقة النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” أنا وكافل اليتيم هكذا في الجنة , وأشار (صلى الله عليه وسلم) بأصبعيه السبابة والوسطى ” .

       ومع كثرة وتنوع ما يمكن أن يقدم لليتيم من رعاية أو عناية أو حنو أو إطعام أو كسوة أو إيواء أو نحوه فإن القرآن الكريم قد آثر لفظ الإصلاح على أي لفظ آخر , فقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : ” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ” , فكلمة ” إصلاح ” أمر جامع لكل ما يحتاجه اليتيم وما من شأنه أن يصلح حاله ، ولو أنك فتشت في معاجم اللغة ومفرداتها واستخدمت جميع نظريات ما يُعرف في النقد الحديث بالبدائل اللغوية والحقول الدلالية ونظريات الاستبدال الرأسي والأفقي لتبحث عن أي كلمة يمكن أن تقوم مقام كلمة “إصلاح” لما وجدت أي كلمة أخرى تدانيها أو تقاربها بلاغة أو فصاحة في موضعها هذا , ذلك أن اليتيم قد يكون فقيرًا في حاجة الإطعام أو الكسوة أو الإيواء , فيكون الإصلاح بتوفير ذلك له , وقد يكون اليتيم غنيًا يحتاج إلى من يقوم على شأنه والعناية بماله والحفاظ عليه والعمل على تنميته فيكون الإصلاح هو القيام بذلك على الوجه الأكمل , وقد يكون اليتيم غنيًا وله من إخوته أو أعمامه أو أخواله من يقوم على شئونه الاقتصادية خير قيام , غير أن هذا اليتيم قد يكون في حاجة إلى العطف والحنو الذي قد يعوضه شيئًا من حنان الأب أو الأم أو الأبوين , وهنا يكون إصلاحه في إكرامه والحنو عليه والرحمة به , وفي هذا يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ” ، وقد يكون اليتيم في حاجة إلى التعليم والتهذيب والتأديب والتوجيه والتربية الحسنة والتعهد بمكارم الأخلاق وصالحها , مع ترسيخ الانتماء للوطن والوفاء له ومعرفة حقوقه على الفرد والمجتمع , فيكون إصلاح اليتيم هو القيام بذلك .

       ولم تقف عناية الإسلام باليتيم عند مرحلة الطفولة أو اليتم إنما شملته هذه العناية  حتى عند استوائه رجلاً وحصوله على كل حقوقه كاملة غير منقوصة ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ” .

        ومعلوم أن دفع مال اليتيم إليه إنما يكون بعد بلوغ الحلم , لكن القرآن الكريم عبر بلفظ ” اليتامى ” باعتبار الحال والصفة التي كانوا عليها ترقيقًا للقلوب وحثًا لها على الوفاء بحقهم , وتأكيدًا على ضرورة مراعاة ما كانوا عليه , وأن ذمة القائمين على أموالهم لا تبرأ من أكل مال اليتيم حتى يدفعوا إلى هؤلاء اليتامى كامل حقوقهم وأموالهم , لكن بعض هذه الجمعيات والمؤسسات تجمع الأموال الضخمة لصالح الأيتام , ثم تصرف بعضها في غير ما خصصت له , أو تعمد إلى المتاجرة بها تحت زعم استثمارها وتنميتها لصالح الأيتام , ويبقى حال اليتيم في البؤس والهوان والشقاء , وهذا يجعلنا نحذر بشدة من أمر ونوصي بشدة بآخر , أما الذي نحذر منه فهو أن يحاول بعض من يتاجرون بالدين وبكل شيئ أن يتاجروا بقضايا الأيتام , فيتخذوا من دور الأيتام صيدًا ثمينًا لتوظيف ذلك لمصالحهم الخاصة على نحو ما كان يحدث من بعض القائمين على هذه الدور من جمع بطاقات أمهات الأيتام وحملهن على التصويت لصالح مرشح بعينه تحت وطأة الترهيب بقطع الكفالة أو المعونة ، أو الترغيب بزيادة ذلك ، واستغلال حاجتهن استغلالا غير قانوني ولا مشروع .

       وأما الذي نوصي به فهو تشديد الرقابة على دور الأيتام , سواء فيما يتصل بجمع الأموال ، أم بسبل إنفاقها , أم بطرائق التربية بدور الأيتام , أم بنظم الإعاشة بها , أم بطريقة توزيع الكفالات والإعانات والمساعدات , أم بمراقبة الوسائل التربوية والمادة العلمية التي تقدم لهؤلاء الأيتام ومعرفة من يقومون على أمر هذه الدور وفحصهم فحصًا وطنيًا دقيقًا بما يؤكد بعدهم الكامل عن التطرف والإرهاب والتشدد والغلو , حتى لا نكون قد وضعنا أبناءنا وسلمناهم بأنفسنا لمقصلة التشدد والإرهاب .

       وأختم بأننا نريد للأيتام فرحة حقيقية وليس مأتمًا جديدًا كهذه الحرقة التي تصيبهم عندما تجمع بعض الدور ما قدم لهم من هدايا لتبيعه دون رحمة أو إنسانية عقب انصراف مقدمي هذه الهدايا من زائري هذه الدور في يوم اليتيم .

القمة العربية أمة ورجالا

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     لا شك أن الأمة العربية أمة ذات تاريخ حضاري عريق ، وأنها أمة نجيبة ولاّدة ، وأنها قد تمرض لكنها لا تموت ، وقد صمدت أمام أعتى الأمم وأقسى المحن ، استطالت عليها دول عظمى قديمًا وحديثًا من فارس والروم ، إلى التتار ، إلى الاستعمار البغيض في القرنين الماضيين ، لكن كل الغزاةٍ كانوا إلى زوال  وانكسار  ، وكما قال حافظ عن مصر في قصيدته الرائعة ” مصر تتحدث عن نفسها ” :

كم بغت دولةٌ عليَّ وجارتْ                ثم زالت وتلك عُقبى التعدّي

ما رماني رامٍ وراح سليـــمًا                         من قديمًا عناية الله جُنــدي

      فقد عرفت أمتنا العربية عبر تاريخها حضارة عظيمة سادت العالم وأضاءت ربوعه قرونًا طويلة ، وإنَّ أبناءَها لقادرون على مواصلة المسيرة لو أن الله عز وجل هيَّأ لهم من أمرهم رشدًا ، وأخذوا بأسباب الحياة والتقدم والرقي ، من العلم والعمل والإتقان ، والحفاظ على مكارم الأخلاق ، التي تستمد حضارتنا خصوصيتها الكبرى والأهم منها ، ولا سيما لو وحدنا صفنا واجتمعنا على كلمة سواء لصالح ديننا وأوطاننا وأمتنا .

      وقد أعربت عن تفاؤلي بهذه القمة العربية التي اعتبرتها استثنائية وخاصة ، حيث ظهرت بوادر الوحدة العربية والرغبة القوية فيها قبل انعقاد القمة ، وكانت الأجواء مواتية نظرًا للمخاطر التي تُهدد جميع دول المنطقة في كيانها وأصل وجودها ، وإحساس جميع القيادات والشعوب بالخطر الداهم المتربص بنا ، وكانت البداية في المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ حيث وقفت القيادات العربية الحكيمة وقفة رجل واحد إلى جانب المصلحة العربية  بإعلانها الوقوف بقوة وبوضوح إلى جانب الشقيقة مصر ، التي أعلنت هي الأخرى أنها قادرة على رد الجميل  ، وأنها تقدر للأشقاء وقفتهم التاريخية ، وأنها تدرك  أن أمنها من أمن أمتها ، وأن كيانها واستقرارها مرتبط بالحفاظ على كيان هذه الأمة واستقرارها ، وأن الأمن القومي العربي كيان واحد لا يقبل التجزئة .

      وفي القمة العربية ردّد سيادة الرئيس / عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية ” تحيا الأمة العربية ” ثلاث مرات ، مما هزَّ مشاعر الحاضرين والمتابعين جميعًا ، وأرسل رسالة هامة للعالم كله مفادها أن هناك مولدًا وتاريخًا جديدًا لمجلس جامعة الدول العربية يشق طريقه وبقوة من شرم الشيخ نحو العالمية ، لتشهد الجامعة العربية بعدها روحًا جديدة تتهيّأ لتكوين القوة العربية المشتركة التي تهدف إلى صيانة أمن الأمة العربية وكرامتها وحماية أرضها وعرضها وترابها ومقدراتها ، وترد كيد الطامعين في خيراتها و المتربصين بها في نحورهم .

      وقد أشرتُ قبل انعقاد القمة إلى مدى الآمال والتطلعات التي تعلقها الشعوب العربية على هذه القمة ، وهى آمال عريضة واسعة ، وبصفتي مواطنًا ومثقفًا مصريًا وعربيًّا ومتابعًا جيدًا منذ سنوات طوال للشأن السياسي ،  والاقتصادي ، والثقافي ، والمجتمعي ، فإن الشعوب العربية لم تكن في العشرين سنة الماضية تعلق الكثير من الآمال على هذه القمم .

      لكن هذه المرة كانت الآمال عريضة والتوقعات كبيرة ، لأن الأعمال سبقت الأقوال والاجتماعات في حادثين هامين : أولهما : الضربة النوعية التي وجهتها قواتنا المسلحة المصرية الباسلة لتنظيم داعش الإرهابي بليبيا ثأرًا لذبح واحد وعشرين مصريًّا ، والأخرى عاصفة الحزم التي فاجأت الجميع .

      وقد ذكرني ذلك بموقفين تاريخيين عربيين عظيمين ، أحدهما لقائد كبير والآخر لفارس ملهم ، أما القائد العربي فهو هارون الرشيد ، حيث جاءه كتاب من نقفور ملك الروم يتهددهُ ويتوعده ، فأخذ هارون الكتاب وكتب على ظهره ” وصلنا كتابك والجواب ما ترى لا ما تسمع ” ، وبلا صراخ أو ضجيج أو سب أو وعيد جمع هارون قادة جيشه وأركان دولته وجهز جيشًا عظيمًا قاده بنفسه ، أرغم ملك الروم على النزول عند شروطه .

       أما الموقف الثاني فهو لذلك الفتى العربي الأبي أبى فراس الحمداني ، الذي وقع يومًا أسيرًا في أيدي الروم ، فقال له أحد قادتهم : يا أبا فراس أنتم معشر العرب أهل كلام لا علم لكم بالحرب ، فأنشا أبو فراس مخاطبًا إياه :

أتزعم يا ضخــــم اللغاديــــــد أننا               ونحن أسود الحرب لا نعرف الحربا

لقد جمعتنا الحرب من قبل هذه                 فكنا بهـــــــا أُسدًا وكنـــــــت بها كلبا

بأقلامنا أجرحت أم  بسيـــــــــوفنا              وأســــــد الشرى سقنا إليك أم الكتبا

          وقد أكد سيادة الرئيس في كلمته الختامية أن المحن تكشف عن المعادن الأصيلة لرجال هذه الأمة ، نقول : وفى مقدمتهم قادتها ، وعلى وجه الخصوص السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسى ، وخادم الحرمين الشريفين ،  وسمو أمير دولة الكويت ، وملك البحرين ، وقيادات دولة الإمارات العربية المتحدة ، الشيخ “خليفة بن زايد آل نهيان ” ، والشيخ ” محمد بن زايد آل نهيان ” ، والشيخ “محمد بن راشد آل مكتوم ” ، وغيرهم من القيادات العربية التي تولي العمل العربي المشترك أهمية وأولوية ،  وتنزله المحل والمستوى الذي ينبغي أن يكون فيه وعليه .

            لقد أكد الخبراء والمحللون أن هذه القمة وما سبقها في شرم الشيخ باتخاذ القرار التاريخي بانطلاق عاصفة الحزم ، إنما هو انطلاق نحو نظام عربي قادر على مواجهة التحديات واتخاذ القرارات المصيرية السيادية  دون استئذان أحد أو انتظار رأيه ، وبالأحرى إملاءاته المنبثقة عن مصالحه هو لا مصالح دولنا ولا منطقتنا ، وأن القوة العربية المشتركة التي ستدخل حيز التكوين قريبا بإذن الله تعالى ستكون قادرة على حماية أمننا القومي ، وإفشال مخططات تفتيت المنطقة ، وأي محاولة لتمزيقها وتحويلها إلى دويلات أو  مليشيات أو عصابات ، وأن الصف العربي سيتحد لصالح شعوب الأمة جميعًا ، مع التأكيد على أننا أمة مسالمة لا تعتدي ولا تظلم ،  وفى الوقت نفسه لا نقر الظلم ولا الضيم ، ولا نرضى بالخزي ولا الهوان ، فلأن نموت أعزاء خير من أن نعيش أذلاء وفى ذلك أقول :

من رامها سلما فتلك يد                    أو رامها حربًا فنحن رجالها

          وحسبنا قول الحق سبحانه وتعالى : ” وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” ، وقوله تعالى : “وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” .

أصدقاء النجاح

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

         تعلمت في حياتي ومن أساتذتي الكبار أن أنظر إلى النصف الممتلىء من الكوب , فكل إناء بما فيه ينضح , وكل نفس بما في داخلها تفيض , والنفوس الكبار لا تهفو أبدًا إلى الصغائر , وقد قالوا : ولا يقذف بالأحجار إلا الشجرة المثمرة ، ولا يقذفها إلا الصبية ، أما الرجال فيستحون , ولا يحوم اللص إلا حول البيوت العامرة فإن حام حول البيت الخرب كان سيد البلهاء .

وأذكر من واقع تجربتي الحياتية أنموذجين :

       الأول : مع أستاذي المرحوم أ.د/ محمد السعدي فرهود رئيس جامعة الأزهر الأسبق , حيث كنت أعد بعض الموضوعات حول خطورة الظلم والكذب والخيانة والغدر ونحو ذلك على الفرد والمجتمع , فقال لي : هلا تحدثت عن أهمية العدل والصدق والأمانة والوفاء , وجعلت التحذير من السلبيات ضمنيًا في هذا الإطار , لتحبب الناس في القيم الإسلامية بدلاً من التركيز على الوعيد والترهيب , وكان درسًا دعويًا إيجابيًا أفدت منه في كثير من مراحل حياتي .

        والموقف الثاني : حين طلب مني أحد السادة الإعلاميين أن يأخذ رأيي في إطار تحقيق حول بعض سلبيات إحدى المهن المحترمة , فأجبته بعدم إمكانية مشاركتي في ذلك إلا إذا تناول الإيجابيات أولاً أو مع السلبيات على أقل تقدير ؛ لأن قدري فيمن تعاملت معهم من أبناء هذه المهنة أوقعني في المخلصين الوطنيين منهم , وكان الرأي فيهم يميل وبشدة إلى الجانب الإيجابي , فقلت له : كيف أضع وجهي في وجه هؤلاء إن لم أنصفهم فيما يبذلون من جهد في خدمة وطنهم ومهنتهم وأنا أعلم عن بعضهم الخير الكثير ؟

        ومن هنا كان لزامًا ألا ننظر إلى الجانب الأسود فقط شأن أصحاب القلوب السوداء والنفوس المريضة الذين لا يرون غير السواد , وكما قال إيليا أبو ماضي في قصيدة ( فلسفة الحياة ) :

والــــذي نفســـــه بغـــير جمــــــــــال

لا يــرى في الوجــــــود شــــيئًا جمـيــــــلاً

       فكما أن هناك أعداء للنجاح , فهناك أصدقاء كثر , هم كل هؤلاء الوطنيين المخلصين الذين يؤثرون المصلحة العليا للوطن على أي مصلحة أخرى , هؤلاء هم من نسعد بهم , وهم من نستمد منهم بعد الله ( عز وجل ) العون والمساندة والنفس الطويل , ونتقوى بدعمهم ومساندتهم على مواجهة الشدائد والصعاب والتحديات , وفي مقدمتها مواجهة الإرهاب والإهمال والإفساد.

         وقد قال الرافعي في مقال رائع له عن الصداقة : إن الصديق الحق هو من إذا غاب لم تشعر أن أحدًا غاب عنك , وإنما تشعر أن جزءًا منك ليس فيك , فهو قطعة منك ، وهو كما قال الإمام الشافعي رحمه الله :

إن الصديق الحق من كان معك

ومــــن يضـــر نفســه لينفعــك

ومـن إذا ريب الزمــان صدعـــك

شتــت نفســه فيـك ليجمعك

      لا هؤلاء الذين يماسحك أحدهم كما يماسحك الثعبان ، ويراوغك كما يراوغك الثعلب ، ويقفز منك كما يقفز القنفذ ، فهم أشبه ما يكون بالذباب لا يقع إلا حيث يكون العسل ، ولا تجدهم إلا على أطراف مصائبك , أبواق كلام معسول لا غير  ، تسمع جعجعة ولا ترى منهم طحنًا .

      أصدقاء النجاح هم من تجمعهم أهداف عليا تسمو فوق المنافع العاجلة والآجلة إلى إيثار مصلحة الأديان والأوطان ، والعمل معًا للوصول إلى الغايات النبيلة التي تخدم الإنسانية بعيدًا عن كل ألوان الغش والخداع والحقد والنفاق والأنانية المقيتة والتربص بالآخرين أو الكيد لهم أو العمل على إقصائهم.

       ولا شك أن مصر بمعادنها النفيسة تفرز الكثير من الوطنيين المخلصين , وإلا لما استطعنا أن نتخلص من كوابيس الإرهاب والإرهابيين التي جثمت على صدورنا في مرحلة حكم الجماعة الإرهابية التي كان بعض عناصرها يرددون أنهم وصلوا إلى الحكم بعد ثمانين عامًا , ولن يتركوه قبل مائة عام على أقل تقدير  إن فكّروا في تداول السلطة ، ولكن الله عز وجل أراد بمصر وبالأمة العربية وبالإسلام والمسلمين خيرًا , فهيأ لمصر رجالا حكماء وقائدًا حكيما وجيشًا باسلاً , وهو ما نؤمل فيه وبه الخير الكثير في دحر ما بقى من جماعات إرهابية ليس في مصر فحسب وإنما في أمتنا العربية ومحيطنا الإقليمي , فمصر كما أكد السيد الرئيس في أكثر من مناسبة إنما تدفع ثمن مواجهة الإرهاب والإسهام الجاد في تحقيق الأمن والسلام العالمي .

       وبمناسبة انعقاد القمة العربية , وبما لمسنا في مؤتمر شرم الشيخ من روح عربية جديدة وثَّابة واعية مخلصة تدرك المخاطر التي تهددنا جميعًا , وتعي معنى المصير المشترك ، فإننا نقول : إن هؤلاء القادة الحكماء ليسوا أصدقاء النجاح فحسب ، إنما هم شركاء النجاح وصناعه معًا , كما نؤمل أن تنطلق هذه القمة العربية الاستثنائية بأرض السلام والتنمية بسيناء بنا جميعًا نحو آفاق واسعة في المجالات كلها بما يحقق الرخاء والتنمية لشعوبنا والأمن والأمان والسلام والخير الذي نحمله للعالم أجمع .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب :
القمة العربية آمال وتحديات

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن القمة العربية التي تعقد السبت 28 / 3 / 2015م بشرم الشيخ والتي يجري التحضير لها الآن على مستوى وزراء الخارجية هي قمة استثنائية بكل ما تعنيه وتحمله الكلمة من معان , نظرًا للتحديات التي تحيط بنا , والظروف المعقدة والمتشابكة التي تدور حولنا .

         والذي لا شك فيه أيضًا أن الوحدة سبيل القوة ، والفرقة والشتات سبيل الهزيمة والضعف ، يقول الله – عز وجل- في كتابه العزيز : ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ” (آل عمران : 103) ، ويقول سبحانه: ” وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” ( آل عمران: 105) ، ويقول سبحانه: ” وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ” (الأنفال :46) .

على أن وحدة الأمة العربية أصبحت مطلبًا شرعيًا وقوميًا ملحًا ، واجبًا وليس مندوبًا ، فهي مطلب قومي ؛ لأن دولنا مهددة في كيانها وأصل وجودها , ولا سبيل إلى مواجهة التحديات إلا بوحدة الصف وجمع الشمل والاتفاق على كلمة سواء .

 وقد تعلمنا في سني التعليم الأولي التي نعدها أهم مراحل التعليم قصة ذلك الشيخ الذي أعطى أبناءه حزمة من الحطب لكسرها , فلم يستطع أحد منهم فعل ذلك ، فلما فرقها آحادًا سهل عليهم كسرها وتحطيمها ، فقال لهم : يا أبنائي أنتم مثل حزمة الحطب لا تتكسر مجتمعة ، وإنما تهشم وتحطم متفرقة ، يقول الشاعر :

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا .:. وإذا افترقن تكسرت آحادا

ومن هنا نضع قضية التعليم وبخاصة المكون الديني والثقافي في جميع المراحل التعليمية تحت نظر قمتنا العربية بقيادتها الحكيمة ؛ لإعطائها المكانة والأولوية التي تستحقها ، ولا يقل عن ذلك أهمية قضية تجديد الخطاب الديني ، فإننا في حاجة ملحة إلى قراءة جديدة لبعض الاجتهادات التي ناسبت زمانها ومكانها وبيئتها ، وأصبح تغيّر الزمان والمكان والأحوال يحتاج إلى اجتهاد جديد في ضوء فهم المستجدات والحفاظ على الثوابت ، مؤكدين أن ذلك كله ليس ثورة على الدين , إنما هي ثورة للدين من أن تتخطفه أيدي العابثين وغير المتخصصين ، ومن ألفوا الجمود وتوقفوا عنده خارج الزمن مقسمين بأغلظ الأيمان أن باب الاجتهاد قد أُغلَق فلم يعد يفتح بعد ، متناسين أو متجاهلين أن الله – عز وجل- لم يخص بالعلم ولا بالفقه ولا بالاجتهاد قومًا دون قوم أو زمانًا دون زمان ، فقد فتح الإسلام باب الاجتهاد واسعًا في كل ما يحقق مصالح البلاد والعباد , مما يجعل وضع آلية عملية لتصحيح المفاهيم الخاطئة ، وإبراز الوجه الحضاري السمح للإسلام , والخروج من دائرة الجمود إلى دائرة الاجتهاد وإعمال العقل ، ضرورة وتحديا يحتاج إلى جهود وسياسيات هادفة تتحول به من مجرد التنظير إلى تطبيق عملي يلمس أثره على أرض الواقع داخليًا وخارجيًا .

وإنني لأؤكد أن أمتنا العربية بوحدتها وما تملك من موقع جغرافي ، وميزات وثروات طبيعية ، وطاقات بشرية ، وإرادة سياسية ، وقيادات حكيمة ، قادرة على أن تشكل رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه سواء في المحافل الدولية السياسية ، أم التكتلات الاقتصادية والشركات متعددة الجنسيات عابرة القارات , أم المؤسسات العلمية الثقافية والفكرية والمنظمات الحقوقية والمجتمعية ، شريطة أن تتحرك المؤسسات الوطنية والتنفيذية في إطار من التكامل والتنسيق يرقى إلى مستوى ما عليه قيادتنا الحكيمة , مع الإيمان والوعي الكامل بالمصير المشترك , والعمل معًا لصالح جميع دول الأمة وشعوب المنطقة , مع احترام خصوصيات الدول والشعوب والمجتمعات وعدم التدخل في شئونها الداخلية .

         ونقول لقادة الأمة الحكماء : إن الظروف مواتية , وإن الأمة كلها تعلق عليكم آمالاً واسعةً عريضةً , فبعد اللحمة العربية وبخاصة الخليجية المصرية التي تجلت في مؤتمر شرم الشيخ , وما حققه من نجاح باهر على المستوى العربي والإفريقي والإقليمي والعالمي صار الأمل في هذه القمة جد كبير , وإنكم أيها القادة الحكماء لقادرون بفضل الله عليكم , ثم بصدق نيتكم وتوجهكم ووعيكم السياسي وحسكم القومي على أن تكونوا عند مستوى طموحات أمتكم وشعوبكم , وعلى مستوى التحديات التي تواجهنا ، فامضوا على بركة الله ، وابذلوا أقصى ما في وسعكم للمِّ شمل الأمة وجمع كلمتها ، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية , وثقوا بالله واطمئنوا لوعده ، حيث يقول سبحانه : ” وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ” (آل عمران: 120) ، ويقول عز وجل : ” وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ” ( آل عمران :139) .

       واعلموا أنكم إنما تؤجرون بنياتكم ، ورب العزة (عز وجل) يقول في كتابه العزيز :” إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا ” (الأنفال :70) ، وإنه لقادر على تجميع القلوب والتأليف بينها , يقول سبحانه مخاطبًا نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” ( الأنفال : 63) ، ويقول سبحانه : ” وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ” ( يوسف :21) .