مقالات

عظمة الإسلام وواقع المسلمين

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

           الإسلام دين مكارم الأخلاق بكل ما تعنيه الكلمة من معان , تتجلى عظمته في أسمى معانيها في جوانبه الأخلاقية , فهو دين الرحمة , والعدل , والصدق , والأمانة , والعفاف , والوفاء , وكل القيم الإنسانية النبيلة , وقد لخص النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الهدف الأسمى لرسالته بقوله ( صلى الله عليه وسلم) : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” , ولما سُئل ( صلى الله عليه وسلم ) عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال عليه الصلاة والسلام : “تقوى الله وحسن الخلق” ( سنن الترمذي) , ويقول ( صلى الله عليه وسلم) : ” إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا ” ( سنن الترمذي ) .

             وتتجلى عظمة الإسلام أيضا في إنصافه الآخر والمختلف , وإيمانه بالتنوع الحضاري والثقافي , حيث يقول الحق سبحانه في كتابه العزيز ” وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ “( هود: 118-119) .

           وتعد وثيقة المدينة أفضل أنموذج في تاريخ البشرية لترسيخ فقه التعايش السلمي المشترك بين الأديان والأجناس والأعراق والقبائل , بما حملته من روح التسامح وإنصاف الآخر , وحريته في المعتقد, حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : ” لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ” (البقرة: 256) .

         فقد نصت هذه الوثيقة على أن : يهود بني عوف , ويهود بني النجار , ويهود بني الحارث , ويهود بني ساعدة , ويهود بني جشم , ويهود بني الأوس , ويهود بني ثعلبة , مع المؤمنين أمة , لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .. وأن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم , وأن بينهم النصر على من دهم يثرب , وأن من خرج منهم فهو آمن , ومن قعد بالمدينة فهو آمن , إلا من ظلم أو أثم , وأن الله ( عز وجل ) جار لمن بر واتقى , ومحمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .

             غير أن واقع كثير من الجماعات المنتسبة ظلمًا إلى الإسلام يعكس واقعا مرًا , فنرى القتل وسفك الدماء , والتدمير والتخريب , الذي يرتكب باسم الإسلام وتحت راية القرآن , والإسلام والقرآن من كل ذلك براء , وآخرها تلك الفعلة الإجرامية الشنعاء النكراء بحرق الطيار الأردني , تلك الفعلة الآثمة التي تعد وصمة عار في تاريخ وجبين الإنسانية , إضافة إلى ما نعانيه من عمليات إرهابية من قتل وتفجير , وتخريب وفساد وإفساد على يد تنظيم الإخوان الإرهابي والجماعات التي انبثقت عنه أو تعمل في موالاته .

         كما نرى تخلفًا عن مصاف الأمم المتقدمة في العمل والإنتاج على عكس ما يأمرنا به ديننا الحنيف , حيث يقول الحق سبحانه : ” هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ” ( الملك : 15) , ويقول سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ” (الجمعة:10) , وقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم) : ” إذا قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةً ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا ، فَلْيَغْرِسْهَا ” (رواه أحمد) , ويقول        – صلى الله عليه وسلم- : ” خيركم من يأكل من عمل يده ” (أخرجه البخاري) , ويقول عليه الصلاة والسلام : ” من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورًا له ” (أخرجه الطبراني) .

         كما نجد انحرافًا واضحًا لدى كثير من المنتسبين إلى الإسلام في مجال القيم والأخلاق , فبينما يأمرنا الإسلام بالصدق , والوفاء بالعهد, وأداء الأمانة , نجد واقع المسلمين غير ذلك , مما يتطلب جهدًا كبيرًا لتصحيح هذه الأخطاء , وإزالة التشوهات والنتوءات التي لحقت بالوجه الحضاري السمح لديننا الحنيف , وهو ما نؤمل أن يعالجه مؤتمرنا القادم للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية تحت عنوان ” عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه : طريق التصحيح ” في بحوثه وتوصياته , أو أن يسهم على أقل تقدير في تصحيح أخطاء هذه الجماعات , وإبراز الوجه الحقيقي لسماحة الإسلام وأوجه عظمته.

في مواكب الوطنية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

          لا شك أن وقفة السادة الأئمة التضامنية مع رجال الجيش والشرطة يوم الثلاثاء الماضي تشكل خطا فاصلا في تاريخ وزارة الأوقاف المصرية وأداء وعطاء أئمة الأوقاف في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ مصر , وبخاصة فيما يتصل بمواجهة الإرهاب والتحديات من جهة , والاستجابة لتوجيه السيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية بتجديد الخطاب الديني من جهة أخرى , في ظل تلك الموجات الإرهابية التي تعصف بمنطقتنا العربية , والتي بلغت أعلى درجاتها همجية ووحشية في تلك الصورة البشعة التي قام بها تنظيم داعش الإرهابي , عندما تجرد من كل المعاني الإنسانية فأقدم على حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًا , في صورة استفزت مشاعر العالم كله .

         وفي ظل ما تمارسه الجماعات الإرهابية التي تحاول العبث بأمننا القومي من خلال الاعتداء الممنهج على رجال القوات المسلحة ورجال الشرطة , وزرع القنابل والمتفجرات , وعمليات التفخيخ والقتل والتخريب وسفك الدماء , خرج السادة الأئمة ليعبروا عن وسطية الإسلام في وقفة مشرفة سيذكرها التاريخ بكل فخر , ويسطرها بحروف من نور في تاريخ أبناء الأزهر الشريف من أئمة الأوقاف الذين جاءوا ليرددوا في صوت واحد : كلنا للوطن , كلنا مع الجيش , كلنا جيش مصر , كلنا مع الشرطة , كلنا فداء لديننا ووطننا وأمتنا العربية , ويؤكدون على منهجهم الفكري الوسطي المعتدل : نعم للوسطية , نعم للتسامح , لا للتطرف, لا للإرهاب , لا للجمود , نعم لتجديد وتصويب الخطاب الديني .

          ولم يقف عطاء المشاركين في هذه الوقفة عند ذلك , إنما أعلنوا عن تبرعهم بيوم من راتبهم لصالح صندوق رعاية مصابي الجيش والشرطة , وعن إطلاق اسم شهيد من شهداء الجيش , وآخر من شهداء الشرطة على مسجدين من المساجد الكبرى بكل محافظة , بناء على ترشيح وزارة الدفاع لأسماء شهدائها ووزارة الداخلية لأسماء شهدائها , تقديرًا وعرفانًا لما قدمه هؤلاء الأبطال في الذود عن الوطن والأرض والعرض وكرامة مصر وأمنها بل وأمن أمتها العربية .

        وشئ آخر يحسب للسادة الأئمة , ويعد أنموذجًا حضاريا راقيا هو طريقة الوقفة التي تمت في إطار القانون وبموافقة رسمية , وكانت لمدة ساعة واحدة بدأت في الساعة الثانية عشرة والنصف وانتهت في الساعة الواحدة والنصف بالدقيقة دون أن تقطع طريقًا أو تعوق سيرًا , وقد ترك الأئمة المكان أفضل وأنظف مما كان في روح حضارية راقية .

          يضاف إلى ذلك استعادة الأوقاف للخطاب الديني الذي اختطفته الجماعات الظلامية والإرهابية والمتشددة في السنوات والعقود الماضية , وانحرفت به عن الجادة , فاستطاعت الوزارة أن تسترد مساجدها , وأن تنأى بها عن التوظيف الحزبي والشخصي , لتعمل على ترسيخ القيم والأخلاق , والولاء للوطن , وفقه التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد في ضوء التسامح الديني والأخلاقي الذي تؤصله وتؤكده الأديان كلها , مع العمل على دفع عجلة الإنتاج إلى الأمام , رغبة في البناء والتعمير في مواجهة الهدم والتخريب .

           وتفاعلا مع مبادرة صحيفة الأهرام التي أطلقتها صفحة الفكر الديني يوم الأربعاء        الماضي بشأن حاجة العشوائيات إلى القوافل الدعوية , كانت الاستجابة السريعة بإعلان القطاع الديني تسيير قوافل متتابعة للمناطق العشوائية , حيث تنطلق اليوم قافلة الأوقاف الدعوية بمنطقتي : عزبة خيرالله , وعزبة أبي قرن بمصر القديمة بالقاهرة , ويجرى التنسيق مع وزارة التموين لأن تكون هناك قوافل تموينية لبيع المنتجات بأسعار مخفضة بالتوازي مع القوافل الدعوية , كما يجرى التنسيق مع الجهات المعنية لكي تقوم وزارة الأوقاف بالإسهام في بعض الجوانب التنموية وتطوير العشوائيات .

         وفي موكب الوطنية أيضا أشير إلى أن أئمة الأوقاف أثبتوا أنهم قادرون على اقتحام الصعاب في الأسابيع القليلة الماضية , حيث انتشروا في المناطق التي شهدت أحداثا للجماعات المتشددة , وتلك المناطق التي كان يقال إنها معاقل لهم , فانتشر أكثر من مائة إمام في مناطق ” المطرية” , و” المرج ” , و”عين شمس ” بالقاهرة , ونحو ستين إمامًا بمناطق ” كرداسة ” , و” ناهيا ” بالجيزة , وأكثر من عشرين إمامًا بقرية ” دلجا ” محافظة المنيا , إضافة إلى استمرار السيطرة على المساجد التي كانت تعد حصونا لبعض الجماعات والجمعيات , ” كأسد بن الفرات ” بالدقي , و ” القائد إبراهيم” بالإسكندرية , و “العزيز بالله” بالزيتون , وغير ذلك من المساجد , فلم يعد مسجد منها بمنأى عن يد الأوقاف .

          وكان هذا الانتشار مقصودًا لذاته , للتأكيد على بسط سيطرة الأوقاف على المساجد من جهة , وعلى بسط الدولة لسيطرتها على كل شبر من أرض الوطن من جهة أخرى , فلا توجد منطقة واحدة خارج سيطرة الدولة , وإلا فكيف يمكن لأئمة الأوقاف دخولها ؟ .

          كما أن الأئمة أرادوا أن يرسلوا للعالم كله رسالة واضحة هي أنهم على وعي بأن القيادة السياسية حريصة على نشر الفكر الإسلامي الوسطي الصحيح , ومن هنا كان إيمانهم بها والتفافهم حولها في ضوء ما يخدم مصالح الدين والوطن والبلاد والعباد .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار :
تكسير الأصنام
وتحطيم التابوهات

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       بعد تفكير كبير في المعادل اللغوي والموضوعي للفكرة التي كانت تختلج في صدري وتدور في خلدي, ومن خلال استخدام نظريات الاستبدال والحقول الدلالية , وعبر توجيه للسيد رئيس مجلس الوزراء المهندس إبراهيم محلب مثّل محورًا هامًا وفكرة رئيسة في الموضوع الذي أكتبه, وهي عدم قهر الموظف الكبير للموظف الصغير أوالأصغر, وضرورة تقليص الفوارق الوظيفية وإفساح المجال أمام الإبداع والمبدعين في شتى المجالات, لأن وطننا لا يمكن أن يتقدم في ظل أي لون من ألوان القهر ، من خلال ذلك كله كان اختيار هذا العنوان كمعادل لغوي وموضوعي للفكرة .

      وإذا كانت القيادة السياسية متمثلة في رأسها الأعلى السيد رئيس الجمهورية والقيادة التنفيذية متمثلة في رئيسها السيد رئيس الوزراء تعمل على إزاحة أي لون من ألوان القهر ، فإن ذلك يعد أمرًا مشجعًا لجميع السلطات للسير في هذا الاتجاه بقوة .

       أما المغزى الدلالي الأهم لاختيار العنوان فهو أن هذه الأصنام التي ينظر إليها في عصرنا الحديث النظرة التي تستحقها من أنها لا تنفع ولا تضر, فكما قال رب العزة في كتابه العزيز : ” قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ” (الشعراء :73) , وإذا كانوا لا يسمعون أصلا فكيف يتصور ممن لا يسمع أن يعي أو يرد ، فضلا عن أن ينفع أو يضر , فقد كانت هذه الأصنام يومًا ما محوطة بهالة من التبجيل والقداسة التي جعلت لها سيطرة نفسية وذهنية على عابديها والمتوسلين بها لدرجة عطلت عقول هؤلاء المقدسين لها ، كهذا الذي كان يصنع الصنم بيده فما أن ينتهي من صناعته حتى يتحول إلى عابد له , أو كهذا الذي صنع صنمًا من عجينة التمر فعبده , ثم جاع فأكله , ثم صنع غيره ، وأخيرا ثاب الرجل إلى رشده بعد أن أدرك عجز هذه الأصنام حتى في الدفاع عن نفسها .

        إن فكرة تكسير الأصنام أو تحطيم التابوهات تهدف في أساسها إلى نسف تأليه البشر , أو محاولة جعل بعضهم أنصاف آلهة , أو رفع تقديسهم إلى درجة الأنبياء ، ووجوب السمع والطاعة المطلقين دون مناقشة أو إعمال العقل .

         والخطورة الأكبر في هذه النظرية ربما لا تكون في بعض القيادات سياسية كانت أم تنفيذية أم دينية, إنما تكمن في بعض المحيطين ببعض أصحاب الجاه والنفوذ المستفيدين من جاههم أو نفوذهم , فهم يصنعون هذه الهالة ليس لصالح الشخص المراد تبجيله إنما لمصالحهم هم واستفاداتهم الخاصة من هذه الهالة التي يصنعونها حول الشخص الذي يفيدون من جاهه ، وفي سبيل ذلك يحاولون بكل السبل الحيلولة بينه وبين الناس, ليكون هم الواسطة الوحيدة بينه وبينهم .

        وإذا كان سيدنا عمر بن الخطاب قد كتب إلى عمرو بن العاص يقول له : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا, وكان ذلك شأن القيادة العليا, فإن أحد الشعراء دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز فأنشده :

إن كنت تحفظ ما يليــك فإنمــــا

 عمـــال أرضـــك بالبـــلاد ذئـــاب

لن يستجيبوا للـــذي تدعـــو لـــه

 حتــــى تجلَّـد بالسيــوف رقــــــاب

         إن علاج ذلك إنما يكون بحركة المسئول الذاتية الدائبة بين الناس ، وعدم غلق أبوابه دونهم , فينبغي أن يكون بينهم, وأن يشعر أنه بهم, وأن من يحاولون غير ذلك إنما يعزلونه عن الواقع ، وأن يدرك كل مسئول الفرق الواضح بين آلية العمل الإداري وضرورة مراعاة تسلسله القيادي وبين الجوانب الإنسانية , فهناك من تطغى جوانبه الإنسانية على العمل فتأتي على حسابه سواء على حساب إتقانه أم على حساب إنجازه ، وهناك من تطغى جوانبه الإدارية على إنسانية فيبدو فظا غليظًا كريها غير مقبول ، فبين المهني والإنساني خيط جد دقيق , فينبغي أن نضع الإنساني في موضعه والمهني في موضعه ، ففرق كبير بين من تكسب قلبه وحبه ومن تحمله على العمل خوفا وكرها ، فالأول يعمل بهمة ونشاط في حضورك وغيبتك ، والثاني قد يعمل بهمة في حضورك ، غير أنه إن استطاع أن يقصم ظهرك في غيبتك أو أن يفسد ما قام به في حضورك لم يتورع ، ولا يظهر لعمله روح ولا طابع مميز ، بخلاف من يحب عمله وزملاءه وقياداته ، فيعطي من روحه ودمه وفكره وعقله قبل جهده وعرقه .

      ومن أهم الأصنام والتابوهات التي ينبغي أن تحطم تلك التابوهات التي تصنعها الجماعات الإرهابية ، حيث تعمل على صنع هالة وهمية من التقديس حول قياداتها وكتبها ومؤلفاتها ، وأقوال وآراء زعمائها وأمرائها، ليسلم أتباعها قيادهم سلسًا دون تفكير أو إعمال للعقل ، بحيث يصبح مجرد التفكير فيما يلقى إليهم من اوامر وتعليمات واحدا من المحرمات واعتداء على المقدس لديهم يجعل من هذا الذي أعمل عقله خارجًا على الجماعة يستحق اللوم والعقاب ، وربما استتابته أو استباحة دمه .

     إن الجماعات الظلامية تريد أن تتخذ من تأصيل الطاعة الشرعية العمياء لدى أعضائها والمنتسبين إليها وسيلة ومدخلا للطاعة التنظيمية العمياء ، بحيث يصبح الخروج على أي منهما كفرا صراحا أو ردة تستوجب الحد أو قطع العنق وإراقة الدم ، على أن الأديان جميعها ، والقيم والأخلاق ، والحضارة الإنسانية براء من كل هذا الجهل والزيف والضلال .

السلطة والثروة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

          تتخذ العلاقة بين السلطة والثروة أشكالا عديدة يعبر عن بعضها بالتزاوج ، وعن بعضها بالصراع ، وعن بعضها بالتعايش ، وعن بعضها بالتفاهم ، وعن بعضها بالتكامل ، وأشد هذه الأشكال حساسية هو ما يعبر عنه بالتزاوج بين الثروة والسلطة ، وهو ما يعني أن أهل الثروة هم أصل السلطة ، أو أن أهل الثروة يتخذون من ثرواتهم مطية للوصول إلى السلطة ثم العمل على توظيف السلطة لمزيد من الثروة ، دون أن يلتفت هؤلاء ولا أولئك إلى أن هناك أناسا مطحونين لا يجدون ما يسد جوعهم أو يستر عورتهم ، متناسين أن تجاهل هؤلاء ينذر بمخاطر لا حد لها عندما تضيق الدنيا وتسودُّ في وجوه هؤلاء المطحونين ، يقول الشاعر العراقي محمد مهدي الجوهري المعروف بمتنبي القرن العشرين :

وما أنا بالهيَّــــابِ ثــــورةَ طامــــــعٍ

ولكنْ جِمــاعُ الأمرِ ثـــــــــورةُ ناقـــــم

فما الجوعُ بالأمرِ اليسيرِ احتمالُـهُ

ولا الظُلْمُ بالمرعى الهنيءِ لِطاعِــــــم

نَذيرَكَ مِن شعب أُطيـلَ امتهانُــــه

وإنْ باتَ في شكلِ الضَّعيفِ المسالــم

ألا إنَّ شعبــــاً لا يكــــونُ رفاهُــــهُ

مُشاعـــــاً علــــى أفـــــرادهِ غيرُ دائـــــم

      ومع أن الإسلام لم ينكر على أهل الفضل فضلهم ولا على أهل الثراء ثراءهم ماداموا  قد اكتسبوه من طرق حلال ، بل أكد أن اليد العليا –المتصدقة – خير من اليد السفلى  – الآخذة ، وحث على العمل والإنتاج ، وحذر من الزهد الكاذب ، فقد سأل أحد الناس الإمام أحمد بن حنبل : أيكون الرجل زاهدًا وعنده ألف دينار ، فقال الإمام أحمد : نعم  إذا كان لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ، فالدنيا في يده وليست في قلبه ، وقال أحدهم  : ليس الزاهد من لا مال عنده ، إنما الزاهد من لم تشغل الدنيا قلبه ولو ملك مثل ما ملك قارون .

       بل إن الإسلام قد حافظ على أموال الأغنياء وحماها بسلسلة من التشريعات ، فشرع حد السرقة لأخذ المال خفية ، وحد الحرابة لمن يأخذه عنوة ، وشرع الحجر للحفاظ على مال السفيه ومن لا يحسن التصرف ، ونهى عن الاعتداء على أموال الناس وأكلها بالباطل ، فقال سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً “.

      وفي مقابل هذه الحماية لأموالهم افترض عليهم زكاة تُؤخذ من غنيهم فترد في فقيرهم ، ودعاهم إلى البر والصدقة ، والقرض الحسن ، وإنظار المعسر أو إبرائه ، وإلى الإيثار والجود والكرم ، وحذَّر من عاقبة الشح والبخل ، فقال الحق سبحانه وتعالى : “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” ، ويقول سبحانه : ” هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ” .

       إن المال الحرام له صور متعددة من أكثرها سوءًا وخطورة ما نسميه المال القاتل والمال القذر ، هذا المال الذي يستخدم سواء من قبل بعض الأفراد أو الجماعات أو الدول في تمويل العمليات والجماعات الإرهابية ، فبه تسفك دماء الآدميين وتغتال أحلامهم ، وبه تدمر المنشآت والممتلكات وتخرب ، به تحرق الجامعات ، وبه تقطع الطرق ، وبه تشترى النفوس العميلة والخائنة والضعيفة ، وبه تجلب المخدرات، وبه تدمر العقول ، وبه تشترى أصوات الضعفاء في الانتخابات ، وبه تباع الذمم ، وبه يزوّر التاريخ، وبه تزيف الحقائق ، وبه يقدم الخامل ، وبه يؤخر المقدم ويقدم المؤخر .

      لقد لعب سلاح المال وظل يلعب وسيظل يلعب دورا مؤثرا في شراء أصحاب النفوس الضعيفة ممن لا دين لهم ولا خلق ، ونؤكد أن هؤلاء المارقين الذين يبيعون ذممهم وأنفسهم للشيطان بحفنة من هذا المال القذر شديد القذارة يمكن أن يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ويمكن أن يعيثوا في الأرض تخريبًا وفسادًا ، ويمكن يكذبوا ، وأن يشهروا بالبريء ، وأن يشهدوا زورًا ، وأن يهدموا البنيان الشامخ ، بلا وازع أو ناه من دين أو ضمير إنساني حي  .

     على أنني أسوي في وصف المال القذر بين معطيه الذي يوجهه للفساد والإفساد ، والقتل والتدمير وسفك الدماء ، وشراء الذمم ، وقلب الحقائق ، وبين من يأخذه تحت أي مسمى كان ، حتى لو كان مسمى الحاجة .

       أما المال الحلال الذي قال فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” نعم المال الصالح للرجل الصالح ” (المستدرك على الصحيحين) ، فهو المال الذي تبنى به الأوطان ، وتعمر به الأكوان ، وتقضى حوائج المحتاجين.