مقالات

شباب الأئمة أمل قادم

 Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

       لقد عنى الإسلام بالشباب عناية خاصة , فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه” (متفق عليه)  ، فقد جعل الحديث الشاب المستقيم إيمانياً وأخلاقياً فى المرتبة التالية لمرتبة الإمام العادل .

      وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعـن ماله من أين أكتسبه وفيـم أنفقه وما عمـل فيما علم ” (رواه مسلم ) ، فمع أن الشباب هو مرحلة من جملة مراحل العمر إلا أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) خصه بالذكر لأهمية هذه المرحلة العمرية وكأنها عمر قائم بذاته , لأنها لباب العمر .

      ولا شك أن الدولة تعى فى هذه المرحلة أكثر من أى وقت مضى دور الشباب فى بناء الأوطان , وقد أردنا فى وزارتى الأوقاف والشباب أن نأخذ جانباً من زمام المبادرة معاً , من خلال اللقاءات والمنتديات المشتركة .

      ويأتى عقد الملتقى الفكرى لشباب الأئمة غداً السبت 15 / 11 / 2014م , ليؤكد أنهم جاهزون لخدمة دينهم ووطنهم , وأنهم مؤهلون للمهمة بل للمهام المنوطة بهم دعوياً ووطنياً , وأنهم يقفون صفاً واحداً فى مواجهة الإرهاب والإهمال والتحديات , وأنهم سيقفون بالمرصاد لكل من يحاولون المخادعة أو المتاجرة بالدين أو استغلال عاطفة التدين لدى أبناء الشعب المصرى لتحقيق مآرب انتخابية أو حزبية , فقد عانى هذا الشعب أشد المعاناة من محاولات الاعتداء على قدسية المساجد بما كاد  يخرجها عن رسالتها الإيمانية الأخلاقية التعبدية إلى خدمة مصالح بعض الأحزاب أو الجماعات أو الجمعيات , وصارت أيامها الخطابة مهنة ً من لا مهنةً له , والتكسب من خلال تبرعات المساجد وظيفة من لا وظيفة له , مما انعكس سلباً على صورة الدعوة والدعاة , وها هم شباب الأئمة الشرفاء يعلنون بوضوح أن هذا الزمن قد ولى إلى غير رجعة , وأنهم لن يرهبهم بعد اليوم مكر الماكرين أو خداعهم أو تهديدهم بالقول أو بالفعل , وأنهم سيقفون من اليوم صفاً واحداً فى وجه أى محاولة للاعتداء على قدسية المساجد أو كرامة الإمام .

        ها هم يجتمعون ليعبروا عن تمسكهم بسماحة الإسلام , بمنهجه الوسطى , بأزهريتهم , بانتمائهم لوطنهم ، و لأزهرهم الشريف ، ولوزارتهم ورسالتهم , مؤكدين أن الإسلام يرفض كل ألوان التشدد والتطرف والغلو ودعوات التكفير التى تسلم إلى التفجير , مبينين للناس جميعاً أن الإسلام قائم على اليسر , وعلى السماحة , وعلى رفع الحرج والمشقة والعنت , وأن الفقه هو التيسير بدليل , إذ لم يقل أحد من أهل العلم أو الفقه إن الدين قائم على التشدد قط , يقول الحق سبحانه وتعالى مخاطباً نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ” (آل عمران :159) . ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم : “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ” ، ويقول عليه الصلاة والسلام : “إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيء إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ” .

         يجتمع الأئمة غداً ليؤكدوا أنهم غير غائبين عن المشهد ولا غافلين عنه , إنما هم فى قلب الحدث فى حدود مهامهم الدعوية الوطنية , بعيداً عن الصخب , لا يبغون جزاء ولا شكوراً سوى مصلحة دينهم ووطنهم والوفاء بحق الأمانة التى حملوها ، ويعلنون عن ملتقى جديد يسعى للاندماج أكثر بالمجتمع , ومعايشة مشكلات الناس والإسهام فى حلها , تلك الوظيفة التى كان يؤديها المسجد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , والتى عشناها واقعاً ملموساً فى حياتنا عندما كان إمام المسجد يقوم بدور المصلح بين الناس , والعمل على تحقيق التكافل بينهم , بالإسهام فى قضاء حوائجهم : من بناء المساجد والمدارس والمستشفيات وصيانتها , والسعى فى مصالح القرية أو المدينة أو الحى الذى يعمل فى نطاقه, كان ملجأ للفقراء والمحتاجين وأصحاب الحوائج ، يسعى فى قضائها كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو ما نسعى إليه ونريده واقعا ملموسا في الغد القريب إن شاء الله تعالى .

إرهاب الإهمال

 Mokhtar_8

      هذا المصطلح يمكن أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله ، فيكون الإهمال هو الخطر الداهم الذي يرهب الناس نفسيا ومعنويا ، بل إنه يتجاوز هذا الرعب النفسي إلى إراقة دمائهم وضياع أموالهم وممتلكاتهم وربما أعراضهم .

      ويمكن بالجد والعمل والقانون أن نحول الفاعل إلى مفعول به ، بأن يكون المصطلح من باب إضافة المصدر إلى مفعوله ، فنضع من القوانين الحاسمة ما نرهب به المهملين ، ونضطرهم اضطرارا إلى الخروج من عباءة الإهمال والتسيب إلى منطقة اليقظة والانتباه .

      ولو أننا تمسكنا بحديث نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ” (البخاري) ، فالرجل راع في بيته وفي أهله ومسئول عن رعيته ، والمعلم راع في طلابه ومسئول عن رعيته ، ومدير المدرسة راع في مدرسته ومسئول عن رعيته ، ومدير الإدارة ، فالمديرية ، فالقطاع ، كل هؤلاء رعاة ومسئولون عن رعاياهم ، في مجال التربية والتعليم ، والصحة ، والنظافة ، والبيئة ، والزراعة ، وسائر مجالات الحياة ، لو تمسكنا بذلك لتحول الإهمال إلى إنجاز .

       وكما أننا نطلب تضافر جهود كل المؤسسات الوطنية ، وسن القوانين الرادعة اللازمة لمواجهة الإرهاب ، فإننا نطلب الأمر نفسه وبحسم أشد لمقاومة الإهمال وردع المهملين ، فلو أننا قدرنا للنفس البشرية حرمتها ، وفهمنا ما تتطلبه هذه الحرمة ما سفكنا دما ولا اعتدينا عليه لا إهمالا ولا إرهابا ، ولو أننا علمنا أن المال مال الله ، وأن المال العام والخاص كليهما يجب الحفاظ عليه وصيانته ، وأنه أمانة في يد من يقوم عليه أو يصلحه أو يستخدمه أو يستثمره، وأننا مسئولون عن هذا المال ، وأنه لن تزول قدم عبد عن الصراط حتى يُسأل عنه لحافظنا عليه سواء أكان لنا أم لغيرنا ، وإذا كنا بحكم الشرع منهيين عن الإسراف والتبذير ، وقد وصف الله ( عز وجل ) المبذرين بأنهم إخوان الشياطين ، فقال سبحانه : ” إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ” (الإسراء : 27)، فمن باب أولى أن نبتعد عن التسيب والإهمال ، لأن العقاب فيهم أشد ، وقد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن قيل وقال وإضاعة المال ، أي إضاعته في غير حقه إسرافا وتبذيرا أو تسيبا وإهمالا .

      إننا نحتاج إلى تغيير ثقافة اللامبالاة ، سواء أكان ذلك بالتوعية وتحريك الوازع الديني والحس الوطني ، أم بسن القوانين الرادعة وتغليظ العقوبات بما يحقق الردع لكل من يفسد في الأرض ، فالإهمال فساد وقد يترتب عليه إفساد ” وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ” (البقرة : 205) .

      وقد تكون هناك مظاهر يراها البعض يسيرة لكن في الواقع ذات بال ، وقد تسبب خطرًا داهمًا أو حادثًا جسيمًا ، فترك إضاءات الطرق التي كثيرا ما نراها في وضح النهار إهمال وإهدار للطاقة التي نحن أحوج ما نكون إليها ، وهي إهدار لمالٍ المجتمع في حاجة ماسة إليه .

      كما أن الإسراف في الماء وترك تطهير المجاري المائية وعدم الالتفات إليها أو الانشغال عنها إهدار للثروة المائية ، وعدم الاهتمام بإصلاح أمور قد يكون إصلاحها يسيرًا وخطرها جسيمًا كأسلاك كهرباء غير محمية ، أو بيارات للصرف الصحي غير مغطاة ، أو عدم الاهتمام بما يجب القيام به تجاه مداومة الصيانة لإطارات السيارات أو فراملها ، أو مرايات الجانبين أو المرآة الأمامية إذ لا تغني واحدة منها عن غيرها ، أو ترك زجاج السيارة مشروخًا ، أو عدم اتخاذ وسائل الأمان الكافية في الآلات والصناعات ، كل ذلك قد يشكل خطرًا جسيمًا يمكن أن نتفاداه لو تخلصنا من التسيب والإهمال واللامبالاة .

       وأشد ألوان الإهمال هو أن يغفل الإنسان عن المسئولية التي ولاه الله إليها ، فتحملها أمام الله والوطن ، فلم تعد المناصب القيادية والإدارية نزهة في وطن ومجتمع لا يمتلك الرفاهية لا في الوقت ولا في المال ، بل إن هذه الولايات أمانة ، وستكون يوم القيامة خزيًا وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها .

        ويضاعف من أثر الإهمال ما ابتلينا به من ويلات المخدرات والمسكرات التي غيبت العقول ، وأنهكت الأجساد ، وأورثت لونا من الضعف والهذيان واللامبالاة ، فالمخدرات أم الخبائث ، لأن الإنسان إذا غاب عقله أو غُيّب ، وأدمن هذا الداء ، فإنه يبحث عن المال لشرائه بأي طريقة كانت حتى لو اعتدى على أقرب الناس إليه لدرجة تصل في بعض الأحيان إلى القتل ، وقد نشرت بعض الصحف والمواقع قصة ذلك الذئب البشري الذي حاول انتهاك عرض أمه العجوز لغياب عقله .

        إن هذا الخطر الداهم يتطلب وقوف المجتمع كله بحسم في مواجهة لا هوادة فيها في وجه الإهمال والمهملين ، وتجار المخدرات من أصغر موزع إلى أكبر فاسق مورد مخاطر بعقول أبنائنا ومستقبل وطننا ، على أن تؤدي المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية والإعلامية دورها في ذلك على الوجه الأكمل جنبا إلى جنب مع الجهات الأمنية والشرطية والرقابية والقضائية ، وأن ندرك أن من فقد عقله صار خطرًا على النفس ، وخطرًا على العرض ، وخطرًا على المال ، وأن الطبيب قد يضطر إلى بتر جزء أو عضو من الجسد حفاظًا على سلامة الجسد نفسه، وأن الإنسان قد يقسو على بعض أبنائه مع حبه لهم حفاظًا على بنائهم وتماسكهم وتكوينهم تكوينا صحيحا ، يقول الشاعر  العربي :

وقسا ليزدجروا ومن يك حازما                          فليقس أحيانا على من يرحم

      فحق الوطن وحق المجتمع في أن يكون آمنا فوق كل اعتبار ، على أن هذا الأمن الذي ننشده لن يكون لطرف دون طرف ، إنما هو للمجتمع كله ، فلو حرص كل شخص على توفير الأمن للمجتمع فهناك آلاف بل ملايين سيوفرون له الأمن ، ولو عمل لصالح المجتمع فهناك ملايين يعملون لصالحه ، ولو أهمل هو وأهمل غيره في حقه لصار الإهمال طاقة مدمرة للجميع ، وقديما قالوا : عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ، وقالوا : افعل ما شئت كما تدين تدان ، على أن من لا يعرف مصلحة نفسه ينبغي على المجتمع أن يرده إلى عقله وصوابه ، فإن الله (عز وجل) ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .

الخطاب الديني المفترى عليه

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

     لا ينكر أحد أن الخطاب الديني الصحيح أحد أهم عوامل تحقيق استقرار المجتمعات والإسهام في أمنها وأمانها .

     فبالخطاب الديني الصحيح يتحقق العيش السلمي المشترك بين البشر ، وبه تتحقق العدالة والمساواة والحرية المنضبطة لا المنفلتة ، وبه يتحقق الأمن النفسي ، وبه تنضبط علاقات البشر فيما بينهم ، وبه تترسخ القيم الأخلاقية والإنسانية ، من الرحمة ، والتسامح ، والتكافل ، والتعاون ، والصدق ، والوفاء ، والأمانة ، وبه تحفظ الدماء والأعراض والأموال والحرمات ، وبه يتحقق الجمال والنظافة والتحضر والرقي ، وبه تسير عجلة العمل والإنتاج وعمارة الكون في طريقها الصحيح ، فحيث تكون المصلحة فثمة شرع الله ، وتلك الأصول الراسخة أجمعت عليها الشرائع السماوية كلها ، لم تختلف في أي ملة منها ، يقول الحق سبحانه : “قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” ( الأنعام : 151-153) ، حيث يعلق سيدنا عبد الله بن عباس على هذه الآيات بقوله: تلك آيات محكمات أجمعت عليها الشرائع السماوية ، ولم تنسخ في واحدة منها .

      وباختطاف المنتفعين من تجار الدين وطلاب السلطة للخطاب الديني ، ومحاولة توظيفه لمصالح حزبية أو شخصية أو طائفية ، حدث التشكيك في نوايا وضمائر الناس ، ثم تكفيرهم ، ثم الاعتداء على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، ورأينا ما لا قبل للبشرية السوية به من قطع رءوس الأطفال والكبار ، وانتهاك أعراض نساء مسلمات وغير مسلمات تحت مسميات ومبررات ما أُنزل بها من سلطان ، والأدهى والأمرّ أن ترتكب هذه المجازر الوحشية والأفعال غير الآدمية ولا السوية ، باسم الدين ، وباسم الإسلام ، وتحت راية القرآن ، والإسلام والقرآن من كل ذلك براء ، ولم نر حمية للدين ولا الوطن ممن كانوا يزعمون أنهم حماة الدين بالأمس عبر بعض الفضائيات ، وكأن ذلك قد وافق هوى لديهم ، لم نجد بيانًا واحدًا يشفي غليلا ، ولا مؤتمرًا حاشدًا يرسل إشارة إيجابية مطمئنة منكرة أو مستنكرة لهذا العبث الذي يحدث باسم الإسلام ، اللهم إلا تلك المحاولات الجادة التي يحاولها فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ، وتقوم وزارة الأوقاف بتطبيقها على أرض الواقع ، وهي جهود وإن بدت للبعض غير منظورة ، وإن كانت تحتاج مواصلة الليل بالنهار ، فما لا يدرك كله لا يترك كله ، والدعوة كالطفل أو النبات تنمو نموًا غير ملحوظ لكنها في النهاية إن كُتب لها التوفيق تنتج رجلا أو ثمرًا يراه الناس رأي العين ، ويفيدون منه إفادة واضحة ملموسة .

      غير أن الخطاب الديني في العقود والسنوات الأخيرة قد صار كلأ مباحًا ونهبا لغير المؤهلين وغير المتخصصين، ومطية للمنتفعين وتجار الدين ، ولم يكن في وسع المؤسسات الرسمية آنذاك أن تتحرك الحركة الكافية لكبح جماح هؤلاء المنتفعين والمتسلقين حتى استفحل الداء وصار عضالا ، وأصبح استئصال الورم الخبيث في جسم الخطاب الديني يحتاج إلى جراحة عاجلة وسريعة على أيدي أمهر الأطباء في جراحة مثل هذه الأورام ، وبدأت محاولات جادة وحاسمة ، غير أن داء آخر قد دخل على الداء الأول فأصبح الداء داءين نتيجة عدم وضع الأمور في نصابها ، وذلك عندما حاول غير المتخصصين في مثل هذه الجراحات الافتراء على المتخصصين فيها ، وأخذ أماكنهم ، ومحاولة النيل منهم ، فتداخلت الأمور لدى بعض الناس وارتبكت ، على أنها – وينبغي أن تكون – أوضح من الشمس في رابعة النهار ، كما أن ذهاب البعض إلى الطرف الآخر من المعادلة وهو طرف التسيب والانحلال ، والخلط السيئ بين مواجهة التطرف والتدين لدى غير المؤهلين لمعالجة قضايا الخطاب الديني قد زاد من إرباك المشهد ، وأمد المتطرفين والمتشددين بحجج ما كان لهم أن يفتنوا بها عقول الشباب لو أن الحكمة والتخصص وعقلانية المعالجة تُركت إلى أهل العلم الحقيقيين .

       وفي ذلك أؤكد أن الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية على الرغم من أنهما يحملان حملا ثقيلا من تركات مضت إلا أنهما هما المؤهلان لقيادة الفكر الوسطي بلا إفراط أو تفريط ، وأستطيع أن أقول وباطمئنان : إنه لا توجد جهة في العالم كله يمكن أن تقوم في مواجهة الإرهاب الفكري ورفع الدعم والغطاء الأدبي والمعنوي عنه ، ونشر سماحة الإسلام داخل مصر وخارجها بمعشار ما يقوم به الأزهر الشريف والأوقاف المصرية في ذلك .

الدعم بين مستحقيه وآكليه

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الاوقاف

 

     الدعم في أساسه لون من التكافل الاجتماعي يهدف إلى حماية الطبقات الأكثر فقرًا والأشد احتياجًا ، والعدالة ليست مجرد شعارات ترفع ، ولا خطب رنانة أو أقوال مأثورة ، إنما هي سلوك وتطبيق ، ويأتي في مقدمة أنواعها العدالة الاجتماعية بكل ما تعنيه من تكافل وتراحم .

      إن العدالة تقتضي أن نقف بالمرصاد لكل معتد على المال العام الذي هو ملك للمواطنين جميعًا ، وأن نتصدى لمن يريد أن يثرى بالباطل ولو على حساب المسحوقين المحرومين ، وأن نقف وقفة رجل واحد في وجه طغيان من عدموا الحس الإنساني في محاولاتهم لتحقيق ثراء عاجل فاحش ولو دهسوا بأقدامهم مئات وآلاف البشر ، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول : “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”.

       وسنظل نطالب ونؤكد على أهمية دعم الطبقات الكادحة والفقيرة ، والأشد احتياجًا والأكثر فقرًا ، سواء أكان دعمًا مباشرًا عينيًا كالتموين والطاقة المدعمة ، أم نقديًا كمعاش التضامن الاجتماعي وما في حكمه من مساعدات للفقراء ، أم كان غير مباشر كخدمات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والطرق ونحو ذلك .

       على أن هذا الدعم مال عام من جهة ، وحق للفقراء والمحتاجين دون سواهم من جهة أخرى ، فله حرمات متعددة ، فمن أخذه بدون حق فقد أكل مال الله بالباطل ، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول : ” كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ” .

        ولأكل الدعم بدون حق الذي هو أكل لمال الله بالباطل صور متعددة ، منها : الاحتيال في الحصول على بطاقات تموينية مِن قِبل مَن لا يستحق أو سعي بعضهم للاحتفاظ ببطاقة لا يستحقها ، فإذا كانت وزارة التموين قد حددت حدًا أقصى قدره (1500) جنيه للحصول على بطاقة تموينية ، فإن من يسعى إلى المخادعة بالحصول على إفادة براتبه الأساسي دون الشامل حتى يحصل على هذه البطاقة من أصحاب الرواتب العليا إنما يأكل سحتًا وحرامًا ، ويمكن لوزارة التموين استبعاد كل الشرائح التي لا تنطبق عليه الشروط أو إعادة تجديد البطاقات مع التدقيق في المستندات بحيث يصل الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين ، لأن من يأخذ ما لا يستحق يضيع الحق على المستحق الحقيقي ، وهي بالفعل تعمل على ذلك وتعدّ له بطريقة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين دون مساس بأي من هؤلاء المستحقين .

      علمًا بأن بعض الوطنيين المحترمين من غير المستحقين قد أعادوا بطاقاتهم إلى بعض مديريات التموين ، وهي مبادرات تستحق التشجيع والتحية والتقدير .

       وفي قضية السماد وعدم وصوله إلى مستحقيه من الفلاحين الحقيقيين ، فإننا نؤكد أن السيد المهندس/ إبراهيم محلب رئيس الوزراء قد وجه باتخاذ إجراءات قانونية حاسمة ورادعة تجاه كل مهرب أو محتال أو معطل أو معتد على المال العام أو مضيع للدعم على مستحقيه ، غير أننا لا نعمل على الجانب القانوني وحده ، وإنما نعمل على إحياء الضمائر والحس الإنساني ، فربما كان من الصعب أو المستبعد  أو المستحيل أن نخصص لكل إنسان شرطيًا أو جنديًا يحرسه أو مراقبًا يراقبه ، ولكن من السهل أن نربي في كل إنسان ضميرًا حيًا ينبض بالحق ويدفع إليه رقبناه أو لم نراقبه ، لأنه يراقب من لا تأخذه سنة ولا نوم .

        وهناك ما يتصل بالضمان الاجتماعي وإعانات من لا يعملون من أصحاب الظروف الخاصة أو الحالات المرضية ، فإن بعض هؤلاء قد يتسلم عملا جيدًا ومع ذلك لا يتقدم للتنازل عما يأخذه من دعم ، حتى يذهب الدعم إلى المستحق الحقيقي ومن هو في مثل حاله قبل أن ينعم الله عليه بالعمل الذي يسد حاجته ، وليرجع كل واحد من هؤلاء إلى الخلف قليلا ، وليفكر في شعوره لو  وجد من يجمع بين العمل والإعانة وهو لا يجد لا عملا ولا مساعدة ، كيف ينظر إلى أمثال هؤلاء ؟ ، وكذلك من يتقاضون مساعدة لا يستحقونها ، ومن يحتالون على تقاضيها بدون حق من غير أصحاب الحاجات .

        ومن ذلك أيضًا من يعتدون على أملاك الدولة أو يحتالون في الحصول على بعض الأراضي بحجة الاستصلاح الزراعي ويحولونها إلى منتجعات سكنية دون أن يفوا بالتزاماتهم تجاه الدولة ، أو من كانوا يحصلون على الأراضي بأقل من سعرها الحقيقي ويتهربون ما أمكنهم من سداد القيمة العادلة ، وكل من يعتدي على المال العام أو أملاك الدولة إنما يأكل ما ليس له بحق ، ومثله سواء بسواء من يسهل هذا الاعتداء ، لأن ذلك كله يسهم في عدم تحقيق العدالة الاجتماعية وعدم وصول الدعم إلى مستحقيه .

        ومن ثمة فإن على كل وطني مخلص ، وكل متدين حقًا ، أن يساعد على استعادة أملاك الدولة ، وإعادة هيكلة الدعم بما يضمن وصوله إلى مستحقيه ، ورفعه عن غير المستحقين ، حتى تعتدل الكفة ويستقيم الميزان ، ونحقق العدالة الاجتماعية الحقيقية التي نسعى إليها جميعًا .