مقالات

الإدمان والإرهاب وصناعة الموت

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

      لا شك أن هناك علاقة وطيدة سواء فى التنفيذ والتخطيط ، أم فى الآثار المدمرة لكل من الإدمان والإرهاب , فكلاهما مدمر للعقول ، وللمجتمع ، وللبنى الأساسية : الاقتصادية والفكرية والثقافية والعقلية للمجتمعات والأمم والشعوب , وقد علمنا ديننا الحنيف أن الخمر أمّ الخبائث , ذلك أن المدمن إذا سكر هذى واختل عقله , فربما أقدم على الجريمة سواء أكانت سرقة ، أم قتلاً ، أم زنا ، أم اغتصاباً ، أم تحرشاً .

     والذى لاشك فيه أيضاً أن أعداء ديننا ووطننا وأمتنا يعملون على توظيف جميع أدوات الشر بلا استثناء للوصول إلى تحقيق أغراضهم الخبيثة , وأن الإرهاب والإدمان يأتيان في مقدمة هذه الأدوات  ، وربما كان الإدمان هو المقدمة المستخدمة لمسح العقول ثم السيطرة عليها .

     ومن هنا فإن مواجهة الإدمان لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب ، فكلاهما صناعة للموت ، سواء أكان موتا سريعا مباغتا ناتجا عن العمليات الإرهابية والإجرامية والانتحارية ، أم كان موتا بطيئًا ناتجا عن تدمير الخلايا العقلية ، أم موتا قائما على تأثير المخدر وناتجا عنه ، حيث تتعدد الأسباب والموت واحد .

      وإذا كانت مواجهة الإرهاب تتطلب تضافر جهود جهات ومؤسسات عديدة  فإن مواجهة الإدمان تحتاج هي الأخرى إلى شراكة حقيقية وجادة وغير شكلية بين مؤسسات عديدة , الدينية منها فى الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء , والثقافية والتعليمية والاجتماعية والتربوية والأمنية والصحية ، ومراكز مكافحة المخدرات وعلاج الإدمان , لنواجه معاً كل هذه الظواهر السلبية حتى نقتلعها من جذورها ، إذ ينبغي أن تقوم كل مؤسسة بدورها وبالقدر الذى تحتاجه مواجهة المشكلة , وألا يكون الأمر شكلياً أو إعلامياً فحسب أو يكون من باب إبراء الذمة تجاه القضية , فالأمر جد خطير , والإحصائيات صادمة ، إذ تذكر الإحصائيات المتعلقة بالتدخين و الإدمان أن عدد المدخنين في مصر يصل إلى نحو ثلاثة عشر  مليون مدخن ، ينفقون نحو ثمانية  مليارات جنيه سنويًا ، أما نسبة المتعاطين للمخدرات فتصل إلى نحو 10 % من السكان أي نحو تسعة ملايين متعاطٍ ربعهم تقريبا من المدمنين بما يعادل نحو 2.4 % من إجمالي عدد السكان ، إضافة إلى أمر جد خطير وهو تدني سن بداية التعاطي لمرحلة الطفولة والمراهقة ، وتراجع دور الأسرة في المواجهة ، حيث إن نحو  58 % من المدمنين يعيشون مع الوالدين ، مما يعني أن الأمر يحتاج إلى جراحة سريعة وعاجلة وناجزة ، وصحوة أكبر من الوالدين وإحساس بالمسئولية تجاه أبنائهم ، والتأكيد على أن هذه المسئولية لا يمكن أن تنحصر في توفير المتطلبات المادية للأبناء ، إنما تعني أول ما تعني حسن التربية ومراقبة السلوك ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ” (متفق عليه) .

      ولا يغير الأمر شيئا أن تُسمَّى الأشياء بغير اسمها ، سواء أسمّى المخدر حشيشا ، أم هيروينا ، أم كوكاينا ، أم أي اسم آخر ، فقد نبه نبينا (صلى الله عليه وسلم) إلى ذلك ، فقال (عليه الصلاة والسلام) : ” لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ” ، كما لا يغير من الأمر شيئا أن تقل الجرعة أو تكثر ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ” ، كما أن العبرة في الإسكار وعدمه بأصحاب الفطرة السليمة ، الذين لم تلوث فطرتهم ولا عقولهم بتناول أنواع المخدرات المختلفة ، أما المدمنون فلا يُقاس عليهم ، إذ لا يُقاس على أصحاب الفطر التي أصابها الإدمان بلوثته .

      على أن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تُعد مطلبًا شرعيًا ووطنيًا ومجتمعيًا , وقد أكد القرآن الكريم على أن الخمر رجس من عمل الشيطان يجب الانتهاء عنه , حيث يقول الحق سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ” ، ويقول (عليه الصلاة والسلام) :” لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ” ، وعَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ (رضي الله عنه) قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) مَعَ أَصْحَابِي مِنَ الْيَمَنِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لَنَا شَرَابًا نَتَّخِذُهُ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلادِنَا ، وَنَحْنُ نُعَالِجُ أَعْمالا شَدِيدَةً فَنُقَوَّى بِهِ وَيَتَقَوَّوْنَ بِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (صلى الله عليه وسلم) : ” هَلْ يُسْكِرُ ؟ ” قَالَ: قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : ” فَاجْتَنِبُوهُ ” .

مصر والسودان واقع جديد

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      أستطيع أن أؤكد من خلال زيارتي لجمهورية السودان الشقيقة أننا أمام واقع جديد في العلاقات بين الدولتين , وأن المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين هي ما يرسم ملامح هذا الواقع الجديد , سواء في مجالات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي , أم في مجالات التأهيل والتدريب , أم في مجالات الفكر والثقافة , أم في مجالات مواجهة التطرف والإرهاب, أم في ميدان الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية المشتركة , في ضوء نبذ العنف وإعلاء قيم التسامح الديني والمفهوم الصحيح للحضارة الإسلامية التي تظل بظلالها الوارفة أبناء الوطن جميعًا على أرضية المواطنة الكاملة والحقوق والواجبات المتبادلة , سواء بين المواطنين بعضهم وبعض , أم بين المواطنين وبين الدولة , مع العمل على إعلاء قيمة الدولة الوطنية والانتماء للوطن , ثم السعي معًا إلى وحدة الصف العربي في ضوء الإحساس بالمصير المشترك ومدى التحديات التي تتهدد دول المنطقة وبخاصة العربية منها .

      وفي إطار زيارتي للسودان لمستُ روحًا جديدة تتسم بالحميمية الشديدة , والحرص على بناء جسور ثقة متينة وراسخة مع الشقيقة مصر التي ينظر إليها الأشقاء السودانيون على أنها الشقيقة الكبرى , وأنها أمُّ الدنيا التي تسطع شمسها ويُضيئ قمرها أرجاء وادي النيل شماله وجنوبه , بل إنه ليضيئ كل الورى , على حد قول شاعرنا وشاعرهم الشاعر السوداني محمد سعيد العباس:

بهرتْ بثاقب نورِها كلَّ الورى

مِصْرٌ، وما مصرٌ سوى الشمسِ التي

أسعــى لطيبةَ أو إلى أُمِّ القُـرى

ولقد سعيـــــتُ لهـــا فكنتُ كأنمـــا

هـــذا الجمــالُ تَلفُّتـــاً وتَحيُّــرا

وبقيتُ مأخـوذاً وقيّـــدَ ناظــــري

واليـومَ عدتُ به صباحاً مُسْفِــرا

فارقتُها والشَّعرُ في لــون الدجــى

وكأنّهــا واللهِ أحــــلامُ الكــــرى

لم أنسَ أيامي بها وقـَــدِ انقضــتْ

للناس عن مصرٍ حديثـاً يُفتــرى

كذب الذي ظـنّ الظنـــونَ فزفّهــا

حُسْنـاً فهـام بــه، وآخـرُ لا يــرى

والناسُ فيكِ اثنان شخصٌ قد رأى

        ولا شك أن الجهود المثمرة التي قامت بها حكومتا البلدين في الفترة الأخيرة قد أثمرت روحًا جديدة , وأن فتح المعابر البرية على الحدود بين الدولتين الشقيقتين سيسهم في خلق واقع جديد في مجال التجارة البينية وخلق مزيد من فرص العمل أمام شباب وأبناء الدولتين , وخلق شراكات استثمارية جديدة وبخاصة في مجال التجارة والزراعة , حيث تُعد السودان ومازالت مهيأة لأن تكون أهم سلة للغذاء العربي , وينبغي التفكير الجاد في تكوين شركات إنتاج وتصنيع زراعي مشتركة تسهم في تحقيق طفرة اقتصادية كبيرة وتوفير عدد من السلع الرئيسية والصناعات الغذائية والمتكاملة , نظرًا لما تمتلكه السودان الشقيقة من مساحات زراعية شاسعة شديدة الخصوبة مع وفرة في المياه وسهولة في الري , وما تمتلكه مصر من مهارات وخبرات فنية , سواء في مجالات الاستزراع , أم في مجالات التصنيع الزراعي وما يتبعه من تجفيف أو تغليف أو تعليب أو تصدير , كما أننا في حاجة مُلحّة إلى تكوين كيانات أو مجالس أعمال مشتركة , وإذا كنا نسعى إلى تكوين مجالس أعمال وكيانات اقتصادية وغرف تجارية مشتركة مع الشرق والغرب فمن باب أولى أن ننظر إلى الأشقاء والعمق الاستراتيجي في دول حوض النيل , وأن نبدأ على الفور في تشكيل جمعيات رجال الأعمال وسيدات الأعمال وشباب الأعمال المشتركة بين بلدينا الشقيقين , وأن تلقى هذه الكيانات دعم حكومتي مصر والسودان , ونحن على ثقة في استعداد كل من الحكومتين لهذا الدعم غير المحدود , إيمانًا بأن المردود الاقتصادي والاستراتيجي والجيوسياسي سيكون واسعًا وغير محدود , نظرًا لما تمثله كل من الدولتين من عمق استراتيجي للدولة الأخرى .

          وبما أن الفكر والثقافة خير داعم للتلاقي بين الأمم والشعوب يجب التفكير جديًا في هذا التواصل الفكري والثقافي على كل المستويات .

        وفيما يخص شأن الأوقاف والخطاب الديني فقد بدأنا بالفعل من خلال المشاركة في المؤتمرات والمسابقات وإيفاد بعض الدعاة إيفادًا دائمًا أو خلال شهر رمضان المعظم , حيث صدّقنا بالفعل على إيفاد ثلاثة عشر عالمًا من علماء وزارة الأوقاف المصرية لإحياء شهر رمضان المعظم في الجوانب الدعوية بمختلف أرجاء السودان , كما قررنا تزويد الأشقاء في الأوقاف السودانية وفي عدد من المؤسسات العلمية والثقافية والفكرية بمطبوعات وزارة الأوقاف المصرية والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية , وبخاصة في مجالات الكتب المترجمة , ونفكر جديًا ونتباحث معًا حول عقد مؤتمرات علمية وفكرية وثقافية مشتركة في العمق الإفريقي بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين ومصالح أشقائنا الأفارقة , لنبني معًا جسورًا من الثقة , وذلك بتنسيق كامل ومن خلال وزارتي الأوقاف والخارجية بالدولتين الشقيقتين , ومن خلال التواصل والحوار البناء بما يسهم في تحقيق حياة أفضل وفرص أرحب لجميع شعوب القارة .

أعداء الدولة الوطنية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     لا شك أن ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية والعمل على إعلاء قيمتها والتمسك الشديد بها في عالمنا العربي يشكل أملا كبيرًا ومحورًا هامًا لدى كل الوطنيين الشرفاء ، كما يشكل هاجسًا ومعوقًا رئيسيًا للأطماع الاستعمارية ، وصدمة كبرى للمستعمرين الجدد وأعوانهم وأذنابهم , وأن الإيمان بالأوطان وحسن الانتماء لها يمد الوطنيين الشرفاء بزاد لا نظير له في الدفاع عنها ، وعن أرضها وعرضها ، وسمائها وترابها ، وعزتها وكرامتها , وخيراتها ومقدراتها , ومقومات وجودها واستمرارها .

      ولا شك أيضا أن أعداء الأمة والاستعماريين الجدد يبذلون أقصى ما في وسعهم لإضعاف الروح الوطنية وتمزيقها حتى يتمكنوا من تنفيذ مخططاتهم , ويسعون لاجتذاب الخونة والعملاء للوصول من خلالهم إلى تحقيق ما يريدون , وكما قال الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري الملقب بـ ” متنبي القرن العشرين ” :

ولقد رأى المستعمِرونَ فرائساً

منَّا ، وألفَوْا كلبَ صيـدٍ سائبـــــا

فتعهَّدوهُ فراحَ طوعَ بَنانِهـــــــمْ

يَبْـرُونَ أنيابـــــاً لــــــه ومَخالبــــا

مستأجَرِينَ يُخرِّبونَ دِيارَهُــــــمْ

ويُكافأونَ على الخرابِ رواتبـــــــا

       والذي لا خلاف عليه بين أهل العلم المعتبرين ممن يُعتد بعلمهم ورأيهم أن حب الوطن من الإيمان , وأن مصالح الأوطان لا تتعارض مع مصالح الأديان , لأن الأوطان هي وعاء الأديان , يقول الشاعر العماني أبو مسلم الرواحي المعروف بـ ” حسان عمان ” :

يا للرجال احفظوا أوطــــان ملتكـــم

فما لكم بعد خذل الدين أوطان

يا للرجال احفظوا أحساب مجدكم

إن لم تكن فيكم للدين أشجــان

       وعندما أُخرج نبينا (صلى الله عليه وسلم) من مكة نظر إليها قائلا : ” والله يا مكة إنك لأحب بلاد الله إلىّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ” , ولما أُمر بالتوجه في صلاته إلى بيت المقدس كان يحب أن يكون هذا الشرف العظيم لمكة المكرمة التي ولد ونشأ بها ، وتقلب في ربوعها وجبالها ووديانها , وتعلقت نفسه وروحه بها ، حيث بيت الله الحرام وحرمه الآمن ، وكان يقلب وجهه في السماء رجاء أن يرزق التحول إليها , حتى أكرمه الله (عز وجل) وكرمه بقوله تعالى : ” قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ..” (البقرة:144) , ولما دخلها فاتحًا منتصرًا جمع أهلها , وقال لهم : يا أهل مكة ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا أخ كريم ، وابن أخ كريم , فقال (صلى الله عليه وسلم) : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ (عليه السلام) : ” لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  ” .

      لكننا للأسف الشديد ابتلينا بأناس وجماعات تتاجر بدينها وأوطانها ومستعدة لأن تبيع أنفسها حتى للشيطان في سبيل خداع ووهم يرسمه لها المستعمرون الجدد , ويزينه لها جنهم وشياطينهم ، ” شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ..” ، فهم ما بين عميل خائن يبحث عن ثراء فاحش أو سلطة خاضعة خانعة ذليلة تابعة , ومنتفعين لا يرون سوى ما تحت أقدامهم وما يحقق شهواتهم وملذاتهم وإن باعوا في سبيل ذلك دينهم ووطنهم وعرضهم وكرامتهم .

       والذي لا شك فيه أن جماعة الإخوان , ومن يدور في فلكها من الجماعات الإرهابية , وما انبثق عنها من تنظيمات إجرامية كداعش وأخواتها , ومن تضم هذه الجماعات من مرتزقة جاءوا من كل حدب وصوب تحت إغراء المال أو النساء أو وهم السلطة والثراء متسترين بعباءة الدين , كل هؤلاء ومن كان على شاكلتهم وبلا استثناء لا يؤمنون بوطن ولا دولة وطنية , إنما يوهمون أتباعهم أن الدين لا وطن له , وأن أرض الله كلها وطن واحد ينبغي أن يستظل بظل دولة الخلافة ، وأن لهم في تنظيمهم الدولي المأوى والملاذ الذي قد لا توفره لهم الأوطان , فيهدمون كل قوعد الوطنية الصحيحة , ويؤثرن مصالح التنظيم ومن يستأجرونهم أو يستخدمونهم أو يمولونهم على كل معاني الوطنية السامية , فهم مستعدون لأن يكونوا جواسيس لهذا التنظيم المزعوم المستخدم من قبل قوى الشر والظلام لتفتيت وتمزيق دولنا العربية والإسلامية من خلال هذه التنظيمات المريبة التي لا تؤمن بوطن .

      ولا يختلف عن هؤلاء في عدائهم للدولة الوطنية كل التنظيمات العرقية والطائفية والمذهبية الموجهة المُسيّسة التي يكون ولاؤها خارج أوطانها , وكذلك الملحدون والماسونيون والبهائيون وسائر التنظيمات التي تُحركها قوى استعمارية أو إمبريالية عالمية .

     ولا مخرج لمنطقتنا وأمتنا من هذه الوباءات والابتلاءات سوى الإيمان بالدولة الوطنية والعمل على إعلاء قيمتها , والتعامل على أساس من الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطنين بعضهم وبعض وبين المواطنين والدولة , فيكون ولاء المصريين جميعًا لوطنهم , وولاء السودانيين جميعًا لوطنهم , وكذلك السعوديون ، والكويتيون , والإمارتيون , والبحرينيون , والمغاربة , واليمنيون , والأردنيون ، يكون ولاؤهم جميعا لأوطانهم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وطوائفهم وأيدولوجياتهم , يؤمنون جميعًا بقيمة الوطن الذي يظلهم , يحافظون على أرضهم وترابه , يعطونه بقدر ما يعطيهم أو ما ينتظرون أن يعطيهم , ثم تكون العلاقات بعد ذلك بين الدول في ضوء الاحترام المتبادل والعهود والمواثيق الدولية وعدم تدخل أي دولة في الشئون الداخلية للدول الأخرى , أو محاولة استقطاب حزب , أو فصيل , أو طائفة  , أو جماعة منها , وإلا لدخلنا في دائرة من الاستقطاب والاستقطاب المضاد لا تنتهي إلا بإنهاك قوانا جميعًا , وهو عين ما يرمي إليه أعداؤنا لضرب بعضنا ببعض وإنهاك قوى كل منا بالآخر , ويبقى هو الرابح الوحيد دون خسائر بل بمكاسب بيع سلاحه وتجريبه فينا وفي بني جلدتنا وإخوتنا في الإسلام أو العروبة أو النسب أو الجوار , فلنستفق قبل فوات الأوان , حتى لا نندم حين لا ينفع الندم , على حد قول الشاعر  :

ولقد نصحتهم بمنعرج اللوى               فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

الأصوات الشاذة والدعوات الهدامة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

      لا شك أن الحياء شعبة من شُعب الإيمان ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ” ، وهو خير كله ، والحياء لا يأتي إلا بخير ، وهو قاسم مشترك بين الديانات السماوية والنبوات ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ” ، والتحلي بالحياء دليل على سلامة الحس الإنساني وصفائه .

      والحياء من القيم الدينية ، والقيم الأخلاقية ، والقيم الإنسانية ، وهو أقسام : الحياء من الله ، والحياء من الناس ، والحياء من النفس ، فالحياء من الله يقتضي حسن المراقبة لله عز وجل في السر والعلن ، والحياء من الناس يقتضي أن يتحلى صاحبه بالمروءة ، وعدم الإقدام على ما يخدش الحياء قولاً أو فعلاً ، سواء فيما يتصل بالشرف والنزاهة ، أم بالذمة المالية ، أم بالمظهر العام ، وقد عد كثير من الفقهاء المروءة وهي تجنب ما لا يحمد فعله شرطًا من شروط العدالة التي لا تقبل شهادة من يفتقدها .

      وهناك الحياء من النفس ، وهو عبارة عن كرم في النفس والطبع ، يجعل صاحبه متحليًا بالمروءة والقيم في سره وعلنه ، بغض النظر عن درجة تدينه ، فهناك أمور لو لم يرد بها دين لتحلى بها أصحاب الطباع السليمة من العفة والطهارة ونظافة اليد ، أو قل ونظافة الظاهر والباطن .

      وقد ظهرت في أيامنا الأخيرة بعض الأصوات الشاذة والدعوات الهدامة التي تدعو بلا حياء ولا خجل إلى الفحشاء ،  ورب العزة عز وجل يقول في كتابه العزيز : ” إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ” ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا …” .

      ومن الدعوات الهدامة تلك الدعوات التي تدعو إلى خلع الحجاب أو التي ترى أن ممارسة الزنا قبل الزواج أمر شخصي وحرية شخصية ، مما حدا بالقطاع الديني بوزارة الأوقاف المصرية إلى إصدار بيان هام يؤكد فيه أن تلك الدعوات الإباحية والشاذة الهدامة إنما هي خروج على حدود اللياقة والحياء ، وعلى قيمنا الدينية والأخلاقية ، وعاداتنا وتقاليدنا المصرية الأصيلة ، وهي دعوات يرفضها الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه ، لأنه تربى على العفة والطهارة ، ولا يقر الإباحية والشذوذ الجنسي ولا الفكري ولا الانفلات الأخلاقي ، ولا يمكن أن يجني أصحاب هذه الدعوات سوى الاحتقار والازدراء من عموم الشعب المصري .

      كما أن هذه الدعوات تشكل خطرًا بالغًا على أمننا القومي ، لأنها تعد أكبر وأهم وقود للتطرف والإرهاب ، وتعطيه ذريعة لوصف المجتمع بما ليس فيه ولا يمكن أن يقره ولا يرتضيه ، على أن الأفكار الشاذة لا تعبر إلا عن شذوذ أصحابها ، وأنهم استثناء شاذ ومنفلت في مجتمع محترم يحترم الدين والأخلاق والقيم والتقاليد المرعية .

      وإذا كانت الإحصائيات الصادرة عن مراكز لها وزنها ومصداقيتها تؤكد أن الشعب المصري من أكثر شعوب العالم تدينًا إن لم يكن أكثرها على الإطلاق ، فإن مثل هذه الظواهر الاستثنائية الشاذة لا يمكن أن تنال من تدينه ولا من تمسكه بدينه ، لكنها قد تضع نقطة سوداء في وجهه الحضاري الناصع تحتاج من الوطنيين المخلصين الانشغال بإزالتها ومعالجة آثارها في الداخل والخارج في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جهود كبيرة للتعمير والبناء بدل أن نستنفد الجهد كله في مواجهة الهدامين , سواء أكان ذلك صادرًا منهم بقصد أم بدون وعي ، وتوّج ذلك بخطبة الجمعة اليوم 8 / 5 / 2015م عن موضوع ” الحياء خير كله ” ، التي تؤكد أن الحياء معيار الأخلاق الحسنة وعلامتها ؛ بل هو رأس مكارم الأخلاق ، كما يقول النبي (صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ): ” إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا ، وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ ” وعن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها ) قالت : (رأس مكارم الأخلاق الحياء) .

     فالحياء جامع لكل خصال الخير ، يدفع الإنسان إلى فعل المحاسن ويبعده عن القبائح ، ما اتصف به مسلمٌ إلا حاز الخير الكثير، وابتعد به عن الشر المستطير ، ونال به الثواب العظيم ، وصدق النَّبِىِّ (صلى الله عليه وسلم) حيث قال : ” الْحَيَاءُ لاَ يأتي إِلاَّ بِخَيْرٍ” .

      بل إن الحياء يرتبط بالإيمان ، فإذا غاب الحياء غاب الإيمان ، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ” الحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا ، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ ” .

     فمن الحياء أن يحرص المسلم على سمعته ، فلا يقول أو يفعل ما يلوث سمعته ، ويعرضه للسخرية والأقاويل المغرضة ، وكذلك : محافظة المرأة المسلمة على كرامتها وحشمتها ، ومراقبة ربها ، وحفظها حقَ زوجها ، والبعد عن مسالك الريبة ومواطن الرذيلة ، فحياء المرأة هو سياجها وحصنها وحماها الذي تحمي به شرفها ، وتصون به عرضها ، وتحفظ به سمعتها وكرامتها .

       أما ضعف الحياء في نفوس الناس فيؤدي إلى انتهاك الحرمات ، والخوض في أعراض الناس وأنسابهم ، فكم من كلمة أوقعت صاحبها في الإثم  ؟! وكم من نظرة محرمة أردت صاحبها ؟! ، وهي مقدمة لفعل الفواحش ، من أجل ذلك سد الإسلام الباب المؤدي إلى الزنا ، فقال تعالى : ” وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ” .

        والذي حدا ببعض الناس إلى هذا المستوى المذموم هو ذهاب الحياء من الله عز وجل ، فمن لم يكن له حياءٌ انغمس في الفواحش والمنكرات .