مقالات

حضارتان وملحمة وبداية عصر جديد

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      لا يدرك كثير من المصريين خصوصية الحضارة المصرية التى تستمد خصوصيتها من حضارتين عظيمتين , الأولى تبحر في أعماق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف عام , وما ظهر منها أبهر العالم , وما خفي منها أضعاف ما ظهر ، وأحد أهم عجائب الدنيا السبع ينتمي إلى هذه الحضارة , والحضارة الأخرى تضرب بجذور راسخة تمتد لأكثر من ألف وأربعمائة عام في أعماق وقلب التاريخ , ولها خصائص لا تداينها أي حضارة أخرى , فلم تعرف الإنسانية عبر تاريخها حضارة استوعبت كل الحضارات التي سبقتها , وحافظت عليها , وتفاعلت معها , وهذبتها , وأخذت منها النافع والمفيد , وأصّلت ورسّخت فقه التعايش السلمي بين بني البشر جميعًا على أسس إنسانية خالصة , وعلى قدم المساواة الإنسانية , مثل حضارتنا الإسلامية السمحاء .

      فحضارتنا مزيج مستمد من هاتين الحضارتين العملاقتين , فهي حضارة بناء وعمارة للكون , وحضارة إرادة وتحدٍ للصعاب, حضارة تربي أبناءها على أنهم لا يعرفون اليأس ولا المستحيل ، فهي حضارة متجددة تجدد نفسها بنفسها ، وتعي قول نبينا (صلي الله علية وسلم) : ” يبعث الله (عز وجل) لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها ” .

     على أننا نفهم المجدد فهما واسعا شاملا ، فقد يكون عالما فقيها ، وقد يكون ملكا عادلا ، وقد يكون مؤسسة دينية أوعلمية أوتشريعية ،  وقد يكون قطرًا من أقطارها  ، فربما وصلت هذه الأمة فى بعض مراحلها إلى درجة من السكون أو الضعف يمكن أن يتوهم أعداؤها فيها أنها قد استكانت أو صارت جثة هامدة لا حراك فيها ، غير أنها في كل مرة تفاجئ الجميع بحراك غير متوقع ، ويأتي من يجدد لها دينها وحياتها وحيويتها .

        وقد قُلت يوما ما لو أن أعداء هذه الأمة استفرغوا كل ما في جعبتهم من أسلحة ذرية ونووية وكيماوية وبيولوجية وسلطوها على الأمة الإسلامية ، فسيخرج من تحت أنقاض كل هذا كله من يحمل لواء هذه الحضارة من جديد .

      لكن الحفاظ على هذه الحضارة والبناء عليها يتطلب أن نكون على قلب رجل واحد، وأن نقف وقفة رجل واحد ، وأن نعي حجم التحديات التي تحيط بنا في الداخل والخارج ، وأن نكون على قدر المسئولية ، وعلى استعداد للتضحيات ، وأن نقدم المصلحة العامة على أي مصلحة شخصية أو حزبية أو فئوية خاصة ، كما أن ذلك يتطلب منا جميعًا الإيمان بحق الوطن ، وأن مصلحته جزء من صلب ديننا وعقيدتنا ، لأن مصر هي القلب النابض للعروبة والسلام ، وهي درع الأمة وسيفها وصمام أمانها ، وأن قوة الاقتصاد ودعمه مطلب شرعي ووطني ، لأن الأمم التي لا تملك طعامها وغذاءها وكساءها ودواءها وسلامها لا تملك كلمتها ، ولا سبيل إلى اقتصاد قوي إلا بالعمل والإنتاج والجهد والعرق ، وهو ما ندعو إليه ونعده من واجبات الوقت ، وحق الوطن ،  وتلبية نداء الشرع .

ملحمة وطنية جديدة :

        لكن الذي يبعثه على الأمل هو ما لمسته من روح وطنية عالية متدفقة ، وبخاصة لدى الشباب المصري الذي يسعى لصنع ملحمة وطنية جديدة ، برغبته الجارفة في المشاركة في حفر المجرى الملاحي الثاني لقناة السويس ، ففي يوم واحد التقيت صباحًا بشباب الجامعات في معهد إعداد القادة بحلوان وفي وجود الزميل العزيز معالي وزير التعليم العالي أ.د/ سيد عبد الخالق ، وكان هناك شعور وطني جارف ، ورغبة ملحة من الطلاب في المشاركة في حفر القناة بأي وسيلة من وسائل المشاركة ، وفي اليوم نفسه التقيت ممثلين لشباب الأئمة والخطباء بوزارة الأوقاف ولديهم نفس الرغبة التي لا تقل حماسًا عن رغبة شباب الجامعات ، ثم جاءت زيارة فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر للمشروع لتضفي إلى بعديه الوطني والاقتصادي بعدًا شرعيًا ، ولها دلالات ، منها:

     الأولى : اصطحابه لمجموعة من علماء الأزهر ومجموعة أخرى من طلابه في المراحل التعليمية المختلفة ، بما يرمز إلى أن هذا المشروع هو مشروع الحاضر والمستقبل معًا .

      الأخرى : دعوة فضيلته الصريحة والواضحة لجميع المصريين إلى الإسهام بقوة في هذا المشروع ، وشراء شهادات الاستثمار المخصصة له ، مما يقطع الجدل ويحسم الخلاف حول حكم هذه الشهادات .

     والذي لا شك فيه أن إطلاق السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي إشارة البدء في هذا المشروع هي خطوة كبيرة على طريق استقلال الإرادة الوطنية ، وتجردها من أي تبعية للشرق أو للغرب ، وانطلاقة نحو عصر المشروعات الكبرى ، تعيد إلينا شيئًا من عبق الماضي وأمجاده ، بداية من بناء الأهرامات ، إلى بناء السد العالي ، إلى العبور الأول لقناة السويس 1973م ، ثم إلى هذا العبور الثاني والأهم لهذه القناة ، وهو عبور التنمية والبناء واستقلال الإرادة الوطنية .

الخطاب الديني وثلاث معضلات كبرى

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        لا شك أن الخطاب الديني قد صار حديث الساعة ، حديث المثقفين ، حديث العامة والخاصة ، ولا شك أن ذلك كله يأتي نتيجة لما أصاب هذا الخطاب في السنوات الأخيرة من سطو وتسلّق عليه ، أو محاولات لاختطافه ، أو المتاجرة به ، وما تبع ذلك من استخدام الدين من قبل أدعيائه المتاجرين به غطاء لعمالتهم وأعمالهم المشبوهة ضد أوطانهم في أعمال عنف أو تخريب ، بل تجاوز الأمر ذلك إلى أعمال قتالية تهدف بأسلوب مباشر وصريح وفج إلى إسقاط دولهم وأوطانهم ، وتفتيتها وتمزيقها ، وتحويلها إلى بؤر وجماعات متصارعة تصارعًا لا يرجى الخلاص منه في القريب العاجل إلا برحمة من الله (عزّ وجل) ، ويقظة منّا جميعًا ، أفرادًا ودولاً ، وإدراكًا لحجم المخططات والمؤامرات التي تستهدف أمتنا ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص .

       ولا ينكر أحد أن حجم الإجرام والتخريب الذي يقوم به بعض المنتسبين إلى الجماعات والتيارات التي تتخذ من الدين ستارًا وشعارًا قد فاق كل التصورات ، وتجاوز كل معاني الإنسانية إلى درجة يوصف معها من يقوم بهذا الإفساد والتخريب بالخيانة للدين والوطن معًا ، مما جعل بعض الكتّاب يتجاوز باتهامه المخربين والمفسدين إلى الخطاب الديني نفسه ، ما بين عاقل يفرق بين الغث والثمين ، وآخر يعمم الأحكام بلا إنصاف ولا رويّة، لأن الفتنة أحيانًا تجعل الحليم حيران .

      وأرى أن الخطاب الديني تكتنفه ثلاث معضلات كبرى ، الأولى : هي معضلة الجمود ، من هؤلاء المنغلقين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أن باب الاجتهاد قد أغلق ، و أن الأمة لم ولن تلد مجتهدًا بعد ، وأنها عقمت عقمًا لا براء منه ، متناسيين أو متجاهلين أن الله ( عز وجل ) لم يخص بالعلم ولا بالفقه قومًا دون قوم ، أو زمانًا دون زمان ، وأن الخير في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى يوم القيامة .

       المعضلة الثانية : معضلة الخوف من الإسلام ، أو ما يعرف بـ ” الإسلام فوبيا ” ، مما يجعل بعض هؤلاء المتخوفين يظن خطأ أن علاج التشدد إنما يكون بالذهاب إلى النقيض الآخر ، مما يعود بنا إلى عقود من الصراع حدث فيها خلط كبير بين مواجهة التطرف وأهمية التدين ، حيث توهم بعض المتخوفين من الإسلام أن محاربة التطرف تقتضي وتستلزم تجفيف منابع التدين ، فاصطدموا بالفطرة الإنسانية ، ” فطرة الله التي فطر الناس عليها ” ، ونسوا أن أفضل طريق لمواجهة التطرف هي نشر سماحة الأديان ، وتحصين الناس وبخاصة الناشئة والشباب بصحيح الدين ، وأنك لا تستطيع أن تقضي على التطرف من جذوره إلا إذا عملت بنفس القدر والنسبة على مواجهة التسيب والانحلال والإلحاد الذي صار موجهًا لخلخلة مجتمعاتنا شأن التشدد سواء بسواء ، ومن هنا كان وعي الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ووزارة الشباب والرياضة بخطورة الإلحاد والتسيب ، فأطلقت وزارتا الأوقاف والشباب مبادرة مشتركة لمواجهة الإلحاد تحت عنوان ” بالعقل كده ” ، إيمانًا منهما بخطورة الإلحاد على أمن الوطن واستقراره ونسيجه الاجتماعي .

       وفي هذا نؤكد أن المساس بثوابت العقيدة والتجرؤ عليها وإنكار ما استقر منها في وجدان الأمة لا يخدم سوى قوى التطرف والإرهاب وخاصة في ظل الظروف التي نمر بها ، لأن الجماعات المتطرفة تستغل مثل هذه السقطات لترويج شائعات التفريط في الثوابت مما ينبغي التنبه له والحذر منه ، فإذا أردنا أن نقضي على التشدد من جذوره فلابد أن نقضي على التسيب من جذوره ، فلكل فعل رد فعل مساو له في النسبة ومضاد له في الاتجاه.

       المعضلة الثالثة : هي الخوف من التجديد أو التجاوز فيه ، فلا شك أن التجديد يحتاج إلى شجاعة وجرأة محسوبة ، وحسن تقدير للأمور في آن واحد ، كما أنه يحتاج من صاحبه إلى إخلاص النيّة لله بما يعينه على حسن الفهم وعلى تحمل النقد والسهام اللاذعة .

       ولكي نقطع الطريق على أي مزايدات فإنني أؤكد على الثوابت والأمور التالية :

1-    أن ما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة ، وما أجمعت عليه الأمة وصار معلومًا من الدين بالضرورة كأصول العقائد وفرائض الإسلام من وجوب الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، كل ذلك لا مجال للخلاف فيه ، فهي أمور توقيفية لا تتغير بتغيّر الزمان ولا المكان و الأحوال ، فمجال الاجتهاد هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي الثبوت والدلالة .

2-  مع تقديرنا الكامل لآراء الأئمة المجتهدين فإننا ندرك أن بعض الفتاوى ناسبت عصرها وزمانها ، أو مكانها ، أو أحوال المستفتين ، وأن ما كان راجحًا في عصر وفق ما اقتضته المصلحة في ذلك العصر قد يكون مرجوحًا في عصر آخر إذا تغير وجه المصلحة فيه ، وأن المفتى به في عصر معين ، وفي بيئة معينة ، وفي ظل ظروف معينة ، قد يصبح غيره أولى منه في الإفتاء به إذا تغيّر العصر ، أو تغيّرت البيئة ، أو تغيّرت الظروف ، ما دام ذلك كله في ضوء الدليل الشرعي المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة .

3-  أننا نؤمن بالرأي والرأي الآخر ، وبإمكانية تعدد الصواب في بعض القضايا الخلافيّة، في ضوء تعدد ظروف الفتوى وملابساتها ومقدماتها ، وإذا كان بعض سلفنا الصالح قد قال : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ، فإننا نذهب أبعد من ذلك فنقول : إن كلا الرأيين قد يكونان على صواب ، غير أن أحدهما راجح والآخر مرجوح ، فنأخذ بما نراه راجحًا مع عدم تخطئتنا لما نراه مرجوحًا ، ما دام صاحبه أهلا للاجتهاد ، ولرأيه حظ من النظر والدليل الشرعي المعتبر ، فالأقوال الراجحة ليست معصومة ، والأقوال المرجوحة ليست مهدرة ولا مهدومة .

4-  أن تسارع وتيرة الحياة العصرية في شتى الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية ، إضافة إلى التقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيّرات السياسية ، كل ذلك يحتم على العلماء والفقهاء إعادة النظر في ضوء كل هذه المتغيّرات ، ويعلم الجميع أن الإقدام على هذا الأمر ليس سهلا ولا يسيرًا ، ويحتاج إلى جهود ضخمة من الأفراد والمؤسسات ، غير أننا في النهاية لابد أن ننطلق إلى الأمام ، وأن نأخذ زمام المبادرة للخروج من دائرة الجمود .

       مع التأكيد مرة أخرى أن هذا التجديد ينبغي ألا يتجاوز ثوابت الشرع ، وأن ينضبط بميزاني الشرع والعقل ، وألا يترك نهبًا لغير المؤهلين وغير المتخصصين أو المتطاولين الذين يريدون هدم الثوابت تحت دعوى التجديد، فالميزان دقيق ، والمرحلة في غاية الدقة والخطورة ، لما يكتنفها من تحديات في الداخل والخارج ، فالمتخصص المؤهل إذا اجتهد فأخطأ له أجر ، وإن اجتهد فأصاب فله أجران ، الأول لاجتهاده والآخر لإصابته ، أما من تجرأ على الفتوى بغير علم ، فإن أصاب فعليه وزر ، وإن أخطأ فعليه وزران ، الأول لاقتحامه ما ليس له بأهل ، والآخر لما يترتب على خطئه من آثار كان المجتمع والدين معًا في غنى عنها ، في ظل أوقات تحتاج إلى من يبني لا من يهدم .

الأزهر سلطة أم قيمة ?

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     الأزهر الشريف ليس سلطة , ولن يكون , ولا يريد , ومن أهم الدلائل العملية على ذلك هو أن الأزهر الشريف برؤية حكيمة لفضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر رفض أن يكون المرجعية في القضايا التشريعية أو أن يكون رأي هيئة كبار العلماء ملزمًا , بل أصّر أن يكون اختياريًا , بحيث يضع الأزهر الشريف خبراته الشرعية والعلمية تحت نظر الأمة أو المشرع متى طلب منه ذلك ، وكان هذا الرأي غاية في الحكمة حتى لا يتهم الأزهر بكهنوتية هو منها براء , أو بمحاولة التسلق إلى سلطة هو لا يطلبها ولا يسعى إليها , إيمانًا منه بأن رسالته دعوية , وأنه يسير في ضوء الفهم الصحيح لتوجيهات القرآن الكريم :” ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.. ” (النحل:125) , “.. إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ .. ” (الشورى:48) , ”  أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ .. ” (يونس:99) ,  فإننا نفرق بوضوح بين دور الدعاة ودور القضاة ودور الولاة , ونؤمن بأننا دعاة لا قضاة ولا ولاة , فدور الدعاة هو التوجيه والنصح والإرشاد , لا أن يكونوا سلطة فوق السلطات ولا سلطة موازية لها , فنحن نؤمن بالولاية العامة لولي الأمر على المستوى الشرعي , وباحترام القانون والدستور على المستوى القانوني , وأن سلطة رئيس الدولة هي السلطة الأعلى , في ضوء النظم القانونية التي يُرسخها ويأصلها الدستور , وأن هذه السلطة الأعلى أو صاحب الولاية العامة له أن ينيب عنه في بعض السلطات أو الولايات ما تقوم به مصالح البلاد والعباد , كالولاية على الجند لوزير الدفاع قائد الجند , والولاية على الشرطة لصاحب الشرطة وزير الداخلية , والولاية على القضاء لقاضي القضاة وزير العدل , وهكذا سائر الولايات الخاصة .

     كما نود أن نبين أن العلاقة بين الدعوة والسلطة قد صارت عبر منحنيات التاريخ وانعطافاته في الغالب الأعم في أحد مسارين : إما مسار التبعية وإما مسار الصدام والمواجهة ، وكلاهما لا في صالح الدعوة ولا في صالح السلطة ، أما النمط الأمثل للعلاقة بين الدعوة والسلطة فهو علاقة التواصل والتفاهم والتعاون والاحترام المتبادل ، وهو ما نسعى إلى ترسيخه ، ونعتز بتحقيقه على أرض الواقع ، ففي الوقت الذي تكن فيه مؤسسات الحكم الرشيد بمصر كل التقدير للمؤسسة الدينية وتقدر دورها الوطني ، فإن الأزهر الشريف بكل مؤسساته يعي واجبه الوطني ، ويكن للسلطة القائمة كل تقدير واحترام ، ويقدر لها جهودها في خدمة الوطن ، والحفاظ على هوية الدولة المصرية وعلى تماسكها وصمودها في وجه التحديات لهذه المرحلة الحاسمة الفارقة شديدة الحساسية في تاريخ مصر.

      ومع إيماننا بأن الأزهر الشريف ليس سلطة فإننا نؤمن كل الإيمان بأنه قيمة وقامة , وأنه ارتبط بمصر وارتبطت به , فلا تكاد مصر تذكر في مكان إلا ذكر أزهرها الشريف , ولا يكاد الأزهر يذكر إلا مرتبطًا بمشيخته ومقره وحاضنته القوية مصر القلب النابض للعروبة والإسلام , وإذا كانت مصر درع الأمة وسيفها وصمام أمانها , فإن الأزهر الشريف يُعد أهم مؤسسة فكرية علمية في تاريخ البشرية في العلم الشرعي وتبني المنهج الوسطي السمح الذي تلقته الأمة بل العالم كله بالتقدير والقبول في إجماع أو شبه إجماع لم تحظ به مؤسسة علمية أو ثقافية أخرى , وهو أحد أهم أدوات القوة الناعمة الداعمة لسياسة مصر الخارجية , وهو الجهة الوحيدة التي كانت وما زالت قادرة على رفع الغطاء الأدبي والشرعي عن الأعمال الإجرامية التي يقوم بها أعداء الدين والإنسانية داخل مصر وخارجها .

       ومع إيماننا بالنقد الموضوعي الذي يعتمد المنهج العلمي بعيدًا عن العمل على إثارة العواطف , أو حب الظهور الإعلامي , أو الاعتماد على أساليب التطاول وتوجيه الاتهامات غير المنضبطة …

       ومع إيماننا أيضًا بالنقد الذاتي , وهو أن تقوم كل مؤسسة بإعادة تقييم أمورها , وإعادة النظر  في مناهجها وأدواتها , وهو ما يقوم به الأزهر الشريف في لجان إصلاح التعليم ومراجعة المناهج الدراسية , الأمر الذي يرعاه فضيلة الإمام الأكبر  شيخ الأزهر بنفسه , وهو مهتم به غاية الاهتمام .

        لكننا مع إيماننا بالنقد الموضوعي , وبالنقد الذاتي , الذي تقوم به المؤسسة فإننا نؤكد أن أساليب الهجوم غير المنضبط وغير المبرر على المؤسسة الدينية التي يعد الأزهر الشريف عمادها وقوامها الرئيسي ، لا تراعي المصلحة الوطنية التي ينبغي أن تجمع ولا تفرق , بل ربما أرسل بعض هذا النقد رسائل سلبية قد تخدم الإرهابيين والمتطرفين والمتشددين , وتفتح مجالاً من الصراع الفكري والثقافي وربما الأيدلوجي بما لا تحتمله تلك الظروف الصعبة التي يمر بها وطننا , وتلك التحديات التي تلم بنا في الداخل وتحيط بنا في الخارج , من خلال تبني أفكار متطرفة يغذيها الفكر الاستعماري والقوى الاستعمارية , ولا أرى أحدًا قادرًا على كشف زيفها , وتعريتها , وتفنيد أفكارها , ورفع الغطاء الأدبي عن مشروعها سوى الأزهر الشريف , الذي يعد المرجعية الأولى للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .

شجاعة التجديد
وعـقـــــلانـيـــــــة الـنــقـــــــــــد

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     مما لا شك فيه أن الإقدام على التجديد في القضايا الفقهية ، والنظر في المستجدات العصرية ، وفي بعض القضايا القابلة للاجتهاد ، يحتاج إلى رؤية ودراية وفهم عميق وشجاعة وجرأة محسوبة ، وحسن تقدير للأمور في آن واحد .

     كما أنه يحتاج من صاحبه إلى إخلاص النيّة لله بما يعينه على حسن الفهم وعلى تحمل النقد والسهام اللاذعة ، ممن أغلقوا باب الاجتهاد ، وأقسموا جهد أيمانهم أن الأمة لم ولن تلد مجتهدًا بعد ، وأنها عقمت عقمًا لا براء منه ، متناسين أو متجاهلين أن الله ( عز وجل ) لم يخص بالعلم ولا بالفقه قومًا دون قوم ، أو زمانًا دون زمان ، وأن الخير في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى يوم القيامة .

     ولكي نقطع الطريق على أي مزايدات ونحن مازلنا نتحسس خطواتنا الأولى لدراسة بعض القضايا والمستجدات ، فإنني أؤكد على الثوابت والأمور التالية :

1- أن ما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة ، وما أجمعت عليه الأمة وصار معلومًا من الدين بالضرورة كأصول العقائد وفرائض الإسلام من وجوب الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، كل ذلك لا مجال للخلاف فيه ، فهي أمور توقيفية لا تتغير بتغيّر الزمان ولا المكان و الأحوال ، فمجال الاجتهاد هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي ، يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه المستصفى: ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيه أدلة قطعية يأثم فيها المخالف ، فليس ذلك محل الاجتهاد.

2- أننا ننظر بكل التقدير والاحترام لآراء الأئمة المجتهدين : الإمام أبي حنيفة ، والإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والإمام أحمد ، ومن كان على شاكلتهم من العلماء والفقهاء ، ونرى أنهم جميعًا أهل علم وفضل، بذل كل منهم وسعه في الاجتهاد والاستنباط ، وتلقت الأمة مذاهبهم بالرضا والقبول .

3- نؤمن أيضًا أن بعض الفتاوى ناسبت عصرها وزمانها ، أو مكانها ، أو أحوال المستفتين ، وأن ما كان راجحًا في عصر وفق ما اقتضته المصلحة في ذلك العصر قد يكون مرجوحًا في عصر آخر إذا تغير وجه المصلحة فيه ، وأن المفتى به في عصر معين ، وفي بيئة معينة ، وفي ظل ظروف معينة ، قد يصبح غيره أولى منه في الإفتاء به إذا تغيّر العصر ، أو تغيّرت البيئة ، أو تغيّرت الظروف ، ما دام ذلك كله في ضوء الدليل الشرعي المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة .

 4- أننا نؤمن بالرأي والرأي الآخر ، وبإمكانية تعدد الصواب في بعض القضايا الخلافيّة ، في ضوء تعدد ظروف الفتوى وملابساتها ومقدماتها ، وإذا كان بعض سلفنا الصالح قد قال : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ، فإننا نذهب أبعد من ذلك فنقول : إن كلا الرأيين قد يكونان على صواب ، غير أن أحدهما راجح والآخر مرجوح ، فنأخذ بما نراه راجحًا مع عدم تخطئتنا لما نراه مرجوحًا ، ما دام صاحبه أهلا للاجتهاد ، ولرأيه حظ من النظر والدليل الشرعي المعتبر ، فالأقوال الراجحة ليست معصومة ، والأقوال المرجوحة ليست مهدرة ولا مهدومة .

5- أن تسارع وتيرة الحياة العصرية في شتى الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية ، إضافة إلى التقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيّرات السياسية ، كل ذلك يحتم على العلماء والفقهاء إعادة النظر في ضوء كل هذه المتغيّرات ، ويعلم الجميع أن الإقدام على هذا الأمر ليس سهلا ولا يسيرًا ، ويحتاج إلى جهود ضخمة من الأفراد والمؤسسات ، غير أننا في النهاية لابد أن ننطلق إلى الأمام ، وأن نأخذ زمام المبادرة للخروج من دائرة الجمود .

6- أننا نؤمّل ألا يسلك العقلاء مسلك العامة في النقد العاطفي ، أو النقد الانفعالي ، أو تجاوز الموضوعية بالتسرع في الأحكام قبل القراءة الوافية المتأنية لما يراد الحكم أو التعليق عليه ، وأن نقدم المصلحة الشرعية والوطنية على أي اعتبارات أخرى ، وساعتئذ فلا حرج في النقد الموضوعي ، ولو ردّنا الحق عبيدًا لرددنا إليه صاغرين .