مقالات

وزير الأوقاف يكتب للأخبار :
مصر في مواجهة الإرهاب

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن مصر تواجه ثلاثة تيارات جارفة من الإرهاب ما بين محلي ودولي واستعماري, فبداية من التنظيم الدولي للإخوان الذين صاروا أداة في يد القوى الاستعمارية والإمبريالية  وأدوات الهيمنة الأمريكية .

       ولا شك أن هذا التنظيم الإرهابي الشيطاني يستخرج كل ما في جعبته لتعطيل المسيرة , والعمل على إجهاض كل محاولات الإصلاح الاقتصادي والمجتمعي بإطلاق الشائعات تارة , واستخدام كل وسائل التخريب من قتل أو تفجير أو تدمير أو تأثير على الأسواق ومجالات العمل بكل ما أوتوا من قوة تارة أخرى , متوهمين أن ذلك قد يؤدي إلى العودة بهم إلى السلطة من جديد, متناسين أو متجاهلين أن رفضهم صار رفضًا شعبيًا غير قابل لإعادة اجترار المرارة التي سقوها للناس باستعلائهم واستكبارهم وصلفهم وإقصائهم مرة أخرى , وأبعد من ذلك هؤلاء المتطرفون الإخوانيون الإرهابيون الذين صاروا داعمين لداعش فيما تقوم به من قتل وحرق وذبح وتنكيل بالبشر , بل تشجيع لها على هذه الأفعال الآثمة والمجرمة , وهؤلاء يجب أن نقف لهم بالمرصاد , وأن نعمل على كشف عمالتهم وخيانتهم ومصادر تمويلهم , فلا مجال للمواقف الضبابية أو الرمادية أو المترددة أو المتوجسة أو إمساك العصا من المنتصف ؛ لأن ذلك ليس في مصلحة الوطن في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ أمتنا التي تتهددها المخاطر من كل جهة , ولابد من إعلان واضح وصريح من كل وطني شريف عن رفض كل ألوان العنف والتخريب والتدمير والتفجير والفساد والإفساد , والله لا يحب الفساد ولا المفسدين , ولا النفاق ولا المنافقين.

التيار الثاني : هو تيار تلك الجماعات المارقة من الدين والإنسانية التي انسلخت من دينها وإنسانيتها , إلى عالم آخر لا نعرفه , إذ إنها لا تنتمي إلى عالم الأديان , فالأديان كلها تدعو إلى الرحمة والتسامح , لا إلى الحرق , ولا إلى الذبح , ولا إلى التمثيل , ولا إلى التنكيل بالبشر , كما أنه لا يمكن أن يكون هذا عالم الإنسانية , فالإنسانية السوية لا يمكن أن تقر هذه الجرائم , وتلك الفظائع التي لا يمكن أن يحتملها أي حس إنساني سليم إلا من طمست بصيرته وانسلخ من إنسانيته .

        وهنا يجدر بنا أن نؤكد أن ديننا براء من كل ذلك , فقد نهى نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) عن المُثَلَة أي التمثيل بالموتى ولو بالكلب العقور , وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : “لا تغُلَّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ” , كما نهى ( صلى الله عليه وسلم ) عن التعذيب بالنار ,” فإنه لا يعذب  بالنار إلا ربها ” , بل أبعد من هذا وأكثر بيانًا لأن الإسلام دين رحمة لا دين عنف ، ولا قتل ولا تنكيل حتى بالحيوان ، وهذا ما ذكره نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : ” من أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ” , ” وأن بغيا من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة لأنها وجدت كلبا يلهث من العطش , فقالت لقد بلغ بهذا الكلب ما بلغ بي , فخلعت خفها فملأته ماء من البئر , فسقت الكلب , فشكر الله لها , فغفر لها , فدخلت الجنة ” , ورأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) رجلا يُتْعِبُ جَمَله , فقال : ” يا هذا , اتق الله في البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها , فإن جملك هذا قد شكا إلىّ أنك تجيعه وتُدْئِبُهً, أي تتعبه وتشق عليه ,

        ولما رأى ( صلى الله عليه وسلم )  حمرة تحوم حول عشها جيئة وذهابا تبحث عن فراخها قال ( صلى الله عليه وسلم ) : من فجع هذه في فراخها , ردوا إليها فراخها ” .

         أرأيت إلى هذه الرحمة بالطائر والحيوان فضلا عن الإنسان , فأين نحن من هذه الرحمة , وأين نحن من هذه الإنسانية , وأين نحن من هذا الرقي , إننا لفي حاجة ماسة إلى فهم ديننا فهمًا صحيحًا , ثم تطبيقه على أرض الواقع ينم عن حسن فهمنا له , وإيماننا , وحرصنا على تطبيقه .

        على أن هذه الجماعات قد استفحل خطرها وتمادت في غيها وعدوانها وتحديها لإرادة الأمة والعمل المتواصل على كسر شوكتها , واستئصال شأفتها , واستباحة بيضتها , وهتك عرضها , وتفتيت دولها , وتمزيق كيانها وأوصالها , طمعًا في الاستيلاء على خيراتها ومقدراتها من جهة , وعملا لصالح العدو الصهيوني المتربص بها من جهة أخرى ليبقى وحده القوة الأبرز التي تسيطر على كل دول المنطقة وتخضعها لنفوذها .

        وهذا يتطلب منا جميعًا أعلى درجات الوعي بتلك المخاطر , وسرعة التحرك والعمل على تشكيل قوة ردع عربية مشتركة ؛ لأن جميع دولنا العربية مستهدفة , ولا أحد منا بمنأى أو منجاة من هذا الخطر الداهم , ولن ينجو أحد منا وحده مهما نأى بنفسه عن المواجهة .

        أما التيار الثالث : فهو تيار الهيمنة الاستعمارية , وبالأحرى الهيمنة الأمريكية وأدواتها وأجنحتها في المنطقة محتلة في قطر وتركيا وإسرائيل , فقد ذكرت صحيفة الأخبار في صدر صفحتها الأولى يوم الأربعاء 18 / 2 / 2015م ثلاث دول أطلقت عليها قوى الشر التي تعمل ضد مصر وتحاول إضعافها أو إسقاطها , فذكرت ثلاث دول هي أمريكا وقطر وتركيا , وأنا أزيد عليها دولة ومنظمة لا يمكن أن يكونا بمنأى عن المؤامرة التي تحاك ضد مصر , وهما إسرائيل وحماس .

        على أنني أؤكد على ضرورة التحرك السريع والذهاب إلى المنظمة الدولية للعمل على إدراج الدول التي ترعى وتمول القنوات الإرهابية التي تدعو إلى القتل والعنف وتحرض عليهما ضمن قوائم الدول الراعية للإرهاب.

      كما نؤكد مرارًا من أن الإرهاب إذا تمكن من المنطقة سينتقل كالبرق إلى العالم كله برًا وبحرًا وجوًا , ومن هنا فإننا نُحيي ما ذكره السيد رئيس الجمهورية , من أن مصر تدفع ثمن دفاعها عن نفسها وعن الإنسانية .

       ولا يفوتني أن أوجه تحية جديدة إلى قواتنا المسلحة الباسلة التي تستحق منا جميعًا كل تحية وتقدير , وتثبت يومًا بعد يوم أنها على قدر المسئولية والتحديات , فيد تبني وتعمر وأخرى تحمل السلاح , كما أؤكد على تفويضنا الكامل وثقتنا الكاملة في السيد الرئيس مع تجديد البيعة والتفويض لسيادته سواء في مواجهة الإرهاب والتخريب أم في منطلق البناء والتعمير .

الدولــــة والفوضــــى

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        هذا العنوان يحمل العديد من المدلولات الهامة ، أولها : الفرق بين الدولة والفوضى ، فالدولة حماية ، الدولة أمان ، الدولة ثقة ، الدولة استقرار ، الدولة نظام ، الدولة مؤسسات ، الدولة أجهزة ، الدولة بنى فكرية وسياسية واقتصادية وتنظيمية وتشريعية ، والفوضى على العكس من ذلك كله ، فهي اللانظام ، واللامؤسسات ، واللا أمان ، واللا استقرار ، واللا أمن ، وهكذا  سلسلة من السلبيات لا الإيجابيات .

       وقد حاول أعداء الأمة أن يُسوّقوا لهذه الفوضى ، وأن يجملوا وجهها ببعض المساحيق المسرطنة ، فقالوا : الفوضى الخلاقة ، والفوضى البناءة ، الفوضى الفاعلة ، في مؤامرات خسيسة ودنيئة وقذرة لتفكيك دولنا ، والوصول بها إلى دويلات صغيرة وعصابات متناحرة ، وبالأحرى اللادولة على نحو ما نرى حولنا في ليبيا وسوريا والعراق واليمن ، أو نحو ما حدث في الصومال وأفغانستان وغيرهما من الدول ، كل ذلك لتسهل السيطرة على هذه الدول ، ونهب خيراتها والاستيلاء على مقدراتها والتحكم في قراراتها وتوجهاتها ، أو التخلص من كيانها لو وجدوا إلى ذلك سبيلا، ونسج مسخ جديد منبت الصلة عن ماضيه وحاضره ، حائر متوجس من مستقبله ، أو لا أمل له فيه أصلا ، ونسي هؤلاء أو تناسوا عِبر ودروس التاريخ من أنه لا أمان لأحد في هذا العالم ما دام ظلم الإنسان والعمل على استعباده قائما، ويحضرني في ذلك قول الشاعر العراقي محمد مهدي الجوهري :

وما أنا بالهيَّــــابِ ثــــورةَ طامــــــعٍ

ولكنْ جِمــاعُ الأمرِ ثـــــــــورةُ ناقـــــم

فما الجوعُ بالأمرِ اليسيرِ احتمالُـهُ

ولا الظُلْمُ بالمرعى الهنيءِ لِطاعِــــــم

نَذيرَكَ مِن شعب أُطيـلَ امتهانُــــه

وإنْ باتَ في شكلِ الضَّعيفِ المسالــم

         سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد ، أم على مستوى الأمم والشعوب ، فما يحدث في شرق العالم نجد صداه في غربه ، وما يكون في شماله تجد أثره وصداه في جنوبه ، بل إن الجهات الأربع تتداخل وتتوارى وتتقاطع في ظل أدوات التواصل الحديثة والعصرية التي جعلت من العالم كله قرية واحدة ، على أن الإرهاب عابر للقارات ، متجاوز للحدود ، فكما نؤكد دائما الإرهاب لا دين له ، ولا وطن له ، ولا عقل له ، وكما قالوا : فإن خلائق السفهاء تعدي .

ولا شك أن الفوضى التي تحدث حولنا كان مخططا لها أن تدور في بلادنا ، لكن ما قامت به قواتنا المسلحة الباسلة بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية  أفشلت مخططات أعدائنا وأربكت حساباتهم ، وكشفت مؤامراتهم الدنيئة تجاه وطننا وأمتنا ، وهو ما يستحق منا التحية والتقدير للسيد الرئيس ولقواتنا المسلحة الباسلة ، ويجعلنا نعلن بكل فخر واعتزاز ثقتنا الكاملة  في قواتنا المسلحة والوقوف بكل ما أوتينا من قوة من خلفها ، مع تجديد الثقة والتفويض للسيد الرئيس سواء في مواجهة الإرهاب والتخريب ، أم في منطلق البناء والتعمير .

وهناك جانبان آخران من الفوضى يجب التصدي لهما بكل قوة وحسم :

        الأول : ما ترمي إليه الجماعات الإرهابية من محاولة زعزعة استقرار المجتمع من خلال عمليات التفجير والتدمير وترويع الآمنين واستهدافهم وإطلاق الشائعات للتأثير على المجتمع وخلخلة ثوابته وثقته في قيادته ، وقد أكدنا من قبل وسنظل نؤكد أنه لا بد من محاكمة هؤلاء المجرمين بتهمة الخيانة الوطنية ، ففي الوقت الذي تحيط فيه بنا المخاطر من جوانب متعددة ، يحتاج منا جميعا أن نعمل وبكل حسم على تطهير جبهتنا الداخلية من الخونة والعملاء والمأجورين وأذناب الاستعمار وعملائه ، فعلى حد قول الشاعر العراقي ” محمد مهدي الجوهري ”  :

ولقد رأى المستعمرون فرائسا

منا وألفـــــوا كلب صيد سائبــا

فتعهدوه فراح طوع بنانهـــــم

يبـــرون أنيابا لـــــه ومخالبـــــــا

مستأجرين يخربون بيوتهـــــم

ويكافأون على الخراب رواتبا

           النوع الآخر من الفوضى : هو البلطجة الفئوية ، ومحاولة ابتزاز الدولة ، فقد مرت الدولة بمرحلة استطاع فيها بعض النفعيين والانتهازيين استغلال حالة الفراغ الأمني؛ للحصول على مكاسب أو مواقع لا يستحقونها ، أو غيرهم أولى بها منهم على أقل تقدير ، وقد أغرى ذلك بعض ضعاف النفوس ومازال يغري البعض بالسير في الاتجاه نفسه ، غير واعين بالمتغيرات ولا التحديات ، فقد عادت أجهزة الدولة الوطنية إلى ممارسة عملها الطبيعي وصارت تميز الخبيث من الطيب ، وتدرك أهمية اختيار الكفاءات الوطنية المخلصة ، وخطورة  ماكان يتم في مراحل سابقة من الاستجابة لابتزاز الأعلى صوتا أو الأكثر قدرة على الحشد والإثارة والتهييج .

          كما ينبغي أن يدرك الجميع أننا في مرحلة فارقة من تاريخنا سواء على مستوى الوطن، أم مستوى الأمة، أم مستوى المنطقة ، وهذا يستدعي من جميع الوطنيين الشرفاء إيثار المصلحة  العامة على أي مصلحة شخصية أو حزبية أو نفعية ، وأن نعمل جميعًا على كشف المبتزين وأصحاب المصالح والمطامع والمنافع في أنانية مقيتة ، يقول سبحانه وتعالى ” وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ” (يوسف : 21).

الذبح والحرق والتنكيل بالبشر

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

          لاشك أن ما يحدث حولنا أو فينا أو بنا من انتهاك حرمة أو ذبح أو تنكيل بالبشر فوق أي وصف وكل وصف أو تحليل ، فلا يوجد معادل لغوي أو موضوعي مهما كانت دقة الكاتب يمكن أن يفي أو يعادل تلك الأفعال الإجرامية البشعة .

        والذي لا شك فيه أيضا أن جميع الأديان بصفة عامة ودين الإسلام بصفة خاصة لا يمكن أن يكون مصدرًا لهذا الإجرام ، فالإسلام وجميع الأديان من كل ذلك براء ، بل إن الإنسانية السوية والطبع السليم ينفران من ذلك , ولا يطيقان احتماله , أو حتى القدرة على مشاهدته , ومتابعة تلك المناظر التي تصيب صاحب الحس الإنساني السليم بصدمة تحفر في ذاكرته وقد لا يقوى على نسيانها ما دام حيا ، إن لم تشكل له صدمة ذهنية ونفسية وعصبية .

             وبما أننا بصدد التأكيد على أن الإسلام لا يقر شيئا من ذلك ، بل يحرمه ويجرمه فإننا نرى من واجبنا أن نؤكد أن الإسلام قد أكد على حرمة الدماء أيما تحريم ، ونهي وحرم كل ألوان التنكيل بالبشر أو التمثيل بالجثث ، فقد حرم الإسلام قتل النفس أي نفس , فقال سبحانه : ” أَنَّهُ من قتل نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ” ، فالحرمة هنا لقتل النفس أي نفس وكل نفس ، فلم يحرم الإسلام قتل النفس المسلمة فقط ، ولا المؤمنة فقط ، إنما حرم دماء الناس جميعًا ، بغض النظر عن دينهم أو معتقدهم أو جنسهم أو لونهم ، بل إن الإسلام قد كرم الناس جميعا ، فقال الحق  سبحانه : ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ” ، فكرم الإنسان على إطلاق إنسانيته ، ولما رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) امرأة كافرة مقتولة في ساحة الحرب قال (صلى الله عليه وسلم) : من قتلها ؟ ما كانت هذه لتقاتل ” .

          وفي هذا ما يؤكد أنه لا يوجد في الإسلام قتل على المعتقد ، وإنما هو دفاع عن النفس والأرض والعرض والوطن والدين ، حيث يقول سبحانه وتعالى: ” أُذِنَ لِلَّذِينَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ” ، فالإسلام لا يحمل الناس على الإسلام حملا ، إنما يترك لكل إنسان حرية اختياره ليكون حسابه عند ربه على هذا الاختيار , يقول الحق سبحانه مخاطبًا نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ” , وقوله تعالى : ” إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ “, بل إن الحق سبحانه قد بين لنا أن الاختلاف سنَة إلهية وكونية , حيث يقول سبحانه : ” وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ” .

        ومن فضل الله علينا أنه لا يحملنا تبعة كفر من كفر مادمنا قد بلَغنا رسالتنا بالتي هي أحسن , فقال سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ” ، ويقول سبحانه وتعالى: ” ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” ، فكل ذلك يؤكد أننا لم نخلق أوصياء على الناس أو محاسبين عنهم أو متحملين عاقبة كفر من كفر ولا عصيان من عصى طالما بلَغنا بالحكمة والموعظة الحسنة ، فالإسلام قائم على الرحمة لا على العنف ، ولا على التشدد ، ولا على القتل ، ولا على التخريب ، ولا على التدمير ، فما بالكم بالقتل والذبح والحرق والتنكيل ؟

        لقد نهى الإسلام عن ذلك كله وشدد النكير على من يفعله ، فنهى نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) عن الحرق والتعذيب بالنار فقال (عليه الصلاة والسلام) : ” لا تعذبوا  بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا ربها ” ، ونهى ( صلى الله عليه وسلم ) عن المثلة والتنكيل بالبشر ، فقال عليه الصلاة والسلام : ” إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ” ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لقادة الجيش وجنوده : ” لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ” ، وعلى هذا صار خلفاؤه الراشدون وصحابته الكرام ، فَعن عبد الله بن عامر أنه قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) برأس البطريق ، فأَنْكَرَ ذَلِكَ , فَقَالَ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إِنَّهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، قَالَ: أَفَاسْتِنَانٌ بِفَارِسَ وَالرُّومِ؟ لَا يُحْمَلْ إِلِيَّ رَأْسٌ , فَإِنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ ، وفي حادثة أخرى :  أُتي له برأس، فقال: بَغَيتُم! أي : إن هذا من فعل أهل البغي والظلم لا من فعل أهل الإيمان .

       وهكذا حرم الإسلام المثلة بالموتى وقطع رءوس البشر حتى خرج علينا أناس ابتليت بهم الأمة يستحلون سفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الممتلكات دون وازع من دين أو ضمير إنساني حي .

خطورة الفكر البهائي

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

لا شك أن أعداء الدين والوطن والأمة العربية يعملون على تفتيت منطقتنا العربية بكل السبل والوسائل , سواء أكان ذلك عن طريق تغذية التطرف والإرهاب والتشدد والغلو المؤدي إليهما , أم عن طريق إشاعة الإلحاد والأفكار والمذاهب الهدامة كالبهائية والباطنية والإسماعيلية وغيرها , أم عن طريق نشر التشيع السياسي , واستخدام المنتسبين إلى تلك الفرق والمذاهب ومن يعتنقون أو يتبنون أو ينشرون تلك الأفكار الهدامة لخلخلة النسيج الوطني المتماسك في مصر والأمة العربية , بقصد إضعافها وتفكيكها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها .

وتنسب البهائية إلى ” ميرزا حسين علي ” الملقب ببهاء الله , وهو الزعيم الثاني للمذهب الذي تتولاه هذه الطائفة , وتسمى هذه الطائفة أيضا البابية , وهي ليست بالنحلة المحدثة التي لم يتقدم لها في النحل المارقة من الإسلام مايشابهها أو تتخذه أصلاً تبني عليه مزاعمها ، وإنما هي وليدة من ولائد الباطنية ، تغذت من ديانات وصفية وآراء فلسفية ونزعات سياسية ، ثم اخترعت لنفسها صورًا من الباطل , وخرجت تزعم أنها وحي سماوي.

وتسمى هذه الطائفة – أيضا – ( البابية ) نسبة إلى ( الباب ) وهو لقب ميرزا على محمد الشرازي الذي ابتدع هذه النحلة , ويزعم أن شريعته ناسخة للشريعة الإسلامية , فابتدع أحكاما خالف بها أحكام الإسلام وقواعده , و ( الباب ) لفظ متداول عند الفرق الباطنية , يطلقونه على بعض دعاتهم .

وقد استخدم الاستعمار هذه الطائفة لزعزعة عقيدة المسلمين وتفريقهم ، وارتبط البهاء وأتباعه بعلاقات وثيقة مع الصهاينة والاستعمار ، فساندت البهائية قيام دولة إسرائيل على حساب دولة فلسطين الشقيقة .

وقد دخلت هذه  الطائفة مصر في بداية القرن العشرين ، وكان لها علاقة وطيدة بالحركات الصهيونية العالمية , مما دفع الحكومة المصرية إلى إصدار القرار الجمهوري بالقانون رقم 263 لسنة 1960م بحل المحافل البهائية ووقف نشاطها.

ولا شك أن الفكر البهائي ليس فقط شديد الخطورة على أمن الوطن وسلامته ، بل خطره أشد على الدين والعقيدة الإسلامية ، فمن أسسه ما يلي:

1- عدم ختم النبوات ، مما يفتح الباب للدجالين والأفاكين بادعاء النبوة.

2- عدم الإيمان بالقيامة وتأويلهم الجنة بالحياة الروحية ، والنار بالموت الروحي.

3-  اعتقادهم أن الحج إلى الكعبة باطل ، وحجهم إلى قبر البهاء في حيفا .

4- عدم تحريم الزواج بالمحارم ، واعتقادهم بأن الله لم يحرم إلا الأم ، كما يُحِلُّونَ الزنا وشيوعية النساء والأموال.

5- إباحة الربا، وغيره من المحرمات والموبقات.

        فهذه الأسس وتلك التعاليم تتناقض مع أصول الدين الإسلامي وعقائده تناقضا تامًا , بل إنما هذه النحلة الباطلة لا علاقة لها بالإسلام , ولا علاقة للإسلام بها, وتخرج معتنقيها من دائرته.

وقد أدركت وزارة الأوقاف خطر البهائية الكبير في ظل الظروف التي تمر بها مصرنا العزيزة والمنطقة العربية , حيث يحاول أعداء الدين والوطن تفسيخ وتفتيت النسيج الاجتماعي لأوطاننا بطرائق شتى من التطرف , فقامت الإدارة العامة لبحوث الدعوة بعقد دورات تدريبية متتابعة للتوعية بخطر هذه الأفكار على الدين والأمن القومي ,كما قرر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية طباعة بعض البحوث حول خطر الفكر البهائي إسهامًا منه في التحذير من خطر هذه الأفكار التي باتت توظف توظيفا سياسيًا لصالح أعداء الدين والوطن .

وإنني لأؤكد أن أمننا القومي يقتضي مواجهة كل الأفكار المتطرفة سواء كان التطرف غلوًا وتشددًا , أم انحرافًا وتسيبًا وانفلاتًا وخروجًا على القيم الدينية والأخلاقية والمجتمعية والإنسانية , فإذا أردنا أن نقضي على التشدد من جذوره فلابد أن نقضي على التسيب من جذوره , فلكل فعل رد فعل مساوِ له في النسبة ومضاد له في الاتجاه .

وهذه الفرق الضالة الهدامة إنما هي صنائع لأعداء ديننا وأمتنا وأمننا القومي المصري والعربي , ما يتطلب منا جميعًا كشف زيغ وأباطيل هذه الفرق , وهو ما يحتاج إلى اليقظة والتنبه , والتمسك بالهدي الإسلامي الصحيح الوسطي دون إفراط أو تفريط .