مقالات

حـظ النفـس مـن الـدنيــا

 

Dr.Mokhtar-Gomaa

 

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

        نؤمن أن الكمال لله وحده , وأن العصمة فقط لأنبيائه ورسله , ثم إن لكل نفس حظها ونصيبها من الدنيا قل ذلك أو كثر ، غير أن حظ النفوس قد يكون غبطة ، وقد يكون حسدا ، وقد يكون غلا وحقدًا وانتقامًا , وقد يكون مجرد أمل , وقد يكون أملا يحمله العمل .

         فالغبطة هي أن تتمنى دوام الخير للغير وأن يصيبك منه ما أصابه , من غير أن تتمنى زوال النعمة عنه , أما الحسد ففيه استكثار النعمة على الغير واعتباره غير أهل لها وتمني زوالها عنه , أما الغل والحقد والانتقام فهو العمل على زوال النعمة عن الغير , وإذا كانت الغبطة هي جزءا من حظ النفس الذي يمكن أن يكون مقبولا , فإن الأمرين الأخيرين يتنافيان غاية التنافي مع الدين والقيم وطبائع النفس السوية .

         والغبطة إما أن تكون أملا فارغًا , وتطلعًا نفسيًا لا يخدمه عمل ولا مقومات , وهو ما حذر منه النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ” (صحيح مسلم) , وإما أن تكون الغبطة غبطة صحية تدفع إلى السعي والعمل والتنافس في الخيرات , وهي غبطة مقبولة تتناسب وطبائع النفوس السوية .

        وهناك عوامل تدفع إلى ضبط وعلاج حظ النفس من الدنيا , وأخرى تدفع إلى التوتر والقلق وربما الهدم والهلاك .

        والناس نوعان : الأول سبيله الوحيد هو البناء لا الهدم , فهو معنيٌّ ببناء نفسه ، أو بناء دولته , أو بناء ما يقع في نطاق مسئوليته , لأنه يؤمن أن البناء هو السبيل إلى مرضاة الله , من منطلق أن رسالة الإسلام بل صحيح الأديان رسالة بناء وعمارة للكون لا هدم فيها ولا تخريب , فإن وجد فتنة وهدمًا , قاوم وصمد احتسابا لله وحده , أو اعتزلها ونأى بنفسه عنها وأنكر بلسانه أو بقلبه , وهذا أضعف الإيمان ، أما الصنف الآخر فيسلك منهج التشويه والهدم للآخرين , وكما قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني في وساطته : وأهل النقص رجلان : رجل أتاه التقصير من قبله , وقعد به عن الكمال اختياره , فهو يساهم الفضلاء بطبعه , ويحنو على الفضل بقدر سهمه , وآخر رأى النقص ممتزجًا بخلقته , ومؤثّلا في تركيب فطرته, فاستشعر اليأس من زواله ، وقصرت به الهمة عن انتقاله ، فلجأ إلى حسد الأفاضل ، واستغاث بانتقاص الأماثل ، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته , وستر ما كشفه العجز عن عورته ، اجتذابُهم إلى مشاركته , ووسمُهم بمثل سِمَتِه , وقد قيل :

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ

طُوِيَت أتاحَ لها لِسانَ حسودِ

        أما  العوامل التي تدفع إلى ضبط النفس وعلاج حظها من الدنيا , فأولها الإيمان الصادق بالله وبقضائه وقدره , وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه , مؤمنًا بأن الأمور بيد الله وحده , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ” (الترمذي) .

       ثم يتبع ذلك الرضا بما قسم الله , والثقة فيه , ثم ثقة الإنسان في نفسه , وإحساسه بقدرته على الإنجاز , وسعة أفقه في الحياة , ودخوله من أبوابها المتسعة , وأن يترك ما لا يستطيع إلى ما يستطيع لعله يجد فيما يستطيع ما يحقق أمله , مع إيمان مطلق بقسمة الله في خلقه , وأنها قسمة عدل تستحق الرضا , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ” (الترمذي) .

الخــــط الفـاصــــــل

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

      يعد مؤتمر الأزهر الشريف في مواجهة التطرف والإرهاب خطا فاصلا بين مرحلتين في تاريخ مواجهة الإرهاب في القرن الحادي والعشرين ، هما : مرحلة ما قبل المؤتمر ، ومرحلة ما بعد المؤتمر ، فإنني على يقين أن المواجهة الفكرية للإرهاب بعد هذا المؤتمر ستختلف اختلافا جذريا ، وأنها ستخلق أجواء من البحث المستنير والحوار الهادف بصورة غير مسبوقة ، وبخاصة في بيان وتصحيح المفاهيم المغلوطة لدى كثير من شباب الجماعات والتيارات الإرهابية والتكفيرية ، وبخاصة مفاهيم الخلافة التي يجعلونها أصلا من الأصول ، بل أصل الأصول لدى بعض الجماعات المنحرفة ، وقد أكد فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر أنه لا نزاع بين أهل العلم المعتبرين أنها أليق بالفروع وأقرب لها ، ومذهب الأشاعرة على أنها فرع لا أصل ، وذكر فضيلته ما ورد في كتاب شرح المواقف الذي يُعد أحد أعمدة كتب المذهب الأشعري ، حيث ذكر مؤلفه في شأن الإمامة أنها ” ليست من أصول الديانات والعقائد عندنا بل هي فرع من الفروع ” ، ثم علق فضيلة الإمام قائلا : فكيف صارت هذه المسألة التي ليست من أصول الدين عند أهل السنة والجماعة فاصلا عند هذا الشباب بين الكفر والإيمان ، وفتنة سُفِكَت فيها الدماء ، وخُرّب العمران ، وشُوّهت بها صورة هذا الدين الحنيف ؟!

       ونؤكد أن نظم الحكم تخضع لظروف الزمان والمكان طالما أنها قائمة على مراعاة مصالح البلاد والعباد ، وأنها تهدف إلى تحقيق العدل بين الخلق ، ولا تحول بين الناس وبين أداء شعائرهم التي افترضها الله عليهم ، ولا تتصادم مع ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة معلوما من الدين بالضرورة ، والعبرة بالغايات التي تحقق صالح البشرية ، لا بالمسميات وإن قطعت لأجلها الرءوس ، وانتهكت الأعراض ، ونهبت الأموال ، جهلا وظلما وافتراء على الله سبحانه وتعالى وعلى الناس .

        وكذلك بيان أمر الجهاد الذي شرع لدفع العدوان ، لا لإكراه الناس وحملهم حملا على الإسلام ، وقد بيّن القرآن الكريم أنه لا إكراه في الدين ولا على الدين ، حيث يقول الحق سبحانه : ” لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ” (البقرة : 256) ، حيث ذكر فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في كلمته الافتتاحية أن الجهاد لم يشرع في الإسلام إلا للدفاع عن النفس والدين والوطن ، قائلا : ونحن نحفظ عن شيوخنا في الأزهر الشريف أن علّة القتال هي العدوان لا الكفر ، وأن إعلان الجهاد ومباشرته لا يجوز أن يتولاه أحد إلا ولي الأمر ، ولا يجوز لأفراد أو جماعات أن تتولى هذا الأمر بمفردها مهما كانت الأحوال والظروف ، وإلا كانت النتيجة دخول المجتمع في مضطرب الفوضى وهدر الدماء وهتك الأعراض واستحلال الأموال ، وهو ما نعانيه اليوم من جراء هذا الفهم الخاطئ المغلوط لهذه الأحكام الشرعية ، ومن هنا فإن الاعتداء على النفس الإنسانية أي كانت ديانتها أو اعتقادها أمر يحرمه الإسلام ويرفضه ، كما أن الاعتداء أو التهجير القسري أو التمييز أمور تتنافى وصحيح الدين وإجماع المسلمين .

        وكذلك مفهوم الولاء والبراء ، فالبراء من الكفر لا يعني على الإطلاق سوء معاملة من لم يرفعوا علينا سلاحا ، بل على العكس فنحن مأمورون بحسن معاملتهم والإحسان إليهم ، يقول الحق سبحانه : ” لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ” (الممتحنة : 8) ، وكان سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما) إذا ذبح شاه قال : ابعثوا لجارنا اليهودي منها .

        ونؤكد أن حضور هذه الكوكبة من العلماء والأدباء والمفكرين والسياسيين والإعلاميين لهذا المؤتمر وإقبالها عليه يعكس ثقتها الكاملة في الأزهر الشريف ، وإمامه الأكبر ، وقدرته على حمل لواء السماحة والوسطية في العالم كله ، وقدرته على مواجهة التحديات وكل ألوان التطرف والإرهاب ، والتشدد والغلو ، كما يعكس رغبة جامحة لدى جميع الحاضرين في مواجهة الإرهاب ومحاصرته ، فالجميع من مسلمين ومسيحيين ، وعلماء دين ومفكرين ، وإعلاميين ومثقفين ، وساسة ووطنيين قد عانوا أشد المعاناة من انتشار الإرهاب في منطقتنا ، فجاءوا جميعا ليقولوا بصوت عال : لا للتطرف ، لا للإرهاب ، لا للتكفير ، لا للتفجير ، لا لكل ألوان العنف أو التشدد ، فسنتصدى جميعا لكشف المؤامرات التي تحاك لمنطقتنا العربية ، كما سنصطف اصطفافا وطنيا وقوميا لمواجهة كل ألوان التطرف والغلو من جهة ، وكل العملاء والخونة والمأجورين وتجار الدين من جهة أخرى ، يقول الحق سبحانه : ” وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ” (يوسف : 21) .

ماذا خسر العالم الإسلامي
بظهور جماعات الإسلام السياسي

Mokhtar_8

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

      لقد ظهرت حركة وطنية في كثير من دول العالم تدعو إلى الاستقلال عن قوى الاستعمار  ، بعضها  تحت مسمى حركات الاستقلال والأخرى تحت مسمى حركات التحرر أو التحرير ، وقد حقق معظمها أهدافه ووصل إلى ما يصبو إليه دون أن يجعل من الدين ستارًا ، بل إن حركات التحرر  والاستقلال الوطني ضمّت في كثير من الدول أصحاب أديان وعرقيات مختلفة ، جمعهم جميعا وحدة الهدف ومصلحة الوطن .

       أما ظهور أحزاب وجماعات وجمعيات الإسلام السياسي فقد جرّ على منطقتنا العربية ويلاتٍ كثيرة ، وبخاصة بعد أن بدت ظاهرة التكسب بالدين أو المتاجرة به واضحة لدى كثير من الحركات والجماعات التي عملت على توظيف الدين لتشويه خصومها من جهة ، وتحقيق مطامعها السلطوية من جهة أخرى ، فصارت محاربة الإسلام تهمة جاهزة لكل خصوم حركات وأحزاب وجماعات ما يعرف بالإسلام السياسي ، ناهيك عن تجاوز ذلك إلى تهم التخوين والتكفير والإخراج من جماعة المسلمين ، بل الحكم على المخالفين أحيانًا بأن أحدًا منهم لن يجد رائحة الجنة ، وإن رائحتها لتوجد من مسيرة كذا ومسيرة كذا ، وبدا خلط الأوراق واضحًا جليًا عن عمد لا عن غفلة لدى أكثر هذه الجماعات ، بل إن الأمر قد ذهب إلى أبعد من هذا عندما نصّبت بعض أحزاب وحركات وجماعات ما يعرف بالإسلام السياسي من نفسها وصيًا على الدين ، مع فقدان كثير من كوادرها للتفقه الصحيح في الدين ، وخروج بعضهم علينا بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان ، اللهم إلا سلطان الهوى والسلطة وحب الظهور أحيانًا .

        لقد رأينا في تجربة الإخوان المرة إلى أي مدى وصل الهوس بالسلطة ، وحب الظهور الإعلامي ، والإحساس غير المسبوق بالنشوة والتميز الذي وصل لدى بعضهم إلى درجة العنصرية المقيتة التي ولدت إقصاء ممنهجًا لكل من لا يسير في ركابهم أو يرضى عنه تنظيمهم ومرشدهم ، حتى لو كان هذا المرشد المزعوم لا علاقة له بسياسة الدول أو قيادة الأوطان ، وقطعوا كل ما من شأنه تحقيق ولو أدنى درجة التواصل مع القوى الوطنية والمجتمعية لصالح البلاد والعباد ، فأخذوا يكيلون تهمًا ما أنزل الله بها من سلطان ، ويدبرون مكائد مكشوفة لا يليق أن تصدر عن ساسة ولا حتى سوقة لمؤسسات وطنية عريقة ، كالأزهر الشريف وجامعته ، ومؤسسة قضائنا العريق الشامخ ، ولا يخفى على أحد ما كان من حصار المحكمة الدستورية ، وتخفيض عدد أعضائها نكاية ببعض قضاتها ، وما تبع ذلك مما عرف آنذاك بالإعلان الدستوري المكمل أو قل دون تردد المكمم ، الذي أريد له أن يجعل من رئيسهم المعزول نصف إله على الأقل ، مما يستدعي إلى الذاكرة ما ذكره القرآن الكريم عن فرعون مصر حين قال كما ذكر القرآن الكريم على لسانه : ” مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ” (غافر :29) ، ولم تسلم مؤسسة وطنية واحدة من محاولة تفكيكها وإعادة بنائها بطريقتهم ، فإن لم يستطيعوا عمدوا إلى غمزها ولمزها ، أما المفكرون والمثقفون والإعلاميون فنالهم النصيب الأوفى من تهم الخيانة والعمالة وسائر الأوصاف التي يعفّ أي مسلم عاقل عن رمي أي إنسان بها بلا بينة ولا دليل قاطع .

        لقد أعطى هؤلاء المتسترون بالإسلام الذرائع أكثر من مرة لأعداء الأمة للتدخل في شئونها تحت مسميات متعددة المعلن منها مواجهة الإرهاب ، ثم خرجت من عباءة هذه الجماعات والحركات والأحزاب جماعات يائسة أخذت تتبنى العنف والإرهاب والتكفير والتفجير والعمليات الانتحارية مسلكًا ومنهجًا ، ووجدت بعض قوى الاستعباد المسمى الاستعمار الجديد في هذه الجماعات اليائسة من التكفيريين والانتحاريين ضالتها ، فتعهدتها ونمتها وغذتها وأمدتها بالمال والسلاح ، لتحقيق مآربها في تفتيت كيان المنطقة العربية والاستيلاء على نفطها وخيراتها ومقدراتها من جهة ، وتشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب من جهة أخرى .

        فبعد أن كان المسلمون هم رسل السلام إلى العالم أخذت صورتهم تُسوّق على أنها رديف الإرهاب والقتل والدمار ، ومن كان لديه ذرة من المكابرة فلينظر فيما أصاب دولا بأكملها كـ : ليبيا ، وسوريا ، والعراق ، وأفغانستان ، إضافة إلى ما يحدث في اليمن ، وباكستان ، والصومال ، ومالي ، وكثير من دول وبلاد الإسلام .

        إنني أرى وأقترح أن تُؤثِر أحزاب وحركات وجماعات وجمعيات الإسلام السياسي المصلحة الحقيقية للإسلام على مصالحها الحزبية والشخصية وأطماعها ومآربها السلطوية ، وأن تترك المجال الديني للعلماء والدعاة المتخصصين الفاقهين ، لعلهم يستطيعون أن يصلحوا ما أُفسدَ قبل فوات الأوان ، وقبل أن تكون عاصفة لا تبقي ولا تذر .

        إن البشرية الآن في حاجة إلى من يحنو عليها من جديد ، ومن يأخذ بيدها إلى طريق الهداية وإلى مكارم الأخلاق ، بالعمل لا بالقول وحده ، وبالحكمة والموعظة الحسنة لا تحت تهديد السلاح ولا حد السيف ، استجابة لقوله تعالى : ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّعَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ” (النحل:125) .

        إن هناك كثيرًا من دول العالم التي كانت ترسل طلابها إلينا لتعلم سماحة الإسلام صارت تتخوف على أبنائها أن يأتوا إلى بلادنا ، ثم يعودوا إليها إرهابيين أو متشددين ، وإن بعض الدول التي كانت تفتح أبوابها للعمل أمام أبنائنا صارت أبوابها موصدة مغلقة ، ألا يستحق كل هذا من هذه الجماعات والحركات والأحزاب أن تراجع نفسها وتعود إلى رشدها وصوابها ، لله وللوطن ؟

دور المرأة في مواجهة الإرهاب

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

      دور المرأة لا يمكن أن يقف عند الفهم الخاطئ الذي تريده لها تلك الجماعات والتيارات الإرهابية أو المتطرفة أو المتشددة سواء تلك التي تنظر للمرأة على أنها مخلوق من الدرجة الثانية ، أو تلك التي تنظر إليها نظرة تحكمها الغرائز لا أكثر ولا أقل ، ولعلنا ندرك أن ما حدث من إرهابي داعش تجاه المرأة يُندى له جبين الإنسانية، كعمليات الختان الوحشية التي تمت لعدد من فتيات العراق بصورة لا تعود بنا إلى عصور التخلف والظلام فحسب، إنما تعود إلى ما يمكن أن يطلق عليه تجوزا ما قبل التاريخ أو ما قبل الإنسانية ، إذ لا يمكن للحس الإنساني والتاريخ البشري أن يتقبل أو يحتمل تلك الجرائم التي انسلخ مرتكبوها من كل حس إنساني، وكذلك مظاهر السبي والاسترقاق وتوزيع النساء كغنائم على الإرهابيين يقدن قسرا وذلا وهوانا، والغريب أن شيئا لم يتحرك لا للنخوة ولا للدم الحر، وبخاصة بعد أن سمع الناس بعض الفتاوى التي أباحت للرجل أن يترك زوجته ويتخلى عنها إذا خاف على نفسه الهلاك في خروج واضح على كل معاني الرجولة والنخوة ، أو كهذا الذي قال إنه لا مانع لديه من أن يرى ظهور ابنته في حمام السباحة أمام الناس ، أما المنظمات الحقوقية ومنظمات المرأة العالمية وبخاصة الغربية فقد سكت صوتها أو أسكت بفعل فاعل ، ليفتضح أطراف المؤامرة، وليكون الأمر وصمة عار في جبين الإنسانية وبخاصة الدول والتنظيمات والمنظمات التي ترعى الإرهاب من جهة، وفي جبين المنظمات التي تدعي حماية المرأة والدفاع عن حقوقها من جهة أخرى، فإن لم يكن هذا زمان ومكان ومناط الدفاع عنها فأين يكون؟

      ومن ثمة فإن المسئولية على المرأة نفسها مضاعفة ، سواء أكان ذلك لحق تصحيح صورة الإسلام بل صورة الأديان التي لا يقبل أي دين منها تلك الممارسات فضلا عن أعمال القتل والتخريب ، وسفك الدماء ، وترويع الآمنين ، بما لا يفرق بين رجل وامرأة أو شاب وشيخ، أم كان ذلك دفاعا عن الأوطان التي تسلب وتنهب وتغتصب، وبخاصة في منطقتنا العربية التي تعمد القوى الاستعمارية الحديثة إلى دك بنيانها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها من جديد ، أم كان ذلك دفاعا عن حق المرأة في الحياة الكريمة ، والعمل على وقف ما تتعرض له من مهانات على يد تلك الجماعات الإرهابية المتاجرة بالدين .

      لقد عرف المسلمون المرأة : أما ، وأختا ، وزوجا ، وبنتا ، وشريكة في الحياة والكفاح والنضال ، كما عرف التاريخ الانساني نساء كثيرات كن ملء السمع والبصر ، وذوات أثر واضح في الحضارة الإنسانية ، فعرف مريم ابنة عمران أم المسيح عليه السلام التي قال عنها رب العزة في كتابه العزيز على لسان أمها امرأة عمران : “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ” (آل عمران: 35).

      قال بعض المفسرين : أي وليس الذكر الذي كنت تريدين كالأنثى التى رزقتين في الفضل وخدمة بيت الرب، وهي التي قال عنها الحق سبحانه : ” وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ” (التحريم :11)

       ومنهن امراة فرعون التي تبرأت من ظلم فرعون وجبروته ، وقالت كما جاء على لسانها في القرآن الكريم : “رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” (التحريم : 10).

       ومنهن السيدة هاجر أم إسماعيل (رضي الله عنهما) ، ومنهن السيدة خديجة بنت خويلد زوج نبينا (محمد صلى الله عليه وسلم) ، وأم ولده إبراهيم، ومنهن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وأم السبطين الكريمين ، سَيدَي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (رضي الله عنهما) ، ومنهن السيدة عائشة بنت الصديق (رضي الله عنهما) ، والسيدة حفصة بنت عمر (رضى الله عنهما )، وسائر زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وغيرهن من الصحابيات ، والتابعيات ، والنساء اللاتي أثرن  في الحضارة الإنسانية على مر العصور ، فلم يكن دور المرأة على مر التاريخ غُفلا ، بل كان دورا فعالا بقوة في الحضارة الإنسانية ، اللهم إلا عند أعداء الإنسانية ، وفي عصور الجهل والظلام  والتخلف .

      وإذا كانت مشاركة المرأة فى صنع الحضارة مطلباً هاماً فإن أهم منه مشاركتها الآن فى دحر الإرهاب ومقاومة قوى الشر والجهل والتخلف ، ويُحمَدُ للمرأة المصرية بصفة خاصة مشاركتها الفعّالة فى ثورتين عظيمتين الخامس والعشرين من يناير 2011 والثلاثين من يونيو 2013 م .

      وأعظم من ذلك مشاركتها الإيجابية التى لفتت وبقوة نظر القاصى والدانى لوعيها وثقافتها  فى الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث قلن بصوت عال : نعم للأمن والاستقرار، ولا لقوى الشر والظلام  والإرهاب، وهو المؤمل منهن فى كل الاستحقاقات الوطنية  .

     غير أننا ننتظر دوراً أكبر وإسهاما أكثر فى محاصرة الإرهاب الفكرى وتلك العمليات التخريبية ، فالمرأة  أُم ذات تأثير فى توجيه أبنائها , وأخت يمكن أن تكون ذات أثر كبير فى  نقاشها الفكري سواء مع أخواتها أم زميلاتها، وهى زوج يمكن أن تقوم بدور إيجابى كبير فى توجيه مسار زوجها إلى الطريق الصحيح ، وحقاً كما قال الشاعر :

الأمُّ مدرسة إذا أعددتَها                       أعددتَ شعباً طيب الأعراق

      فالمرأة فى بيتها راعية ومسئولة عن رعيتها أمام الله، بأن تقوم على تربية أبنائها خير قيام وأن تحول بكل ما يمكنها بينهم وبين الأفكار الهدّامة وأصدقاء السوء , وأن تحرص كل الحرص على ألا تتخطفهم أيدى الهدّامين وقوى الشر والإرهاب , وهى راعية فى مدرستها إن كانت معلمة، وفى مشفاها إن كانت  طبيبة، وفى جامعتها إن كانت أستاذة ، وفى كل مجال يمكّن لها الله فيه ، عليها أن تستشعر ثِقل الأمانةِ ودقة خطورة المرحلة ,

      كما أن علينا جميعاً واجباً شرعياً ووطنياً تجاهها يُحملنا أمانة الذّود عنها وعن كرامتها وعن حقوقها , كما يحملنا مسئولية كبيرة أيضاً تجاه تثقيفها  وتوعيتها بالتحديات التى تواجهنا، لتتولى هى بدورها جنباً إلى جنب مع الرجال مسئوليتها فى مقاومة الأفكار الهدّامة ، وعلى أقل تقدير تحصين نفسها وتحصين أبنائها ومن كان في رعايتها أو تحت مسئوليتها من الأفكار الظلامية، وألا تنخدع بما يروج له المتاجرون بالدين من أفكار الدين منها براء ، والوطنية الصادقة منها براء ، والحس الإنساني السليم منها براء .