مقالات

التشيع السياسي والأخونة وناقوس الخطر

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

فكرة التشيع في أصل نشأتها اقترنت بالعصبية أو التعصب للإمام علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ثم لآل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مستغلة العاطفة الدينية الجيّاشة الجارفة المفعمة بحب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وآل بيته الكرام ، غير أن الأمر عند الشيعة تجاوز العاطفة الدينية إلى التوظيف السياسي ، واختُرقَت حركة التشيع ببعض الزنادقة والحاقدين على الإسلام ممن فقدوا عروشهم ، وكانوا يظنون أن اعتناق التشيع مع ما فيه من التقية يمكن أن يصل بهم إلى أهدافهم السياسية ، وهكذا تعمل الآن إيران على بسط نفوذها السياسي في المنطقة من خلال تغلغلها المذهبي ودعمها بكل قوة للمد الشيعي ، وتوظيفها له سياسيا ومذهبيا وعسكريا .

وقد لقي هذا المد الشيعي دعمًا كبيرًا من أعداء الإسلام والأمة العربية الذين يعملون على تفتيت كياناتها القوية ، وزعزعة أمنها واستقرارها ، وتقويض وحدتها وتماسكها ، لصالح العدو الصهيوني من جهة ، والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها والتحكم في مفاصلها من جهة أخرى .

وقد وجدت بعض الدول الطامعة في خيرات الأمة العربية ونفطها ومقدراتها وثرواتها الطبيعية في دعم المد الشيعي وسيلة لزعزعة أمن المجتمعات السنية المستقرة ، وقد أكدنا في أحاديث كثيرة أن العمل  على نشر التشيع في المجتمعات السنية يعد خطرًا كبيرًا على أمنها القومي ومقومات السلم الاجتماعي بها ، بل إنه يهدد أمنها القومي والسياسي معا ، بزرع الفتنة بين أبنائها واستفزاز مشاعر أهل السنة بمظاهر لم يكن بوسعهم تقبلها أو التسليم بها ، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بعقيدتهم والطعن في صحابة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الكرام وأمهات المؤمنين الطاهرات .

إذن لقد خرج التشيع عن مساره المذهبي إلى تحقيق أغراض ومطامع سياسية ، واتخذ من سلاح المال والتقية مدخلًا كبيرًا لتحقيق الأهداف السياسية التي تسعى إليها تلك الدول الشيعية أو الداعمة للتشيع في سبيل زعزعة استقرار الأمة العربية .

ولكن المفاجأة التي لم تكن مذهلة للعقلاء والحكماء والمفكرين والمحللين لكنها نزلت كالصاعقة على كثير من عامة الناس هي أن جماعة الإخوان المسلمين تنهج منهج الشيعة نفسه في التقية لأجل تحقيق مطامعهم السلطوية ، وهو ما أكده ونبه إليه كثير من الكتاب والمفكرين من أمثال الأستاذ ثروت الخرباوي الذي يقول : للتقية قصة مع الإخوان مستمرة من عهد الأستاذ المؤسس حسن البنا إلى وقتنا هذا ، لم يتخل الإخوان عن تقيتهم هذه في أي لحظة من اللحظات ، آمن حسن البنا بها ، واعتبرها أصلا من أصول العمل الحركي للجماعة ، وتقية الإخوان لا تختلف عن تقية الشيعة في شيء ، فهم يعدونها وسيلة من وسائل التمكين ، يسلكون سبيلها ويتوسعون فيها حتى صارت أصلا من أصولهم ، تقية الإخوان والشيعة هي هي لا فرق بينهما .

وليس ذلك في مصر وحدها ، بل هي جزء من تكوينهم الفكري ، يقول الدكتور جمال الراشد : التقية في الشرع هي التحفظ والتحرز من ضرر من هو قادر على الإضرار بإظهار موافقته في الظاهر ، فهي آنية تزول بزوال الدافع لها ، أما التقية عند الإخوان والشيعة فهي قضية رئيسة ، والإخوان المسلمون في الأردن يقرون عمليا ولو بالباطن بمشروعية العمل بالتقية السياسية .

ويؤكد الأستاذ محمد جواد مغنية أن التقية ارتبطت عند الرافضة بالكذب والغش والنفاق حتى صارت عندهم من أصول الدين ، فلا إيمان عندهم لمن لا تقية له ، حتى قال ابن بايويه : اعتقادنا في التقية أنها واجبة من تركها بمنزلة من ترك الصلاة ، ويذكر بعضهم أن تسعة أعشار الدين في التقية ، ونقل عن ابن تيمية أنه قال في التقية : إنها صفة الرافضة ، شعارهم الذل ، ودثارهم النفاق والتقية ، ورأس مالهم الكذب والأيمان الفاجرة ، ويكذبون على جعفر الصادق ، وقد كرّم الله أهل البيت ولم يحوجهم إليها ، فكانوا أصدق الناس وأعظمهم إيمانا ، فدينهم التقوى لا التقية .

وقد فرق بعض العلماء والكتاب بين التقية الشرعية التي هي فرع من الفروع وتقية الشيعة التي هي أصل من الأصول ، فالتقية الشرعية تكون مع الكفار لا مع المؤمنين عند الخوف على النفس أو العرض ، وتكون في مواطن الضعف لا مواطن القوة ، وهي رخصة لا عزيمة وتكون باللسان لا بالأفعال ، ولا يمكن أن تكون سجية للمسلم في جميع أحواله ، فلا ينبغي الخلط بين ضرورات الشرع وبين ما هو من فعل الزنادقة من الكذب والخداع والغش والنفاق باسم التقية .

ولا شك أن التشيع والأخونة بأهدافها السلطوية خطر داهم يفت في عضد المجتمع ، فينبغي علينا التنبه لتلك الأخطار الداهمة ، سواء بمراقبة الأموال التي تدخل البلاد بصورة غير مشروعة ، أم بمراقبة إنفاق الأموال الطائلة التي تستغل حاجة الفقراء والكادحين ، أم بكشف حقائق تلك الجماعات التي تتخذ من الدين شعارا أو غطاء لتحقيق مصالح شخصية أو سلطوية ، وهذا واجب وطني على جميع المفكرين والمثقفين الحريصين على وحدة وتماسك أوطانهم في مواجهة أعداء أمتنا المتربصين بها الطامعين للاستيلاء على مقدراتها الطامحين إلى تقويض بنيانها ، مما يستوجب على جميع أبناء الوطن المخلصين التصدي لهم بكل بسالة وصلابة .

مصر على مشارف نهضة ولكن

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

على الرغم من كلِّ الصعوبات والتحديات التي تمر بها مصر فإني لم أكن أكثر تفاؤلاً مني في هذه الأيام، و أشعر من داخلي أننا على أعتاب مرحلة جديدة ومشارف نهضة واضحة المعالم، وذلك لما تمتلكه مصر من طاقات بشرية، ومصادر متنوعة،  وموقع جغرافي متميز، وحضارة وآثار عريقة، وثروات طبيعية مازال كثير منها بكرًا ، يحتاج إلى إرادة وتصميم  من جهة ، وقرار سياسي حاسم ومستقل من جهة أخرى ، وتهيئة مناخ جيد للاستثمار الداخلي والخارجي من جهة ثالثة.

وفي أثناء مقابلتي لدولة رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب لمستُ عزيمةً وإصرارًا على إحداث نقلة نوعية في تاريخ مصر الحديث تقوم على أسس واضحة المعالم، من أهمها :

دفع عجلة العمل والإنتاج إلى الأمام، والبحث عن بدائل غير تقليدية لإعادة المصانع المتعثرة أو المتوقفة إلى العمل، وتوفير مزيد من فرص العمل الحقيقية أمام أبناء الوطن جميعًا، للقضاء على البطالة أو التخفيف من حدتها على أقل تقدير في المنظور القريب،   و التمكين للشباب في المواقع القيادية والتنفيذية مع عدم الاستغناء عن الكفاءات من ذوي الخبرة والدرية بمسالك الأمور، فالعلاقة بين الشباب والشيوخ ليست علاقة صراع أو صدام بين الأجيال، إنما ينبغي أن تكون علاقة تكامل، فلا غنى عن طاقات الشباب وحماسهم المنضبط بضوابط الكفاءة , ولا عن خبرات الشيوخ وتجاربهم في ضوء قدرتهم على العطاء .

والعنصر الأهم الذي نسعى جميعًا إلى تحقيقه في هذه الحكومة المرتقبة التي يعلق الشعب عليها آمالاً كبيرة هو تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية وعاجلة، وهو ما نؤمن جميعًا به وما تطلبته ثورتا 25 يناير و 30 يونيو، وأكدّ عليه دستور 2014 الذي حققته إرادة المصريين بإقبال لا يدع مجالاً لأي مزايدة .

تلك العدالة التي لا يمكن أن يستقر وطن بدون تحقيقها وتصحيح منظومتها ،بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين ،ويعطي الأولوية في الدعم والخدمات للطبقات الأكثر فقرًا، والأشدّ  احتياجًا .

و أؤكد أن العناية بتحسين أحوال الطبقات الكادحة أو الأكثر فقرا،والقرى والنجوع والمناطق العشوائية الأشد احتياجًا إلى الدعم أوالخدمات ستكون في أولى أولويات هذه الحكومة .

على أن ذلك يحتاج أيضًا إلى تضافر جهود الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال المخلصين لوطنهم الحريصين على نهضته ورقيه ، الذين يدركون أن لوطنهم عليهم حقا، وهذا أوان رد الجميل للوطن، فعند الشدائد تظهر المعادن النفيسة.

و لكي تتحقق هذه الطموحات ينبغي:

1- أن نعمل جميعا على تحقيق الأمن والاستقرار، ونضرب بيد من حديد على أيدي العابثين والمخربين والمفسدين، وأن نُعرّي أطماعهم السلطوية، وندحض بالدليل القاطع حججهم الواهية، ونكشف للمجتمع كله زيفهم وكذبهم وخداعهم ومعسول كلامهم الممزوج بالسم الناقع، وصدق الحق (سبحانه وتعالى ) إذ يقول في كتابه العزيز: ( وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ *  وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ  *  وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } ( البقرة: 204 – 206 )

2- أن نبذل أقصى الجهد في العمل والإنتاج , فلا شك أن الاقتصاد في عصرنا الحديث أحد أهم دعائم القوة وأشد أركانها , وهو ما دعا إليه ديننا وأكّد عليه , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ): ” إذا قامت الساعة وفي يدي أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها ” .

على أن الإسلام لا يطلب مجرد العمل , وإنما يطلب إتقانه , يقول الحق (سبحانه وتعالى) لسيدنا داود (عليه السلام) : ” أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ‌ فِي السَّرْ‌دِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‌}  [سبأ : 11]  .

3- التخطيط الجيد وحسن توظيف الطاقات , ومن أهم ركائز  التخطيط وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ,والنظرة الشاملة لقضايا الأمة , ودراسة الأمور دراسة وافية قبل البدء في تنفيذها .

4- ترتيب الأولويات : وذلك بتقديم الأكثر احتياجًا على الأقل , والأعم نفعًا على الأخص , والضروريات على الكماليات  في كل جوانب حياتنا .

5- ترشيد الاستهلاك , والبعد عن جميع مظاهر الإسراف والتبذير , لأن الأمم التي تريد أن تبني نفسها وأن تنهض من كبوتها لا بد أن تتحمل لبعض الوقت بعض المتاعب والصعاب , فتعمل وتكّد من جهة ,وترشد استهلاكها من جهة أخرى , وهذا ما فعله يوسف (عليه السلام) لإنقاذ مصر في سنى المجاعة , وهو ما يتضمنه قول الحق (سبحانه وتعالى) على لسان يوسف (عليه السلام )” : {قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً  فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }. (يوسف : 47-49) .

قراءة في فكر الإمام الأكبر ومواقفه

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

صدر لفضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ثلاث إصدارات هي بمثابة ثلاثة كنوز علمية معرفية ، هي: التراث والتجديد ، وحديث في العلل والمقاصد ، ونظرات في فكر الإمام الأشعري ، وقد اعتزمتُ الكتابة عنها تباعا غير أن لقاء حضرته في رحاب مشيخة الأزهر كان لا يمكن أن أتجاوزه ، لما له من دلالات عظيمة على عمق فلسفة فضيلة الإمام ووطنيته وغيرته لدينه ووطنيته ، وهو لقاء فضيلته بالمبعوث الأوروبي لحقوق الإنسان يوم الثلاثاء 11/ 2/ 2014م ، حيث أسمع فضيلة الإمام الرجل كلاما ما كان ليسمعه من غيره ، ومن ذلك أن اختلاف الثقافات والحضارات والأعراف والتقاليد يولد بالطبع اختلافا في الحقوق والواجبات ، ولا يمكن لحقوق الإنسان في الغرب التي ترتبط بطبيعة المجتمعات فيه أن تستنسخ وتفرض قسرًا على الشرق ولا العكس قائم أيضا ، فمثلا إذا كانت بعض ثقافات الغرب تقنن وتقر حقوق المثليين في الزواج فإن ثقافة الشرق وحضارته تأبى ذلك ولا يمكن أن تتقبله ، وإذا كانت حقوق الإنسان في الغرب لا تسمح بالمساس بالسامية أو إنكار المحرقة المزعومة أو حتى مناقشة أمرها ، وتعد ذلك من الجرائم والمحرمات ، فإن ذلك لا يمكن أن يكون ملزما للشرق أو مفروضا عليه ، فإن هذه السامية المكذوبة أعطت اليهود من الحقوق والميزات ما يقوي مزاعمهم الفاسدة بأنهم شعب الله المختار .

كما نبه فضيلة الإمام أن الغرب الذي يتحدث عن حقوق الإنسان يمنح الكيان الصهيوني في إسرائيل من المال والسلاح ما يقتل به الشعب الفلسطيني ويدمر مقوماته الحياتية ، فأين هم من حقوق الإنسان في ذلك ؟ وأنهم هنا في مصر  يبحثون عن حقوق جماعة أو أفراد ، ولا يبحثون عن حقوق شعب بأكمله يواجه إرهابا أعمى لا يراعي حرمة دين ولا وطن ، وأنهم يستقون معلوماتهم من الإعلام المضلل والمنحاز لفريق بعينه ، ولا يستقون معلوماتهم من واقع الشعب المصري الذي يرفض الإرهاب بكل صوره ، ويعاني من مرارته ومن تلك الجماعات الإرهابية والمتشددة.

وفي هذا أكد فضيلة الإمام على أمرين: الأول أن الأزهر مستعد لاستضافة أي فريق من حقوق الإنسان على نفقة الأزهر والتعاون معه شريطة الإنصاف ، وأن يستقوا معلوماتهم من واقع الشعب المصري وليس من الإعلام الخارجي أو الداعم لفصائل التشدد أو الإرهاب.

الأمر الآخر: لا بد أن يكون الغرب منصفا للشرق في قضية حقوق الإنسان ، وألا يسلك معه مسلك الإملاء أو الاستعلاء ، بل على كل من الشرق والغرب أن يحترم ثقافة الآخر وحضارته ، لنتعامل في ضوء تكامل الحضارات لا تصادمها ، فللغرب ثقافته وعاداته وتقاليده وحقوقه التي لا ينكرها عليه الشرق ، ولا يملي عليه غيرها ، وللشرق ثقافته وحضارته وتقاليده وحقوقه التي لا يقبل أن يتدخل الغرب في تغييرها قسرًا أو إملاء غيرها عليه تحت أي ذريعة أو مبرر ، وأن الدستور المصري قد أقر حقوق الإنسان كاملة في ضوء شرائعنا وعاداتنا وتقاليدنا التي لا تقبل شعوبنا أي إملاءات تتناقض معها أو تكون خارج إطارها.

وفي الحديث حول علاقة الشباب والشيوخ أكد فضيلة الإمام على أهمية التواصل بين الأجيال ، فالعلاقة بين الشباب والشيوخ هي علاقة تكامل لا علاقة صراع ولا إقصاء ، فلا غنى عن طاقات الشباب ولا عن خبرات الشيوخ ، وفي وضوح تام قال فضيلة الإمام للمبعوث الأوروبي ليس كل القيادات في أوروبا أو في الغرب من الرؤساء والوزراء والمسئولين من الشباب ، وفي معرض الحديث عن انحيازهم إلى جانب الإخوان المسلمين قال فضيلة الإمام للمبعوث الأوروبي لا نريد أن تبحثوا عن حقوق أشخاص أو جماعات على حساب شعب بأكمله ، وأكد أن الأزهر كان دائما يسعى للمصالحة ولم الشمل غير أن تعنت فصيل بعينه كان يحول دون إتمامها .

وأسجل الآتي:

1- أن المبعوث الأوروبي كان مندهشا من عمق فلسفة الإمام وصراحته وشجاعته ، ولم يستطع أن يخفي إعجابه بهذه الفلسفة العميقة في رؤية حقوق الإنسان ، وأكد أنها جديرة بالنظر والاحترام وأنه أفاد منها في رؤيته العامة لحقوق الإنسان ، وإن كان قد حاول الجدل في بعضها.

2- أن الطرف المتعنت الذي أشار إليه فضيلة الإمام في حديثه هو جماعة الإخوان المسلمين ، وبخاصة قياداتها العليا في مكتب الإرشاد التي كانت تتدخل في اللحظات الأخيرة بما يحول دون إتمام الوفاق أو المصالحة.

3- أن فضيلة الإمام الأكبر بقيادته الحكيمة للأزهر الشريف قد آثر الانحياز إلى جانب الدولة في مواجهة العبث والفوضى ، وتبنى بقوة ووضوح منهج السماحة والتيسير وفقه التعايش في مواجهة التشدد والتكفير ودعاة الطائفية.

أما الكتب الثلاثة التي أشرت إليها في صدر المقال فلا يمكن أن يفي بأي منها حديث موجز كهذا ، فسنجعلها مجالا لعقد عدد من الندوات حولها ، غير أني أشير فقط إلى رؤية فضيلته للعلاقة بين التراث والتجديد ، وهي تقف في منطقة وسط تدعو إلى الإفادة من التراث ، والتفرقة بين الثابت والمتغير فيه ، وإعادة قراءته قراءة جديدة واعية في ضوء معطيات ومكتسبات ومستجدات عصرنا الحاضر ، قراءة لا تقبل القطيعة مع الماضي ، ولا يمكن أن تتنكر له أو تنسلخ منه ، وهي في الوقت نفسه لا تنفصل عن واقعها ولا تنعزل عنه ، ولا تتنكر له أو ترفضه لمجرد حداثته أو كونه وافدا من ثقافة الآخر ، إنما تدعو إلى نظرة متوازنة تأخذ من الماضي ما تؤسس به للحاضر وتنطلق به في المستقبل ، وتأخذ من الحاضر والوافد أيضا كل ما هو نافع ومفيد ، وتؤمن بالتواصل الحضاري والانفتاح على الآخر علميا و ثقافيا بما لا يتعارض مع ثوابتنا الشرعية وقيمنا الحضارية ، لنصنع في النهاية بناء حضاريًا جديدًا ينطلق بنا إلى مصاف الدولة المتقدمة والراقية من جهة ، ويحفظ لنا هويتنا وخصوصيتنا الحضارية والثقافية من جهة أخرى.

بين الأمل والعمل

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

الحياة مفعمة بالأمل , فلا يأس مع الحياة , ولا حياة مع اليأس , والعاقل يجد لكل عقدة حلًا أو يحاول على أقل تقدير , والأحمق يرى في كل حل مجموعة من العقد المتشابكة , وبما أن صحيح الشرع لا يمكن أن يتناقض مع صحيح العقل , لأن التشريعات موجهة لمصالح العباد , فقد عدّ العلماء اليأس والتيئيس من رحمة الله ( عزّ وجل ) من الكبائر ,  عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) أن رجلًا   قال : يا رسول الله ما الكبائر  ؟ قال : (صلى الله عليه وسلم ) :  ” الشرك بالله والإياس من روح الله والقنوط  من رحمة الله , من وقاه الله إياها وعصمه منها ضمنت له الجنة   ”

ويقول الحق سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام ) في حواره مع الملائكة وقد بشروه بإسحاق ( عليه السلام ) : ” قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ  قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ” (الحجر: 54 ، 55 ، 56 ) , وهذا يعقوب ( عليه السلام  ) يقول لولده : ” يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ  إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ” (يوسف: 87) , ويقول الحق (سبحانه وتعالى ): ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” ( الزمر: 53) .

فلا ييأس مذنب من العفو ,لأن الله عزّوجلّ فتح باب التوبة واسعًا , وفي الحديث القدسي أن  رسول الله  ( صلى الله عليه وسلم  ) ” يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي , يا بن آدم لو جئتني بقراب الأرض خطايا لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بمثلها مغفرة  ” ( أخرجه الترمذي ) .

ولا ييأس مريض من عدم الشفاء مهما كان مرضه عضالًا , فعليه أن يأخذ بأسباب التداوي مع التعلق بحبل الله في الشفاء , ولنا في أيوب (عليه السلام) أسوة ، يقول الحق ( سبحانه ) : ” وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ  وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ” (الأنبياء: 83 ، 84) .

وإن كنت عقيمًا لا تنجب فلا تيأس من رحمة الله وفيض عطائه , فهذه امرأة إبراهيم (عليه السلام) عندما بشرتها الملائكة بالولد على كبر سنها تقول: ”  يَاوَيْلَتَى آلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ  قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ” (هود: 72 ، 73) ، وزكريا (عليه السلام ) عندما دعا ربه فقال : ” رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ” (مريم: 4 ، 5) جاءته الاستجابة الربانية العاجلة ” يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ”  (مريم: 7) ,  وعندما تساءل (عليه السلام)  ” رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ الله يَفْعَلُ ما يَشاءُ ” (آل عمران: 40)  جاءه الجواب ” كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ” ( مريم : 9) .

وإن كنت في حالة من ضيق اليد  فاعلم أن فقير اليوم قد يكون غني الغد ,وغني اليوم قد يكون فقير الغد , والأيام دول , وأن الله ( تعالى ) إذا أراد للعبد شيئًا أمضاه له ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ” (يس: 36)  , ويقول ( سبحانه وتعالى ) : ”  مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ”  ( فاطر : 2 ) .

ومهما تكن اللحظات العصيبة في حياتك فتعلق بحبل الله ( عز وجل ) ، فهذه مريم (عليها السلام ( عندما أظلمت الدنيا في عينيها ولم تجد ملجئًا من الله إلا إليه قالت:

” يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ” (مريم: 23) فكان الغوث والرحمة في قوله تعالى: ” فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ” ( مريم: 24 ، 25، 26 ) .

وها هم المسلمون في غزوة الأحزاب عندما أطبق عليهم المشركون من كل جانب لكن النصر جاءهم من حيث لم يحتسبوا كما صور ذلك القرآن الكريم في قوله تعالي”  : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ” ( الأحزاب: 9 ، 10 ، 11 )

وها هو سيدنا إبراهيم ( عليه السلام ) عندما ألقاه قومه في النار كان النجاء من عند الله  ” قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ” ( الأنبياء  :69 , 70   ) .

وهذا يونس ( عليه السلام ) عندما التقمه الحوت فلجأ إلى الله (عزّوجلّ) واستمسك بحبله كانت الرحمة والنجاة حاضرتين ، يقول ( الحق سبحانه ) : ” وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِـنَ الظّـَالِمِـينَ * فَاسْتَـجَبـْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِـــنَ الْغَـمِّ وَكَـذَلِكَ نُنْجِـي الْمُؤْمِنِـينَ ”

( الأنبياء  : 87 ، 88 ) .

ومن  رحمة الله ( عز وجل ) بنا أنه يحاسبنا على الأخذ بالأسباب ، أما النتائج فمردها إليه (سبحانه ) ، فإن أحسنّا الأخذ بالأسباب وأحسنّا التوكل على الله ( عز وجل ) فتح لنا أبواب رحمته في الدنيا والآخرة ، فيروي عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) أنه سمع رسول الله  ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ” لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا ” ( أخرجه أحمد ) ,ويقول الحق ( سبحانه ) :” وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ “( الطلاق : 2), ويقول ( سبحانه ) : “..وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ” ( الطلاق : 3 ) ،ويقول ( سبحانه ) : “..وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ” ( الطلاق :4) ،ويقول سبحانه : ” أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ” ( الزمر : 36 ) .

غير أن الأمل بلا عمل أمل أجوف ، وأمانٍ كاذبة خاطئة ، وقد كان سيدنا عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) يقول : ” لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول : اللهم ارزقني وقد علمت أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة ” ، ولا يكفي مجرد العمل ، إنما ينبغي أن يكون العمل متقنًا ، فَعنْ عَائِشَةَ(رضي الله عنها ) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» مسند أبي يعلى ، ويقول الحق ( سبحانه ) :”  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ” ( الكهف :30 ) والإسلام لم يدعُ إلى العمل، أي عمل فحسب، وإنما يطلب الإجادة والإتقان، فعَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها –  أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: ” إِنَّ اللهَ (عز وجل) يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ ” [رواه البيهقي في الشعب].

وذلك مع ضرورة مراقبة الله (عز وجل) في السر والعلن، فإنه من الصعب بل ربما كان من المستبعد أو المستحيل أن نجعل لكل إنسان حارسًا يحرسه، أو مراقبًا يراقبه، وحتى لو فعلنا ذلك فالحارس قد يحتاج إلى من يحرسه، والمراقب قد يحتاج إلى من يراقبه، لكن من السهل أن نربيَ في كل إنسانٍ ضميرًا حيًا ينبض بالحق ويدفع إلى الخير لأنه يراقب من لا تأخذه سنة ولا نوم.

وللتأكيد على أهمية العمل دعانا الإسلام إلى أن نعمل إلى آخر لحظة من حياتنا، حتى لو لم ندرك ثمرة هذا العمل، وما ذلك إلا لبيان قيمة العمل وأهمية الإنتاج للأفراد والأمم، فعن أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا) [الأدب المفرد].

كما دعا القرآن الكريم إلى العمل، وجعله في مصافّ العبادات، فقد نادانا الحق سبحانه لصلاة الجمعة – هذه الشعيرة العظيمة – بأمرٍ، ثم صرفنا إلى العمل بأمرٍ مساوٍ له حيث يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة 9 – 10) وكان سيدنا عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ (رضي الله عنه) إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (تفسير ابن كثير).

وإذا كان الإسلام يدعو إلى العمل والإنتاج فإنه يرفض – وبشدة – البطالة والكسل والتسول، لأن ذلك من أسباب تأخر البلاد وهلاك العباد، وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ بالله من العجز والكسل، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ : (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ) [ أخرجه مسلم ].

ومن ثَمَّ كان ترغيب الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في العمل ونهيه عن البطالة والكسل، فعن أبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) يَقُولُ :  قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَه» [ أخرجه البخاري] ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ( رضي الله عنهما ) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) عَنْ أَطْيَبِ الْكَسْبِ، فَقَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٌ» [أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير ]. وعَنِ الْمِقْدَامِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَنْ رَسُولِ (صلى الله عليه وسلم) اللهِ قَالَ : “مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ” أخرجه البخاري. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) :”إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنُوبًا لا تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَلا الصِّيَامُ وَلا الْحَجُّ وَلا الْعُمْرَةُ”،  قَالُوا: فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:”الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ”أخرجه الطبراني، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ : « السَّاعِى عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ – وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَكَالْقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ» متفق عليه.

وما كل ذلك إلا للتأكيد على أهمية العمل والإنتاج، إذ إن الأمم لا تملك كلمتها ولا إرادتها إلا إذا عمل أبناؤها جميعًا على رقيها ونهضتها، واستطاعت أن تنتج طعامها، وشرابها، وكساءها، ودواءها، وسلاحها، وسائر مقومات حياتها، ولن يكون ذلك إلا بالعلم والعمل والتخطيط الجيد، وهو ما نتناوله بمزيد من التفصيل في خطبنا القادمة إن شاء الله تعالى .