مقالات

مصر التي لا تعقم

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       بعد مرور أسبوعين من انطلاق ملتقى الفكر الإسلامي نستطيع أن نقول : إن مصر لم ولن يصيبها العقم ولا الجمود ، بل إنها كانت وما زالت وستظل نجيبة ولادة ، قادرة على التجديد والإبداع والابتكار ، وإن ما قدمه العلماء ، والسياسيون ، والإعلاميون ، والمفكرون ، والمبدعون ، من رؤى فكرية شجاعة ليؤكد أننا قادرون على اقتحام المجالات الصعبة والقضايا الفكرية الشائكة التي كان يتهيب كثيرون الاقتراب منها لحساسية الخوض فيها ، غاية ما في الأمر أننا نحتاج إلى مزيد من إعمال العقل , وإلى النظرة الموضوعية والوطنية للقضايا ، وإلى دراسة القضايا في ضوء المستجدات العصرية , وما يتطلبه فقه الواقع , وفقه المقاصد , وفقه الأولويات .

      على أن أهم ما يتميز به هذا الملتقى هو اللحمة غير المسبوقة بين علماء الدين ، والمثقفين ، والسياسيين ، والمفكرين ، والأدباء ، والمبدعين ، وتلك اللحمة المقصودة بين جمهور الملتقى من شباب أئمة الأوقاف ، وشباب الجامعات ، وطالبات الجامعات ، لنؤكد على أن الإسلام ينظر إلى المرأة نظرة تقدير لا نظرة إقصاء من الحياة العامة ، كما أننا عمدنا وعن قصد من خلال هذا الجمع المقصود لنخبة من علماء مصر ومن شبابها من مشارب واتجاهات علمية وفكرية متعددة إلى كسر النظام التقابلي بين علماء الدين وغيرهم ، لنقضي على ثنائية استمرت طويلا ، وأثرت سلبا ، وأنتجت فرقة ، تحت مسمى: “نحن وهم” ، لننطلق منطلقا جديدًا يجمع ولا يفرق في خدمة الدين والوطن.

      ولم يقف تناول الملتقى عند الموضوعات ذات الصلة بالجانب العقدي أو التعبدي فيما يتصل بالعلاقة بين العبد وربه ، وإنما انطلق في آفاق متعددة تشمل كثيرا من جوانب حياتنا العصرية.

       ونسوق دلالة على ذلك جانبا مما تناوله ضيوف الملتقى فيما مر من حلقاته ، ففي الحديث عن نظام الحكم والمتاجرة بقضية الخلافة أكدت في الملتقى السادس أن الإسلام لم يضع قالبا جامدًا صامتًا محددًا لنظام الحكم لا يمكن الخروج عنه، وإنما وضع أسسًا ومعايير متى تحققت كان الحكم رشيدًا يقرّه الإسلام ، ومتى اختلّت أصاب الحكم من الخلل والاضطراب بمقدار اختلالها، مشيرًا إلى أن أي حكم يسعى إلى تحقيق مصالح البلاد والعباد في ضوء معاني العدل والمساواة والحرية المنضبطة بعيدًا عن الفوضى والمحسوبية وتقديم الولاء على الكفاءة ، بحيث يهدف إلى تحقيق العدل بكل ألوانه السياسية والاجتماعية والقضائية بين البشر جميعًا ، ويعمل على توفير الحاجات الأساسية للمجتمع من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وبنى تحتية من : صحة ، وتعليم، وطرق، ونحو ذلك مما لا تقوم حياة البلاد والعباد  إلا به ، ويقضي على الفساد ، ويوفر حرية المعتقد ، ولا يمنع الناس من إقامة شعائرهم ، فإنه يُعد حكمًا رشيدًا سديدًا موفقًا ، مرضيًا عند الله وعند الناس إلا من حاقد أو حاسد أو مكابر أو معاند أو خائن أو عميل.

       وفي الحديث عن الحرية مقابل المسئولية في الملتقى الحادي عشر أكد الأستاذ أسامة هيكل وزير الإعلام الأسبق على أن وظيفة الإعلام الحقيقية هي تقديم المعلومة التي يحتاجها المجتمع ، وأن الحرية ليست مطلقة ، فللحرية ضوابط وحدود يمنحها المجتمع للإعلام والصحافة لكي يحصلوا على المعلومة التي يمكن تقديمها للمجتمع ، وتشكل وعيًا مجتمعيًا وتعمل على صياغة عقول الشباب نحو التقدم والرقي ، أما إذا لم يتسم الإعلامي أو الصحفي بالمسئولية وقدم معلومة خاطئة فيجب محاسبته ، مشيرًا إلى أن الدول ذات التجارب لها آليات جيدة لمحاسبة المقصرين في سائر المجالات .

        وفي الحديث عن الجهاد وضوابطه في الملتقى التاسع أكد أ.د/ سعد الدين الهلالي أن ما دعا إليه حسن البنا وسيد قطب من أفكار إنما هي أفكار الخوارج ، وأن الجهاد شيء مطلوب ولكن بمفهومه الصحيح، فلفظ الجهاد يفسره البعض بالقتال أي أن أذهانهم تنصرف إلى القتال وحده وهذا تفسير خاطىء، فالجهاد يأتي بمعنى العمل والاجتهاد ، وبذل الطاقة في التعليم وغيره من كل ما يؤدي إلى تحقيق مصالح البلاد والعباد في أمور دينهم أو أمور دنياهم ، وليس هذا فحسب ، بل السعي علي الأرملة والمسكين جهاد ، وقيام الليل جهاد ، وليس الجهاد كما يفسرونه استخداما للقتل وترويعا للآمنين ، فعلينا جميعا أن نجتهد في تصحيح المفاهيم الخاطئة ، تحصينا لشبابنا ولمجتمعنا من كل ألوان الانحراف ، سواء أكان انحرافا فكريا أم سلوكيا.

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار:
مخاطر الجماعات المتطرفة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا شك أن الجماعات والتنظيمات المتطرفة تشكل خطرا داهما على الأفراد والمجتمعات ، وأن الالتحاق بهذه الجماعات والتنظيمات ينطوي على مخاطر جسام ، أهمها : أن الداخل مفقود والخارج مولود ، فهذه العبارة تنطبق غاية الانطباق على الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، حيث إنها تعمل بأقصى طاقتها على تجنيد الصبية والشباب والفتيات وكل من تستطيع الوصول إليه تحت إغراءات مالية ، أو معنوية ، أو مخادعة ، واستغلال لظروف بعضهم النفسية ، أو الاجتماعية ، أو مغالطات فكرية أو دينية ، أو وعود لا يملكون من أمرها لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا ، وقد أعجبني ما سمعته من أحد المثقفين في نقاش له مع أحد الشباب حول لبس الأحزمة الناسفة ، فقال : لو جاءني من يطلب مني لبس حزام ناسف أو القيام بعملية انتحارية ، فإني سأسأله سؤالا واحدًا ، وهو : ما الذي يمكن أن يعود عليّ جراء القيام بهذا الأمر ؟ والمتوقع أن يجيبني : الجزاء هو الجنة بنعيمها وما فيها ، مع تعداده لما في الجنة من نعيم مقيم ، غير أن جوابي عليه هو : إن كان هذا الفعل كما تقول يؤدي إلى هذا النعيم المقيم فإني أؤثرك به على نفسي ، فتفضل أنت هذا الحزام وهنيئا لك أنت بهذا النعيم الذي تزعم أو تتوهم أنه مقيم ، إذ لو كان فيه كل هذا الخير والنعيم لما آثرونا به على أنفسهم ، مستخدما رجاحة العقل في النقاش ، بعيدًا كل البعد عن الدخول في فلسفات نظرية أو جدل عقيم .

            وإذا كانت بعض الصحف والمواقع والأخبار تطالعنا بأن كثيرًا من الشباب الذين التحقوا بداعش وأخواتها وأولاد عمومتها من جند النصرة ، وبوكوحرام ، وأجناد الشام ، وأعداء بيت المقدس ، والقاعدة ، والإخوان ، والسلفية الجهادية ، ومن كان على شاكلة هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية ، يريدون الخروج من براثن هذه الجماعات والتنظيمات ، غير أنهم يخشون القتل والتنكيل وسوء العاقبة لهم أو لذويهم وأهليهم على أيدي عناصر هذه الجماعات المتطرفة إن هم فكروا مجرد تفكير في هذا الخروج ، فإننا لا بد أن نؤكد على أهمية الحماية والتحصين والتحذير والإنذار المبكر لأبنائنا وشبابنا من أن يقع أحد منهم في براثن أو مخالب هذه التنظيمات الإرهابية .

            وهذا يتطلب منا جميعا التوعية الدائمة دعويا وإعلاميا وثقافيا وفكريا بمخاطر هذه الجماعات ، واحترافها الكذب ، وخيانتها لدينها وأوطانها ، وعمالتها لأعداء الدين والوطن ، واستعدادها للتحالف حتى مع الشيطان في سبيل مصالحها المادية والنفعية والسلطوية .

         كما ينبغي أن نلاحظ سلوك أبنائنا حتى لا تتخطفهم تلك الأيدي الأثمة ، فعلى كل ولي أمر أن يراقب سلوك من حوله ممن يعنيه أمرهم ، سواء أكان أبناء ، أم إخوة ، أم ممن يمتون له بصلة أو رحم أو جوار أو صداقة أو قرابة ، فإذا وجدته يميل إلى الاجتماعات السرية  ، أو الانطواء ، أو الكذب ، أو أخذ الغموض يبدو على تحركاته ، فعليك أن تحسن مراقبته حتى تقف على حقيقة أمره ، وأن تنقذه من براثن الإرهاب قبل فوات الأوان إن كان قد انحرف إليه.

         والذي لا شك فيه أن هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها التنظيم الدولي للإخوان الإرهابيين  إنما تعمل ضد دينها وأوطانها ، ولو أن أعداء الإسلام بذلوا كل ما في وسعهم ، وسخروا كل إمكاناتهم لتشويه صورة الإسلام ، ما بلغوا معشار ما فعلته هذه الجماعات من تشويه لصورة الإسلام وحضارة الإسلام في الداخل والخارج.

         كما أن جيوش الأعداء لم تكن قادرة أن تفعل بأمتنا بعض ما فعله هؤلاء من تمزيق وتفتيت لكثير من كياناتها , لكنهم نجحوا في توظيف هؤلاء الهمج الرعاع في ارتكاب أعمال وحشية همجية كالذبح والحرق والتنكيل بالبشر، وأيدي هذه القوى العالمية في الظاهر منها براء , بل إنها صارت توجه أصابع الاتهام إلى ديننا وحضارتنا وثقافتنا العربية الإسلامية ، على أنها هي التي أفرزت هذه الظواهر الشاذة , مع أن أجهزة مخابراتهم وشياطين إنسهم وجنهم هم من دربوا هؤلاء الإرهابيين على القسوة والوحشية والهمجية والفجور ، مما لا يقره دين ولا إنسانية ولا عقل سليم ، فضلا عن ديننا العظيم دين الرحمة والتسامح والإنسانية.

           أضف إلى ذلك النموذج الهمجي الذي يرتد إلى عالم ما قبل التاريخ , الذي رأيناه في بيع الإرهابيين لبعض النساء العراقيات أو السوريات , وهو ما يدفع كل حر أبيّ أن يضحي ولو بنفسه وكل ما يملك في سبيل ألا يرى هذا اليوم , لأن هؤلاء المجرمين لا يرقبون في الناس إلا ولا ذمة.

             وليتخيل كل واحد منا أن هذه المرأة التي تباع – لا قدر الله – ابنته , أو أخته , أو زوجته , أو أمه , أو عمته , أو خالته , فماذا أنتم فاعلون أيها الأحرار اتقاء هذا اليوم ؟!

             إنه لا بديل أمامنا سوى العمل على الخلاص من كل قوى الإرهاب والشر والتطرف , سواء أكان إرهابًا مسلحًا ، أم إرهابًا فكريًا , مؤكدين أن كل هذا الإجرام مخالف لصريح نصوص الكتاب والسنة , ففي القتل والذبح والتنكيل بالبشر , نؤكد أن ديننا نهى عن المثلة ، وهي التمثيل بالميت بعد قتله ولو كان كلبًا عقورًا , و” أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تَدَعْهَا تُصِيبُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ، وَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا حَتَّى مَاتَتْ ”  , على أن هذه المرأة لم تقتل الهرة , ولم تذبحها , ولم تحرقها , فقط هي غفلت عنها , فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض , وأن نبينا (صلى الله عليه وسلم) قد نظر إلى الكعبة وقال : ” مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ , وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ “.

            أما العبودية والاسترقاق فقد عمل الإسلام على تخليص البشرية منهما , وتوعد بالوعيد الشديد من باع حرًا فأكل ثمنه , فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” قَالَ اللَّهُ ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ “.

وداعًا هشام بركات

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

          لقد عرفت الرجل عن قرب ، عرفته قيمة وقامة قضائية وقانونية ووطنية , وعرفته قبل كل ذلك إنسانًا بكل ما تحمله أو تعنيه هذه الكلمة من معان .

           لقد كان الرجل حكيما لا يبحث عن الظهور الإعلامي ولا يسعى إليه , صامدًا كالجبل الأشم الشامخ الذي لا تهزه الريح ولا حتى الأعاصير , يؤمن إيمانًا قويًا لا يخالجه ولا يخالطه ولا يشوبه شك في أن ما أصابه لم يكن ليخطئه , وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه , يؤمن بأن العدالة معصوبة العينين , يؤمن بالله ، ثم بالوطن وبحقه .

        واجه المجرمين والإرهابيين والمتطرفين بشجاعة وثبات وصمود يغبط عليه , لقى ربه بما قدم , قانعًا راضيًا بما قدم , نحسبه كذلك , نحسبه شهيدًا في سبيل دينه من أن يشوهه المجرمون , وفي سبيل وطنه أن يمزق أو يتحطفه الخونة والعملاء , لقى ربه صائمًا , جمع الله له القلوب التي حزنت لفراقه في مشهد قل أن يجمع المصريون على مثله.

          رحل بركات ممسكًا بحبل الدين وحبل الوطن وحبل العدالة ، غير مفرط ولا مضيع للأمانة , وكان على قدر المسئولية .

          عرفته رجلاً عظيمًا , وعرفته إنسانًا وأخًا كريمًا , محبًا للعلماء , شديد الاحترام والتقدير لهم , واعيًا فطنًا , يفرق بين الغث و الثمين , يدرك أن الزيد يذهب جفاء , وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض , لم يكن خبًا أو مخادعًا , لكنه في الوقت نفسه لم يكن أبدًا ليخدعه الخب .

        لم تؤت مصر من قبله , وقف وسهر مرابطًا على الثغر الذي ولاه الله إياه  , بث في زملائه ومعاونيه وتلاميذه روح الوطنية والصمود , كان يدفع بهم إلى الأمام محبًا لهم ، حانيًا عليهم , التقيت به وبهم أكثر من مرة , فكنت أجد أنه رب أسرة قضائية عظيمة , يغمرها الحب والألفة والتفاني في العمل , بث في معاونيه روح التفاني والسهر والدأب , وكان بحق رمانة ميزان في ميدانه.

          على أننا نؤمن بأن مصر نجيبة ولادة , يستعصى على الزمن الصعب أن يكسر إرادتها أو إرادة أبنائها , وعلى الخونة أن يخترقوا صفوف أبنائها الأوفياء , فإذا لقى هشام بركات ربه صابرًا صامدًا محتسبًا , فإن ألف هشام بركات وألف ألف معهم سيكونون على درب الوطنية , وعلى نفس خط الفداء والتضحية والعطاء الذي سلكه , وإنني لعلى يقين من النيابة العامة والقضاء المصري الشامخ والشعب المصري العظيم سيفرز آلاف آلاف الرجال الذين بهم يسر الصديق ويساء العدا.

         وإنني لعلى يقين بأن مصر الغد غير مصر الأمس , وأن مصر بعد استشهاد هشام بركات ستكون شيئًا آخر , شيئًا جديدًا , شعبًا جديدًا , أكثر رفضًا للإرهاب , أفضل شجاعة وجرأة وجسارة وحسمًا في مواجهته , فقد دقت ساعة الصفر , وآن أوان الحسم , ولا مجال للمترددين , أو المرتعشين , أو المتلونين , أو البين بين , أو ممسكي العصا من المنتصف , أو المعولين على تقلب الزمن وتصاريف الدهر  وسرعة تقلب الأحوال , ممن يأكلون على كل الموائد , بلا حياء لا من الله ولا من الناس ولا من النفس , في ذل وقماءة وصغار , ودناء نفس , ونفعية مقيتة، أو تبعية ذليلة , أو خيانة وطنية وعمالة لأعداء الأمة , مما لا يسمن ولا يغني من جوع لا في الدنيا ولا في الآخرة, لأن هؤلاء وإن خدعوا أنفسهم أو خدعوا بعض الناس بعض الوقت , فإنهم لا يمكن أن يخدعوا كل الناس كل الوقت.

          إننا لفي حاجة إلى مزيد من اليقظة , ومزيد من الفطنة , ومزيد من الحسم , ومزيد من العمل , كل في مجاله وميدانه ، لله , وللدين , وللوطن .

        رحم الله هشام بركات رحمة واسعة , وأسكنه فسيح جناته , وحفظ مصر وأهلها من كل سوء ومكروه .

وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار:
رمضان شهر البر والصلة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      الإسلام دين البر والصلة ، والتراحم والتكافل ، وقد كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، كان أجود بالخير من الريح المرسلة ، وقد أصَّل (صلى الله عليه وسلم) ذلك المنهج قولاً وفعلاً ، فدعا إلى التراحم في أسمى معانيه ، وإلى تفريج الكرب ، والتيسير عن المعسر ، فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ” (صحيح مسلم).

          وقد دعا القرآن الكريم في مواطن عديدة إلى الإنفاق في سبيل الله ، وأكد على عظيم أجر المنفقين ، فقال سبحانه : ” مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ” (البقرة : 245) ، وقال سبحانه : ” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” (البقرة : 261) ، وقال عز وجل: ” الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ” (البقرة : 274) .

          وحذر من سوء عاقبة البخل والبخلاء ، فقال سبحانه: ” .. وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ” (التوبة: 34، 35) ، وقال سبحانه : ” هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ” (محمد : 38) .

        بل ذهب القرآن الكريم إلى أبعد من ذلك فحذر من إتباع الصدقة بالمنِّ أو الأذى فقال سبحانه وتعالى:  ” قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ” (البقرة : 263، 264) .

        وهذه المعاني العظيمة كلها قد أكد عليها نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ( عليه الصلاة والسلام ) : ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم) : ” ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ  فَقْرٍ ” ، وقال (عليه الصلاة والسلام):  حينما سئل :أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ ؟ فَقَالَ : ” أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا أَلاَ وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ “.

          على أن المال  يزيد بالإنفاق ، والنعمة تدوم بالشكر ، يقول الحق سبحانه: ” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ لِلَّهِ عَبَّادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا ، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ ” ، وكان يقول للسيدة عائشة (رضى الله عنها) : ” يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ عز وجل ، فَإِنَّهَا قَلَّمَا نَفَرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ  “.

          وقد عرف التاريخ رجالاً عظامًا في سخاء النفس ، وحب الخير ، وذكر لنا من ذلك قصصًا عديدة وعلى رأس هؤلاء حبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذى كان أكرم الناس جميعًا ، تزاحم عليه الناس يومًا عند مقفله من حنين حتى اضطروه (صلى الله عليه وسلم) من تزاحمهم إلى الميل إلى جانب شجرة عضاة فاختطفت ثوبه ، فقال لهم: (والذي نفسي بيده لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العضاة نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً أبدًا) .

          وما كان من سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل (رضي الله عنهما) عندما أخذ أربعمائة دينار ، فجعلها في صرَّة ، ثمَّ قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح، ثمَّ تمهل ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: وصله الله ورحمه. ثمَّ قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السَّبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل ، وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكَّأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع ، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا ، فاطَّلعت امرأة معاذ وقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا ، ولم يبق في الصرة إلَّا ديناران فنحا بهما إليها ، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر، وقال: إنَّهم إخوة بعضهم مِن بعض.

           ومنها ما يروون من أن عجوزاً جاءت إلى الإمام الليث بن سعد تطلب كأسًا من عسل ، فقال: أعطوها زقًا (وهو وعاء كبير) فقالوا : يا إمام إنما طلبت كأسًا ، فقال : هي طلبت على قدر حاجتها ونحن نعطي على قدر نعم الله عز وجل علينا .

        وها نحن في شهر رمضان الكريم نقول : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، فهذا شهر البركات ، وشهر الرحمات ، وشهر النفحات ، وشهر الإنفاق ، وشهر البر والصلة ، وهو شهر الرحمة ، وشهر العتق من النار ، فطوبى لمن ذاق وعرف ، ففاز وظفر ، وغفرانك اللهم ورحماك لأهل الهداية والرشد.